كشفت منصة اللاجئين في مصر وفاة 24 لاجئًا وطالب لجوء ومهاجرًا داخل أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز المصرية أو خلال إجراءات الترحيل بين ديسمبر 2025 ويوليو 2026، بينهم 16 سودانيًا، بينما كان 18 ضحية يحملون وثائق مرتبطة بالحماية الدولية قبل احتجازهم ووفاتهم تحت مسؤولية السلطات.
وربطت الوقائع الموثقة بين تشديد وزارة الداخلية حملات توقيف غير المصريين وبين ارتفاع الوفيات داخل الاحتجاز، إذ سجل شهرا فبراير وأبريل 2026 وحدهما 14 وفاة، بينما واصلت الأجهزة احتجاز أشخاص يملكون مواعيد رسمية لتجديد الإقامة تمتد إلى 2027 من دون توفير حماية فعلية أو رعاية طبية كافية.
وثائق بلا حماية
وبحسب تقرير موت تحت الحراسة، اعتمد فريق منصة اللاجئين في مصر على مراجعة ملفات الضحايا ومحاضر الشرطة والتقارير الطبية وتقارير الطب الشرعي المتاحة، كما جمع الفريق شهادات أسر المتوفين وشهود العيان وناجين من الاحتجاز، وتابع الإجراءات القانونية المرتبطة بالتوقيف والنقل والحبس الإداري والترحيل من الأراضي المصرية.
كما أظهرت الملفات أن 18 شخصًا من أصل 24 ضحية، بنسبة 75 بالمئة، كانوا مسجلين رسميًا لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أو يحملون وثائق تثبت ارتباطهم بإجراءات الحماية الدولية، وهو ما يكشف فشل السلطات في الاعتداد العملي بتلك الوثائق خلال حملات التفتيش والتوقيف.
وفي المقابل، شكّل السودانيون 16 حالة من إجمالي الوفيات الموثقة، بعدما فر كثير منهم إلى مصر هربًا من الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، لكن حملات الداخلية نقلت بعضهم من وضع الباحث عن الأمان إلى محتجز مهدد بالترحيل أو الوفاة داخل مرافق تفتقر إلى الضمانات الصحية والقانونية.
ووفقًا للمحامي الحقوقي نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، تتولى الأجهزة توقيف أشخاص من الجنسيات الأفريقية بصورة عشوائية تعتمد أحيانًا على لون البشرة، ثم تستمر جهات إدارية في احتجازهم بعد قرارات النيابة بإخلاء سبيلهم، قبل ترحيل بعضهم إلى دول تهدد حياتهم وسلامتهم.
ومن جانبه، حمّل خليل وزير الداخلية محمود توفيق المسؤولية المباشرة عن الحملات الأمنية التي تستهدف اللاجئين وملتمسي اللجوء، موضحًا أن بلاغات الأسر والاستشارات التي تلقتها المنصة كشفت تصاعد الاحتجازات، بما يشمل نساء ورجالًا وأطفالًا يحمل معظمهم بطاقات صادرة عن مفوضية اللاجئين.
الاحتجاز يحصد الأرواح
وفي هذا السياق، رصد التقرير تركزًا واضحًا للوفيات داخل مرافق شرطية محددة في القاهرة، حيث سجل قسم شرطة عين شمس 4 حالات وفاة، بينما سجل قسم شرطة ثالث مدينة نصر 3 حالات، بما يفرض مراجعة مستقلة لسجلات المحتجزين وظروف الإيداع وإجراءات طلب الإسعاف والإحالة إلى المستشفيات.
وعلى مستوى التوقيت، سجلت المنصة ذروة الوفيات خلال فبراير وأبريل 2026 بواقع 14 حالة، تمثل 70 بالمئة من الوقائع معلومة التاريخ، وتصدر فبراير القائمة بتسجيل 7 وفيات متزامنة في أقسام شرطة مختلفة عقب اتساع حملات التوقيف التي استهدفت اللاجئين وغير المصريين في القاهرة ومحافظات أخرى.
