كشف تتابع حوادث الطرق والقطارات خلال أسبوع واحد أن منظومة النقل لا تزال عاجزة عن حماية الركاب، بينما تحولت بيانات الاعتذار والتعازي إلى رد حكومي محفوظ.

 

فبعد انقلاب أتوبيس دهب–نويبع، ومصرع 22 شخصاً وإصابة 28، سقطت عجلة من القطار 935 بمحطة سيدي جابر، لتعود الأسئلة نفسها عن الرقابة والصيانة والمحاسبة.

 

اعتذارات بلا محاسبة

 

قدمت هيئة السكك الحديدية اعتذاراً للركاب عن تأخر القطارات، بعدما خرجت عجلة إحدى عربات القطار 935 عن القضبان داخل محطة سيدي جابر بالإسكندرية.

 

وأعلنت الهيئة انتقال فرق الطوارئ والقيادات إلى الموقع، ورفع العربة وإعادتها إلى السكة، ثم استعادة الحركة بعد التأكد من جاهزية الخط.

 

لكن البيان ركز على سرعة التعامل مع آثار الواقعة، ولم يقدم للرأي العام تفسيراً واضحاً لأسباب خروج العجلة، أو يكشف نتائج فحص القطار قبل تشغيله.

 

كما لم يحدد البيان المسؤول عن الصيانة والمراجعة الفنية، ولا ما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة على الخلل كان يمكن اكتشافها قبل تحرك القطار.

 

وجاء الحادث بعد أيام قليلة من انقلاب أتوبيس على طريق دهب–نويبع، في مأساة أسفرت، وفق البيانات الواردة، عن 22 وفاة و28 إصابة.

 

هكذا انتقلت وزارة النقل سريعاً من نعي ضحايا الطريق إلى الاعتذار لركاب القطار، دون إعلان مراجعة شاملة تكشف جذور الخلل المتكرر.

 

أغسطس يفضح المنظومة

 

لم تكن مأساة دهب ولا واقعة سيدي جابر حدثين معزولين، فقد سجل أغسطس سلسلة دامية من الحوادث على طرق يفترض أنها خضعت للتطوير والإنفاق.

 

وفي 11 أغسطس، شهد طريق الدواويس بالإسماعيلية حادثاً بين حافلة ركاب ومركبتين تقلان عمالاً، فقتل 17 شخصاً وأصيب 31 آخرون.

 

وفي 28 أغسطس، اصطدم أتوبيس رحلات بسيارة نقل ثقيل على محور الضبعة–روض الفرج، فسقط ثلاثة قتلى وأصيب 51 شخصاً بإصابات متفاوتة.

 

أما الطريق الأوسطي بالبدرشين، فشهد في 23 أغسطس سلسلة حوادث بدأت بشاحنة محملة بالطوب اصطدمت بعدد من السيارات المتحركة والمتوقفة.

 

وخلال تعامل القوات مع الواقعة الأولى، اندفعت شاحنة أخرى نحو السيارات المتوقفة، فقتل عقيد شرطة وفرد أمن ومواطنان، وأصيب نحو عشرة أشخاص.

 

وفي أواخر أغسطس، انقلبت سيارة ميكروباص على طريق شبرا–بنها الحر في الاتجاه القادم من القاهرة، ما أدى إلى وفاة شخص وإصابة ثمانية.

 

وسجل طريق لحفن–الريسة بوسط سيناء، في 14 أغسطس، حادثاً بين سيارة ربع نقل وأخرى أجرة، انتهى بمقتل شخصين وإصابة خمسة.

 

هذه الوقائع الخمس وحدها خلفت عشرات القتلى وأكثر من مئة مصاب، بما ينفي تصوير النزيف باعتباره حوادث فردية لا يجمعها خلل مشترك.

 

وعندما تتكرر المآسي بهذه الكثافة، تصبح محاولات حصر المسؤولية في خطأ السائق وحده ستاراً يحجب تقصير الجهات صاحبة السلطة والميزانية والرقابة.

 

كذلك لم تسلم السكك الحديدية خلال أغسطس، إذ اصطدم لودر بقطار النوم المتجه من القاهرة إلى أسوان يوم 19، وإن لم يسفر عن إصابات.

 

وفي 22 و24 أغسطس، توفي شخصان في واقعتين منفصلتين بالبدرشين، بعدما صدمتهما قطارات أثناء العبور من أماكن غير مخصصة للمشاة.

 

أما سقوط عجلة القطار في سيدي جابر، فينقل الخطر إلى داخل المرفق نفسه، ويعيد فتح ملف الفحص الفني الدوري وجودة أعمال الصيانة.

