أربكت التعريفة المحاسبية الجديدة للكهرباء ملايين الأسر المصرية، بعدما أصبح تتبع رصيد العداد وتوقع قيمة الفاتورة مهمة يومية وسط زيادات متلاحقة وضغوط معيشية قاسية.

 

وتحول سؤال «كيف تُحسب فاتورة الكهرباء؟» إلى هاجس يتكرر في المنازل والمقاهي، خصوصاً مع انتقال المستهلك المفاجئ بين الشرائح وخصم رسوم إضافية من كروت الشحن.

 

عداد تحت المراقبة

 

يراقب عماد نوح، المقيم بمحافظة الجيزة، عداد الكهرباء ورصيد الكارت يومياً، ساخراً من أن الأمر أصبح يشبه مراقبة مفاعل نووي شديد الحساسية.

 

لم تعد متابعة الرصيد بالنسبة إليه إجراءً عادياً، بل محاولة لتجنب نفاده المفاجئ أو الانتقال إلى شريحة أعلى ترفع تكلفة كل كيلوواط مستهلك.

 

وعلى مقهى شعبي، روى أصدقاؤه تجارب مشابهة تكشف حجم الارتباك الذي تسببه الفواتير، رغم اختلاف أماكن إقامتهم وأنماط استهلاكهم وأعمالهم.

 

قال الصحافي محمود حامد، المقيم بمدينة السادس من أكتوبر، إنه شحن كارت الكهرباء بثلاثمائة جنيه، لكنه فوجئ بنفاد المبلغ خلال اليوم التالي مباشرة.

 

لم يجد حامد تفسيراً واضحاً لسرعة استهلاك الرصيد، وظل يتساءل عن الجهة التي ذهبت إليها أموال الشحن، والرسوم المخصومة من العداد.

 

أما المبرمج محمد حسام، المقيم بالقاهرة، فدفع خلال الشهر الماضي فاتورة قيمتها ألف وخمسمائة جنيه، رغم أنه يعيش بمفرده داخل الشقة.

 

يؤكد حسام أن قيمة فاتورته تتغير بصورة يصعب توقعها، فتقفز خلال شهر ثم تنخفض في الشهر التالي، دون تغير واضح في الأجهزة المستخدمة.

 

وتتكرر الحيرة نفسها مع الموظف الحكومي محمد فريد، المقيم بمحافظة المنوفية، الذي حاول تقليل استهلاكه، لكنه فوجئ بوصوله إلى الشريحة السابعة.

 

يشبه فريد التعامل مع العداد بدخول امتحان مجهول القواعد، إذ يحاول ترشيد الكهرباء دون أن يعرف الحد الفاصل بين كل شريحة وأخرى.

 

هذه الشهادات ليست حالات منفصلة، بل تعكس نقاشاً واسعاً بين المواطنين عن طريقة احتساب الاستهلاك، ومواعيد الخصم، وتكلفة الانتقال بين الشرائح.

 

وتزداد التساؤلات مع كل عملية شحن جديدة، خصوصاً عندما يكتشف المستهلك أن جزءاً من المبلغ اختفى قبل تشغيل أجهزة تبرر هذا الاستهلاك.

 

ويعتقد بعض أصحاب العدادات مسبوقة الدفع أن قيمة الشحن تتحول بالكامل إلى رصيد كهرباء، بينما تُخصم منها رسوم والتزامات مرتبطة بنظام المحاسبة.

 

كما قد تشمل الخصومات فروق الشرائح أو رسوم خدمة العملاء أو مبالغ مستحقة سابقاً، وهو ما يفسر جانباً من تراجع الرصيد بصورة مفاجئة.

 

غير أن غياب شرح مبسط يظهر للمستهلك تفاصيل كل خصم يفتح الباب أمام الشكوك، ويجعل العداد نفسه مصدراً دائماً للقلق والتوتر.

 

شرائح تعيد الحساب

 

تعتمد فاتورة الكهرباء المنزلية في مصر على نظام تصاعدي يوزع الاستهلاك على سبع شرائح، ترتفع معها قيمة المحاسبة كلما زادت كمية الكهرباء المستخدمة.