وبالتوازي مع ارتفاع الوفيات، وثقت المنصة مؤشرات متكررة على تأخر تقديم العلاج أو عدم كفايته، إلى جانب الاكتظاظ وضعف التهوية وعدم ملاءمة أماكن الاحتجاز لأصحاب الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، كما شملت الحالات أطفالًا ونساء وكبار سن وأشخاصًا من ذوي الإعاقة والاحتياجات الطبية المستمرة.
أما الباحث الحقوقي كريم عنارة، مدير البحوث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فوصف نطاق حملة التوقيف والترحيل بأنه غير مسبوق ومخالف لالتزامات مصر الدولية، مؤكدًا أن منظومة الحماية التي عرفتها البلاد لعقود انهارت، بينما أصبحت وثائق اللاجئين عاجزة عن منع القبض عليهم أو إبقائهم بعيدًا عن خطر الترحيل.
ومن الناحية التوثيقية، سجلت شهادات محتجزين سابقين اكتظاظ الزنازين إلى حد اضطرار السجناء للنوم بالتناوب، مع نقص المياه والطعام وسوء المرافق الصحية ووقوع اعتداءات داخل أماكن الاحتجاز، وهي ظروف تزيد الأخطار على المرضى وكبار السن وتضع مسؤولية سلامتهم مباشرة على وزارة الداخلية وإدارات الأقسام الشرطية.
تحقيقات غائبة ومسؤولية قائمة
إلى جانب ذلك، قدمت منصة اللاجئين في يوليو 2026 مذكرة إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن عدد من الوفيات وما صاحبها من احتجاز تعسفي وسوء معاملة وتدهور للرعاية الصحية، ثم أفاد المجلس في أغسطس بأنه خاطب النيابة العامة رسميًا من دون إعلان نتائج كافية للتحقيقات حتى صدور التقرير.
وبدورها، قالت ميشال رندهاوا، المسؤولة في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين بمنظمة هيومن رايتس ووتش، إن السلطات تسجن اللاجئين وترحلهم بسبب وثائق إقامة انتهت صلاحيتها نتيجة تأخيرات حكومية، مؤكدة أن معاقبة الأشخاص على أوراق تقاعست الجهات الرسمية نفسها عن إصدارها تمثل إجراءً تعسفيًا وجائرًا.
وعقب ذلك، طالبت منصة اللاجئين النيابة العامة بفتح أو استكمال تحقيقات مستقلة وفعالة وشفافة في جميع حالات الوفاة، مع تمكين أسر الضحايا ومحاميهم من تقارير الطب الشرعي ونتائج التحقيقات، حتى يعرفوا أسباب الوفاة وتتحدد المسؤوليات القانونية عن الإهمال أو سوء المعاملة أو الامتناع عن تقديم العلاج.
وفي ضوء النتائج، دعت المنصة وزارة الداخلية إلى الوقف الفوري لحملات التوقيف والاحتجاز الإداري التي تستهدف اللاجئين وغير المصريين، وإجراء فحص طبي عند دخول أي شخص إلى الاحتجاز، وضمان الرعاية العاجلة والإحالة الفورية إلى المستشفيات وتحسين التهوية والنظافة والطاقة الاستيعابية داخل الأقسام ومراكز الترحيل.
ومن ثم، شددت المنصة على ضرورة توفير حماية خاصة للأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقات والأمراض المزمنة، لأن احتجاز هذه الفئات في أماكن مكتظة وغير مجهزة يرفع احتمال التدهور الصحي والوفاة، بينما تظل وزارة الداخلية مسؤولة عن حياة كل شخص منذ لحظة القبض عليه وحتى الإفراج أو الترحيل.
وأخيرًا، تضع وفاة 24 شخصًا خلال 8 أشهر الحكومة المصرية أمام ملف موثق لا تسمح خطورته بالاكتفاء بالصمت أو المراسلات المغلقة، إذ يتطلب سقوط 16 سودانيًا ووجود وثائق حماية مع 75 بالمئة من الضحايا إعلان نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين ووقف احتجاز اللاجئين بسبب تعطيلات صنعتها الجهات الحكومية نفسها.