 

من يحاسب المسؤولين؟

 

اعتبرت عضو مجلس الشيوخ أميرة صابر أن سلامة الطرق ونقل المواطنين قضية لحماية الأرواح، وليست وقائع منفصلة تعالج مؤقتاً عقب كل حادث.

 

وطالبت بالوقوف على الأسباب الحقيقية، ومراجعة منظومة السلامة، وتشديد الرقابة على المركبات والعاملين في نقل الركاب لمنع تكرار المآسي نفسها.

 

وأشارت إلى أن الحماية تتطلب تكامل أدوار الجهات، بداية من صلاحية المركبة وكفاءة السائق، وصولاً إلى الطريق والإضاءة والعلامات ووسائل التأمين.

 

من جهته، وجه عضو مجلس النواب فريدي البياضي سؤالاً إلى الحكومة ووزراء النقل والداخلية والتنمية المحلية بشأن تكرار الحوادث ومسؤولية الجهات المختصة.

 

ولخص البياضي المشهد بقوله إن المصريين ينتقلون «من نعي إلى نعي ومن جنازة إلى جنازة»، وهي عبارة تعكس قسوة التكرار الرسمي والمجتمعي.

 

وانتقد نمطاً يبدأ بالتعازي والتحقيقات، ثم ينتهي بالبحث عن الحلقة الأصغر وتحميلها المسؤولية، بينما يبقى أصحاب القرار والاختصاص بعيدين عن الحساب.

 

ويطرح هذا الانتقاد سؤالاً لا تستطيع بيانات الوزارة دفنه: من كان يملك السلطة والميزانية والمعلومات لمنع الخطر، ولماذا لم يستخدمها قبل الكارثة؟

 

فالتحقيق الجاد لا يتوقف عند السائق، بل يراجع الطريق والمركبة والشركة وسجل الصيانة وساعات العمل والرقابة السابقة ومدى تنفيذ ملاحظاتها.

 

كما يجب نشر النتائج كاملة للرأي العام، مع تحديد مسؤوليات واضحة وعقوبات معلنة، لأن الغموض يحول لجان التحقيق إلى وسيلة لامتصاص الغضب.

 

وطالب البياضي بمناقشة عاجلة داخل البرلمان بحضور الوزراء والمسؤولين، وعرض تقارير الفحص والصيانة، ووضع خطة زمنية محددة لمنع تكرار الكوارث.

 

وتزداد المسؤولية مع إنفاق مئات المليارات على مشروعات النقل والبنية التحتية، إذ لا يجوز فصل كلفة الإنشاء عن جودة التشغيل والصيانة وسلامة المستخدمين.

 

وإذا كانت الحكومة تعتبر كل حادث استثناءً، فإن حصيلة أغسطس وحدها تكشف قاعدة متكررة: ضحايا كثيرون، تفسيرات ناقصة، ووعود لا تمنع الحادث التالي.

 

المطلوب ليس بياناً جديداً بصياغة أقدم، وإنما مراجعة مستقلة ومعلنة لمنظومة السلامة، تبدأ من قواعد الترخيص والفحص ولا تنتهي عند مراقبة التشغيل.

 

وفي السكك الحديدية، يلزم إعلان سبب سقوط عجلة القطار 935، ونتائج فحص العربات المشابهة، وهوية المسؤول عن اعتماد القطار قبل الرحلة.

 

أما طريق دهب–نويبع، فيحتاج تحقيقاً يحدد حالة الطريق والأتوبيس والسائق والشركة، ويكشف إن كانت تحذيرات سابقة قد أهملت أو لم تنفذ.

 

ولا تكتمل العدالة بتعويضات أو رعاية للمصابين، على ضرورتهما، بل تبدأ بمحاسبة من قصر، وبإصلاح يمنع إضافة أسماء جديدة إلى قوائم الضحايا.

 

لقد تحولت التعازي المتكررة من واجب إنساني إلى عنوان لعجز إداري، لأن الوزارة التي تنعى اليوم مطالبة بتفسير لماذا لم تحم الضحايا بالأمس.

 

وبين أتوبيس انقلب وقطار خرجت عجلته عن القضبان، يظل المواطن الطرف الذي يدفع الثمن، بينما تتنقل المسؤولية بين البيانات واللجان والوعود المؤجلة.

 

لن يتوقف النزيف بعبارات الأسف، بل بمحاسبة علنية وخطة قابلة للقياس ورقابة يومية، تضع حياة المصريين فوق الدعاية والأرقام الضخمة للمشروعات.

 

وحتى يحدث ذلك، ستبقى كل واقعة جديدة اتهاماً مباشراً لمنظومة عرفت الخطر، وامتلكت أدوات منعه، ثم تركت المواطنين يسيرون نحو حادث آخر.