أظهرت الأرقام الرسمية تناقضا فادحا داخل منظومة التأمين الصحي الشامل، إذ راكمت الحكومة فائضا قدره 220٫3 مليار جنيه، بينما بقي المواطن محاصرا بطوابير الانتظار ونقص الأدوية وضغط المنشآت وارتفاع المساهمات المالية.
وتكشف هذه المفارقة أن الأزمة لم تعد مرتبطة بندرة الموارد، بل بعجز الجهات المسؤولة عن تحويل الأموال إلى أطباء وأسرة ومستلزمات ومواعيد قريبة، بما يضع كفاءة الإدارة والإنفاق تحت مساءلة مباشرة.
وبحسب الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، بلغت الإيرادات 281٫3 مليار جنيه، بينما سجل الفائض 220٫3 مليار جنيه حتى أبريل 2026، حصيلة ضخمة تقابلها شكاوى خدمية لا تتناسب مع القوة المالية المعلنة.
وفي الوقت نفسه، غطت الإيرادات 72٫5 بالمئة من مطالبات محافظات التطبيق خلال النصف الأول من العام المالي 2025ـ2026، ما يترك 27٫5 بالمئة خارج التغطية ويثير تساؤلات رغم وجود شركات لإدارة المطالبات.
خزينة ممتلئة وخدمة متعثرة
ويعتمد التمويل على اشتراكات إلزامية من العاملين وأصحاب الأعمال، ومساهمات يدفعها المرضى عند تلقي الخدمات، إلى جانب دعم الخزانة لغير القادرين، بما يجعل المواطن ممولا للمنظومة قبل أن يكون منتفعا بها.
كذلك تجمع الدولة رسوما من التبغ والأنشطة الملوثة وتراخيص المرور والقطاع الطبي، فضلا عن مساهمة تكافلية تبلغ 2٫5 في الألف من إيرادات الشركات، وهو اتساع تمويلي يفرض شفافية في الإنفاق.
وعلاوة على ذلك، أقر مجلس النواب في 29 يونيو 2026 تعديلات تستهدف إحكام تحصيل المساهمة التكافلية وتسريع وصولها إلى الهيئة، بينما ظلت تفاصيل مكونات الفائض وسيولته وتوزيعه بعيدة عن الرقابة المجتمعية.
كما تلقت المنظومة دعما وفنيا يقارب مليار دولار من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي ومنظمة الصحة العالمية، ما يضعف أي تبرير رسمي يرد التعثر إلى نقص التمويل.
ومن جانبه، يرى الباحث في سياسات الصحة علاء غنام أن تقييم النظام يبدأ بإتاحة الخدمة وفترات الانتظار والمسافات والمعوقات الإدارية والجودة، لا بالاكتفاء بعدد المنشآت أو البيانات الاحتفالية الصادرة عن الهيئات.
وبناء على ذلك، لا يمثل الفائض دليلا على النجاح، فقد يعني بطء شراء الخدمات أو ضعف التعاقد أو تأخر سداد المطالبات أو تحوطا ماليا مبالغا فيه، بينما تتحمل الأسر كلفة العلاج خارجه.
إدارة تحجب أثر الأموال
غير أن الحكومة لم تقدم كشفا تفصيليا يربط كل مورد بالخدمة التي مولها، أو يوضح حجم الأموال السائلة والاستثمارات والالتزامات المؤجلة، وهو غياب يسمح بتضخيم صورة الملاءة دون قياس أثرها الصحي.
ومن ثم، تصبح نسبة المطالبات غير المغطاة مؤشرا على اختناق إداري بين جهة التمويل ومقدمي الخدمة، خصوصا أن الفصل بين الشراء والتقديم كان يفترض تسريع السداد وضمان الجودة والمنافسة لمصلحة المريض.
في المقابل، يقول محمد حسن خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، إن النظام ابتعد عن فلسفة التكافل وفرض أعباء على الأسر، رابطا أزمة القطاع بهجرة الأطباء وتراجع الأسرة.