 

لكن النظام لا يقوم دائماً بإضافة سعر موحد إلى الجزء الزائد فقط، إذ تتغير طريقة احتساب الاستهلاك عند تجاوز حدود بعض الشرائح.

 

ويؤدي تجاوز الحد الفاصل إلى إعادة احتساب الاستهلاك وفق قواعد الشريحة الجديدة، فتقفز الفاتورة بصورة أكبر مما يتوقعه المواطن.

 

ويقول حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة والرئيس السابق لجهاز تنظيم الكهرباء، إن تجدد الزيادات يدفع المواطنين إلى الاهتمام بتفاصيل الفاتورة وآلية تكوينها.

 

ويرى سلماوي أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم إلمام عدد كبير من المشتركين بطريقة المحاسبة، إضافة إلى ضعف إعلان تفاصيل التعريفة الجديدة.

 

هذا الغموض يجعل المواطن يشعر بأن المبلغ المطلوب غير مفهوم، وربما غير عادل، حتى عندما تكون القراءة المسجلة مطابقة لاستهلاكه الفعلي.

 

وأعلنت وزارة الكهرباء، في أغسطس، تعريفة محاسبية جديدة للاستخدامات المنزلية، بمتوسط زيادة بلغ اثني عشر في المائة، مع تثبيت سعر الشريحة الأولى.

 

ورغم تثبيت الشريحة الأقل استهلاكاً، فإن ملايين الأسر قد لا تستفيد عملياً من القرار، بسبب تعدد الأجهزة وارتفاع التشغيل خلال شهور الصيف.

 

فالأسر التي تتجاوز مائتي كيلوواط شهرياً تتحمل نسبة أكبر من التكلفة، بينما يتراجع الدعم تدريجياً مع الصعود إلى الشرائح الأعلى.

 

وبحسب نظام المحاسبة، يتحمل أصحاب الشرائح الدنيا جزءاً يتراوح بين ربع التكلفة الفعلية ونصفها، قبل ارتفاع مساهمة المستهلك مع زيادة الاستهلاك.

 

وعند اقتراب الاستهلاك من ألف كيلوواط، قد يتحمل المواطن نحو ثمانية وثمانين في المائة من التكلفة، وفق بيانات تنظيم مرفق الكهرباء.

 

أما تجاوز حاجز ألف كيلوواط، فيعني الخروج من نطاق الدعم وسداد التكلفة الكاملة، ما يفسر القفزة الكبيرة في بعض الفواتير المنزلية.

 

ولا تقتصر قيمة الفاتورة على سعر الكهرباء المستهلكة، إذ تُضاف رسوم خدمة العملاء إلى جميع المشتركين طبقاً للشريحة التي وصلوا إليها.

 

تبدأ تلك الرسوم من ثلاثة جنيهات، ثم ترتفع تدريجياً حتى تصل إلى مائة جنيه، بالتزامن مع الانتقال إلى مستويات استهلاك أعلى.

 

وتُخصم الرسوم من العدادات مسبوقة الدفع، بينما تظهر ضمن الفواتير التقليدية، لكن عدم توضيحها فوراً يزيد الاعتقاد بوجود خصومات مجهولة.

 

كذلك تختلف آلية المتابعة بين العداد التقليدي وعداد الكارت، غير أن نظام الشرائح والرسوم يظل مؤثراً في القيمة النهائية لدى الحالتين.

 

في العداد التقليدي، تُسجل القراءة ثم تصدر الفاتورة لاحقاً، بينما يخصم العداد مسبوق الدفع تكلفة الاستهلاك والرسوم من الرصيد المتاح.

 

وهنا تظهر أهمية تاريخ الشحن وبداية الشهر، لأن العداد يعيد ترتيب دورة الاستهلاك، وقد يطبق خصومات مستحقة عند أول عملية شحن.

 

لذلك لا تكفي مقارنة مبلغ الشحن بعدد أيام التشغيل، بل يجب معرفة الرصيد السابق، والشريحة الحالية، والرسوم، وأي مديونية مسجلة.

