معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن
عندما يُعلن الحوثيون أن إجازتهم المرور والعبور من باب المندب لا تشمل السفن السعودية، وعندما تعلن مليشيا عراقية مسلّحة، في معرض نفيها استهدافها خط أنابيب نفط في الأراضي السعودية، إن هذا شرفٌ لا تدّعيه، فالوقاحتان هاتان تعنيان استخفاف المجموعتين بالمملكة، الدولة ذات القدرات العسكرية والإمكانات الكبرى، وقبل هذه وتلك، صاحبة المكانة المركزية في الإقليم، والمعوّل، منذ زمن، أن يكون لها موقعٌ قياديٌّ في الأمة العربية. وفي المبتدأ والمنتهى، لا يحسُن، أو لا يجوز على الأصحّ، أن يُقرأ هذا التمادي السافر على غير هذا النحو. ولأن الصراحة والشفافية أوْلى من سواهما في هذا الشأن (وغيره)، لا شيء يقال في هذا الموضع سوى إن الأمة تنتظر من الرياض حسمًا لهذا الحال، تُنهي فيه كل هذا الشذوذ الحادث في جوارها، مع التسليم بأن هذا الإجراء الشديد الإلحاح، المرتقب والمستعجل، سيكون متأخّرًا. ومع عدم إغفال أن بعض الجاري هو من نتاج خياراتٍ مضت فيها المملكة بناءً على تقديراتٍ ورهاناتٍ وحساباتٍ لم تكن مدقّقة، ومنها مماشاة أبو ظبي في معاداة حزب التجمّع اليمني للإصلاح، من باب التطيّر من الإسلام السياسي، من دون تمايزاتٍ بين ألوانه، ومن دون التعامل مع كل مقتضىً بمقتضاه. وقد أمكن لجماعة أنصار الله (الحوثيين) في السنوات العشر الماضية أن يزدادوا شوكةً وقدراتٍ تسليحية، وأن يصير لهم مشروعٌ خاص، وكذا هوامشهم التي تُتيح لهم مساحاتٍ ومسافاتٍ (وإن مضبوطتيْن) مع إيران.
لمّا اختُتم ديسمبر الماضي بخطوةٍ سعوديةٍ في اليمن أجهزت على المجلس الجنوبي الانتقالي، وطردت قياداته من عدن، بدا للجميع أن الرياض استعادت المبادرة، وأنها بدأت انعطافتها إلى تحوّل سياسي وميداني كبير في البلد الجار المأزوم، الذي تظلّ موضوعتُه سعوديةً مهما تقلبت فيه العهود والأنظمة. ولمّا أُعلن في الشهر الماضي (أغسطس)، توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، ظهر أن صانع القرار في المملكة التقط جيدًا ضرورة تنويع رهاناته وخياراته مع انكشاف الأمن الخليجي أمام شهيّة الحرس الثوري الإيراني للتأزيم والتوتير. ولمّا رأوها أخيرًا بلا ساقيْن اتفاقيةَ بكين مع الجمهورية الإسلامية في مارس 2023، وبموجبها أعيدت العلاقات الدبلوماسية، أيقن أهل الحكم في الرياض أن قيادة الحرس نفسه لا تعير الجوهريَّ فيها الاعتبار اللازم. وذلك كله بالتوازي مع اهتزاز المنظور الأميركي التقليدي بشأن أولويات دول الخليج الدفاعية، عندما لا يزاول ترامب في هذا الشأن غير الكذب والتدليس، والصراحة أحيانًا.
ذلك الشرفُ الذي لم تدّعه تلك المليشيا العراقية، التي لا يتوقّع إلا غافلٌ أنها ستسلم سلاحها لحكومة علي الزيدي في الثلاثين من سبتمبر الجاري، بالتوازي مع الحركة الحوثية التي استحكمت بباب المندب، هما من عناوين ما يجوز تسميتها حربًا إيرانية مع السعودية، وإنْ صحّ قول من قد يقولون إن ما أقدم عليه الحوثيون قرارٌ يخصّهم، وإن يصحّ، بالتوازي، إنه قرارٌ لم يكن له أن يصير إلا بمباركة إيرانية، أو أقله تعيين التوقيت الأنسب له. فالظاهر أن القرار المركزي في طهران حرقُ كل السفن مع الجميع، السعودية وغيرها، ومزاولة اللعب مع الولايات المتحدة بالأدوات المتاحة وفي الساحات الممكنة، وباستهدافاتٍ في الأردن وغيره، ما دام أن هذا كله مسوّغٌ بقرارٍ مركزيٍّ في واشنطن بالحرب ولا شيء غيرها، وإن تنوّعت نوباتُها، وتناوبت بين سخونةٍ وسخونةٍ أقل، بين ضرباتٍ شاملة وأخرى موضعية. وهذه قضية هرمز تخوض في شأنها إيران مع مسقط وعواصم الخليج بمنطق مفاوضات شامير مع الفلسطينيين عشية "أوسلو" وغداة مؤتمر مدريد، لا اتفاق ولا توافق، وإنما محادثاتٌ تلد أخرى. ما يحسم أن الخيار الإيراني هو الشرف غير المدّعى، والشرف المدّعى إن لزم الأمر، وغالبًا وكثيرًا ما يلزم.
من دون تطويل كلام، ليست الكرة هي التي في ملعب السعودية، إنما قضية الخليج وأمنه، قضية الإقليم، بل قبل هذا كله المملكة نفسها، وهيبتها ومكانتها، والمدعوّ هنا إلى أن يكون إنهاء الوضع البالغ الشذوذ أولوية الأولويات في الرياض، بعوْن خليجي أوسع، وبحزام أمني مصري لازم، وبإسنادٍ أردني ضروري، وبغير هذا كله مما يعلمه أهل الخبرة والمعرفة باللوجستيك واستحقاقاته...