ولهذا، فإن تحميل المرضى نسبا من كلفة الأشعة والتحاليل والأدوية والإقامة قد يحول الحق في العلاج إلى قدرة على الدفع، خاصة لدى الأسر كثيرة الأفراد والمرضى المزمنين وأصحاب الدخول غير المنتظمة.
وفوق ذلك، يظل تعريف غير القادرين وآلية تحمل الخزانة لاشتراكاتهم نقطة حساسة، لأن أي تضييق إداري أو تأخر في إثبات الاستحقاق يدفع الفئات الأشد احتياجا خارج الحماية التي يعلنها القانون.
وبالتوازي، ظهرت هشاشة التوسع في المنيا عندما أثير استبعاد 65 وحدة صحية لعدم استيفاء معايير التشغيل والاعتماد، بما هدد بتكدس القرى على وحدات بديلة وأطال مسافة الوصول إلى الخدمة الأساسية.
توسع يهدده نقص الأطباء
أما المرحلة الثانية، فتواجه محافظات أعلى كثافة من محافظات البداية، وهو ما يتطلب أعدادا أكبر من الأطباء والتمريض والأسرة ومراكز الإحالة، لا مجرد نقل النموذج نفسه وتغيير اللافتات وافتتاح مبان جديدة.
وبدوره، يؤكد نقيب الأطباء أسامة عبد الحي أن مستشفيات المنظومة أفضل نسبيا في الأجور والتجهيزات، لكنه يطالب بتعميم نظام الأجور وتحسين بيئة العمل، بما يكشف استمرار التفاوت وخطر تسرب الكفاءات.
ومع استمرار هجرة الأطباء وضعف الرواتب وضغوط النوبات، لن تنقذ الوفورات المالية منظومة تفتقر فعليا إلى العنصر البشري، لأن الجهاز المغلق والسرير الخالي لا يقدمان علاجا مهما ارتفعت قيمة الأصول.
لذلك، ينبغي نشر حسابات تفصيلية للفائض والمطالبات المتأخرة والاستثمارات، مع إعلان متوسط الانتظار وتوافر الأدوية ونسب الإحالة ورضا المرضى بكل محافظة، حتى يصبح تقييم النجاح قائما على نتائج قابلة للمراجعة.
إضافة إلى ذلك، يتطلب الإصلاح توجيه جانب واضح من الفوائض إلى حوافز الأطقم الطبية وتحديث الوحدات المستبعدة وزيادة شراء الخدمة من جهات معتمدة، مع منع تحميل المرضى رسوما تعرقل وصولهم للعلاج.
وحين تقارن مصر تجربتها بتايلاند وتركيا ورواندا، فإن الدرس ليس تكرار شعارات التغطية الشاملة، بل بناء رعاية أولية قوية وضبط الإنفاق وتوفير الدواء وحماية الأسر من الإنفاق الكارثي على المرض.
ومع ذلك، ستبقى الاستدامة المالية بلا قيمة إذا استمر المواطن في شراء الدواء من الخارج أو انتظار الفحص أسابيع أو قطع مسافات طويلة، بينما تعرض الجهات الرسمية الفائض باعتباره إنجازا مكتمل الأركان.
وفي المحصلة، تتحمل الحكومة مسؤولية تفسير كيف تراكمت 220٫3 مليار جنيه دون إنهاء الفجوة الخدمية، ومسؤولية تقديم جدول معلن يحول هذه الأموال إلى كوادر وتجهيزات وأدوية ومواعيد أسرع قبل توسيع التحصيل.
وأخيرا، لن ينجح التأمين الصحي بكثرة الرسوم أو ضخامة الحسابات البنكية، وإنما عندما يدخل المواطن المنشأة فيجد طبيبا ودواء وسريرا دون إذلال أو استنزاف، وهو الاختبار الذي لم تجتزه المنظومة حتى الآن.