 

ترشيد بلا بدائل

 

لا يرتبط صعود الاستهلاك دائماً بشراء أجهزة جديدة، فقد تعمل الأجهزة نفسها لساعات أطول أو بكفاءة أقل خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.

 

فالثلاجة تستهلك كهرباء أكثر صيفاً للحفاظ على درجة التبريد، كما يزيد تشغيل المكيفات والمراوح والغسالات والسخانات داخل المنازل.

 

لهذا قد تنتقل أسرة إلى شريحة أعلى رغم ثبات الأجهزة، خصوصاً خلال شهور الصيف التي ترتفع فيها الأحمال المنزلية بصورة ملحوظة.

 

وبلغ متوسط استهلاك الفرد من الكهرباء في مصر خلال عام 2023 و2024 نحو ألفين ومائة واثنين وخمسين كيلوواط سنوياً.

 

ويقول الخبير الاقتصادي عادل عامر إن تأثير الزيادة يختلف من أسرة إلى أخرى، وفق كمية الاستهلاك والشريحة التي تنتهي عندها المحاسبة.

 

كما أن ارتفاع سعر الكيلوواط لا يعني بالضرورة زيادة الفاتورة بالنسبة نفسها، لأن القيمة تتأثر بالكمية وبطريقة إعادة توزيع الاستهلاك.

 

لكن حماية الشريحة الأولى لا تعني إعفاء الطبقة المتوسطة من الأعباء، لأن الاستخدام الطبيعي لأجهزة المنزل قد يدفعها سريعاً إلى شرائح أعلى.

 

فالأسرة المتوسطة تعتمد على الثلاجة والغسالة والسخان والإضاءة، وقد تستخدم مكيفاً واحداً أو أكثر لمواجهة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

 

وتلك الأجهزة لم تعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من احتياجات الحياة والعمل والدراسة داخل المنزل.

 

وقد تؤدي زيادة الأسعار إلى خفض بعض الاستخدامات غير الضرورية، لكنها لا تمنح المواطن مساحة واسعة لتقليل استهلاك الخدمات الأساسية.

 

وهذا ما يسميه الاقتصاديون محدودية مرونة الطلب، إذ يضطر المواطن إلى دفع فاتورة أعلى دون قدرته على خفض الاستهلاك بالنسبة نفسها.

 

وتأتي الزيادات الجديدة بينما تواجه الأسر ارتفاعاً واسعاً في أسعار الغذاء والمواصلات والخدمات، ما يجعل فاتورة الكهرباء عبئاً إضافياً ثقيلاً.

 

والأسبوع الماضي، طالب عبد الفتاح السيسي بضبط الفواتير ومنع التقديرات الجزافية، مع بحث تسهيل سداد المتأخرات المستحقة على المواطنين.

 

غير أن التوجيهات وحدها لا تحل أزمة الثقة، ما لم تتحول إلى فاتورة واضحة تعرض القراءة والاستهلاك والشريحة وسعر الكيلوواط والرسوم.

 

كما يحتاج أصحاب عدادات الكارت إلى شاشة أو إيصال يوضح كل خصم، بدلاً من اكتشاف تراجع الرصيد دون معرفة تفصيلية بأسبابه.

 

ويمكن تقليل الارتباك عبر نشر حاسبة رسمية مبسطة، تسمح للمواطن بإدخال استهلاكه ومعرفة قيمة الفاتورة قبل صدورها أو شحن العداد.

 

كذلك يجب إرسال تنبيه للمستهلك قبل الانتقال إلى شريحة أعلى، حتى يستطيع مراجعة استخدامه وتجنب قفزة مالية لم يكن يتوقعها.

 

فالأزمة لا تتعلق بالزيادة وحدها، بل بطريقة تطبيقها وشرحها، وقدرة المواطن على مراجعة الفاتورة والاعتراض عند اكتشاف قراءة غير صحيحة.

 

وحتى يحدث ذلك، ستظل مراقبة عداد الكهرباء طقساً يومياً داخل البيوت المصرية، وسيبقى موعد الشحن امتحاناً ثقيلاً بلا إجابات واضحة.