سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
حلّت يوم الجمعة الماضي الذكرى الخامسة والعشرون لهجمات 11 سبتمبر (2001). وبعد ربع قرن من ذلك الزلزال العالمي، لا نزال في حاجة إلى تحليل أبعادها وتقصّي حقائقها، وإعادة النظر فيما تبعها من سياسات أفرزت نتائجَ مهمة في أنحاءٍ مختلفةٍ من الكرة الأرضية، أهمّها التداعيات المتتالية على منطقة الشرق الأوسط، وعلى الدول العربية التي رُبطت بالهجمات.
لا تزال تلك الهجمات محلّ تساؤلات وشكوك بشأن مرتكبيها ودوافعهم ومن وراءهم، بل بشأن وقوعها أصلًا؛ إذ لم تتوقّف بعد الأصوات التي تنفي وقوع الهجمات، وتعتبر العمليةَ برمّتها غير حقيقية، ومختلقة من الولايات المتحدة لتبرير ما حدث لاحقًا من اندفاع أميركي في ملاحقة أيّ توجّهات مُعارِضة. ذهبت بعض تلك الأصوات إلى حدّ بعيد في تفسير الأمر بأنّه "خدعة كُبرى"، كما لو كان الأمر فيلمًا خياليًا، وتبنّت آراء أخرى نظرية المؤامرة نفسها، على نحو أقرب إلى الواقع، بأنّ البرجَيْن أُسقطا عمدًا بتفجيرات من الداخل، وليس بطائرات أو أيّ وسيلة خارجية. ويستشهد أصحاب تلك التفسيرات بأدلّة فنّية وهندسية منها صعوبة قيام متدرّبين حديثي العهد بقيادة الطائرات بالتحكّم في طائرات مدنية ضخمة وتوجيهها بدقّة كما ظهر في الشاشات.
بعد سقوط أبراج مركز التجارة، اندفعت الولايات المتحدة إلى سياسات عدوانية، وعمدت إلى استقطاب العالم: إمّا معها أو ضدّها، وباتت كلمة "مكافحة الإرهاب" كلمة سرّ تنفتح معها أبواب الدول وخزائن أسرارها. وهرول حلفاء واشنطن وراءها، أيًّا يكن الاتجاه وكلفته. ولمّا كان المتّهمون بهجمات "11 سبتمبر" من أبناء الدول العربية، تحمّلت الدول العربية والإسلامية عبء التكفير عن ذنب هؤلاء، في إقرار ضمني بمسؤولية نظم التنشئة والتعليم والإعلام والأوضاع الاقتصادية والسياسات الاجتماعية في تلك الدول عن إقدام أولئك المتّهمين على تنفيذ تلك الهجمات.
بعد ربع قرن من "11 سبتمبر"، لم يصدر عن أيّ دولة عربية أو إسلامية ما ينمّ عن مراجعة أو إعادة نظر في تلك القناعات والسياسات التي فرضتها واشنطن على العالم من دون تفكير أو دراسة فعلية، على الرغم من ثبوت وقوع واشنطن في أخطاء فادحة أفضت إلى كوارث عدّة على مدار تلك المدّة، بل أفضت، في رأي منتقديها، إلى انكشاف أنّ واشنطن نفسها وقفت وراء تأسيس معظم التنظيمات الإرهابية الدينية في العالم، بما فيها تنظيم القاعدة، الذي يُفترض أنّه المسؤول عن 11 سبتمبر، وغيره من تنظيمات وجماعات ترفع شعارات إسلامية، وتمارس أعمال عنف وتستخدم القوّة المسلّحة.
طبّقت واشنطن هذا التوجّه في نطاق واسع منذ مطلع التسعينيّات عندما انهار الاتحاد السوفييتي السابق وتفكَّك المعسكر الاشتراكي. حينئذ بدأ الحديث المُرسَل، وبدأت طروحات المفكّرين والأكاديميين عن "العدوّ البديل" تتحوّل إلى واقع عملي جسّدته فزّاعة اسمها "الإرهاب"، قبل أن يجري تضخيمها وربطها حصرًا بالإسلام، ثمّ جعل الإسلام مرادفًا لها. تخوض واشنطن صراعًا مفتوحًا مع الصين، وعلاقة متذبذبة مع روسيا، وعداءً مقيّدًا مع كوريا الشمالية، وتصف هذه الدول تارَةً بأنّها مارقة، وتارَةً بأنّها متمرّدة. لكنّها لا تتجرّأ سوى على المجتمعات الإسلامية، خصوصًا العربية منها، وظلّت ربع قرن تقصر مفهوم الإرهاب عليها.
مراجعة "11 سبتمبر" وما تلاه وتقييمهما ضروريان، شريطة ألّا تقتصر المراجعة على الجانب الأميركي، وألّا تنطلق من رؤيته وسرديته للحدث، إذ لا ينبغي التسليم بكلّ ما تقوله واشنطن، ولا ينبغي اتّباع سياساتها وتوجّهاتها إلّا بعد قياسها بمصالح الشعوب والدول المُستهدَفة بها وبأمنهما واستقرارهما.

