كشفت إفادات مسؤولي بنوك وشركات صرافة في مصر عن رفض بعض أوراق الدولار بسبب كتابات أو أختام أو بقع حبر أو قطع محدود رغم سلامتها من التزوير واستمرار صلاحيتها القانونية بما يترك قبول العملة الأجنبية خاضعًا لتقدير كل جهة وقدرتها على إعادة تداولها.
وأظهرت الواقعة أن البنك المركزي المصري يفرض رقابته على سوق النقد الأجنبي دون إعلان معيار موحد وملزم يحدد درجات تلف الدولار المقبولة أو مسار الاعتراض على الرفض بما ينقل تكلفة التشدد المصرفي إلى المواطن الذي قد يفقد قيمة ورقة صحيحة بسبب علامة لا تلغي صلاحيتها.
صلاحية لا تحسم القبول
ويبدأ فحص الدولار داخل البنوك المصرية لدى موظفي الخزينة ومسؤولي خدمة العملاء الذين يراجعون علامات الحماية وتاريخ الإصدار والحالة المادية للورقة ومدى إمكان تداولها مرة أخرى قبل اتخاذ قرار القبول أو إحالتها إلى إدارة مختصة لإجراء مراجعة إضافية.
وفي المقابل تتعامل البنوك بسهولة أكبر مع أوراق النقد الأمريكية الخالية من التهالك والالتواءات الحادة وآثار الأقلام والأحبار والأختام بينما تؤدي أي علامة غير معتادة إلى زيادة التدقيق حتى عندما لا تمس العلامة أرقام الورقة أو عناصر تأمينها أو تثبت وجود تزوير.
ووفقًا لمسؤولي الفروع لا يعني إخضاع الورقة للفحص الإضافي أنها مزورة لكن بعض البنوك تتحفظ على قبولها إذا توقعت صعوبة تمريرها لاحقًا إلى بنك آخر أو شركة صرافة أو جهة خارجية وبذلك يتحول معيار إعادة البيع إلى عنصر حاسم يسبق أحيانًا صلاحية الورقة نفسها.
وعلى الجانب الآخر تؤكد الجهات النقدية الأمريكية أن جميع إصدارات العملة الأمريكية تظل نقودًا قانونية مهما كان تاريخ إصدارها كما لا يحتاج حامل التصميم القديم إلى استبداله بمجرد طرح تصميم أحدث وهو ما ينفي وجود قاعدة أمريكية تسقط قيمة الدولار القديم بسبب سنة طباعته.
ومن هذه الزاوية يخدم رأي أستاذ الاقتصاد مصطفى شاهين محور العلاقة بين القيود المصرفية ونقص النقد الأجنبي إذ سبق أن أكد أن أزمة السيولة المصرية تتعلق بالعملات الأجنبية لا بالجنيه وربطها باستنزاف الاحتياطيات والاعتماد على الاقتراض الخارجي لتغطية الاحتياجات الدولارية.
وبناء على ذلك لا يثبت قِدم ورقة الدولار سببًا كافيًا لرفضها في مصر طالما ظلت أصلية وسارية وقابلة للفحص لكن غياب تعليمات معلنة للمواطنين يسمح لبعض الفروع بفرض احتياط إضافي على الإصدارات القديمة حتى إن كانت السلطات الأمريكية تقر بصلاحيتها الكاملة.
تقدير متغير بين الفروع
أما شركات الصرافة فتقرر قبول الدولار وفق حالة كل ورقة وقدرتها على تصريفها لاحقًا إذ قد تقبل شركة ورقة تحمل عيبًا بسيطًا بينما ترفضها شركة أخرى بسبب كتابة بالقلم أو ختم أو قطع محدود يخشى مسؤولوها أن يمنع إعادة بيعها.
وفي السياق نفسه لا يؤدي وجود نقطة حبر أو علامة صغيرة تلقائيًا إلى رفض الورقة لدى جميع الجهات لأن الموظف يفحص موضع العلامة وحجمها وتأثيرها في عناصر الحماية ثم يقرر قبولها أو طلب مراجعة مختصة أو ردها إلى صاحبها دون تنفيذ المعاملة.
ورغم ذلك لا يحصل العميل عادة على بيان مكتوب يوضح سبب رفض الدولار أو القاعدة التي استند إليها الفرع كما لا تعرض البنوك على مواقعها جداول تفصيلية توحد العيوب المقبولة والمرفوضة وهو ما يجعل المواطنين يكررون المحاولة بين فروع مختلفة للوصول إلى قرار آخر.
وبالتوازي حدّث البنك المركزي المصري خلال عام 2023 قواعد الترخيص والرقابة على شركات الصرافة وأضاف متطلبات تخص أنظمة التشغيل والرقابة الداخلية لكنه لم يعلن ضمن المعلومات المتاحة للجمهور دليلًا تفصيليًا يحدد حالة أوراق النقد الأجنبي المقبولة ويضمن توحيد القرار بين الجهات الخاضعة لإشرافه.
وهنا يخدم رأي الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب محور أثر تضييق القنوات الرسمية إذ حذر سابقًا من أن عدم توفير النقد الأجنبي عبر البنوك والصرافات يدفع المتعاملين إلى تبادل الدولار خارج المؤسسات المرخصة بما يوسع التعاملات غير الرسمية بدلًا من ضبط السوق.
لذلك يمنح اختلاف المعايير فرصة لوسطاء يشترون الأوراق المرفوضة بأقل من قيمتها ثم يعيدون تصريفها لدى جهة أكثر مرونة أو خارج مصر بينما يتحمل المواطن الخصم رغم أن الورقة قد تكون أصلية وسارية ولا يثبت الفحص وجود أي شبهة جنائية مرتبطة بها.
إعادة تصريفها في الولايات المتحدة
وبالنسبة إلى الفئات الصغيرة لا توجد قاعدة تمنع قبول أوراق الدولار الواحد أو فئات 5 و10 دولارات لكن بعض الجهات تفضل فئات 50 و100 دولار لأنها تختصر أعمال العد والتخزين والنقل وتتيح إعادة التداول بقيمة أكبر من خلال عدد أقل من الأوراق.
وعند تعرض الورقة لقطع محدود أو تلف بسيط قد تقبلها بعض شركات الصرافة وفق تقدير موظفيها بينما ترفض الجهات الأخرى الورقة إذا أثر التلف في سلامتها أو أخفى جزءًا من بياناتها أو جعل تمريرها إلى المصارف المتعاملة معها عملية غير مضمونة.
وفي حال تعذر تداول الورقة محليًا يستطيع بعض المتعاملين أو المؤسسات
إعادة تصريفها خارج مصر أو داخل الولايات المتحدة طالما ظلت مستوفية لشروط الاسترداد الأمريكية غير أن المواطن العادي لا يمتلك بالضرورة وسيلة عملية أو منخفضة التكلفة لإرسال ورقة واحدة إلى بلد الإصدار.
وعلى الصعيد الأمريكي يقدم مكتب النقش والطباعة خدمة مجانية لفحص واسترداد قيمة العملة شديدة التلف وفق شروط إثبات القيمة والملكية بينما لا يوفر البنك المركزي المصري خدمة مماثلة للدولار لأنه عملة أجنبية ويقتصر دوره في الاستبدال المباشر على فئات من العملة المصرية وفق القواعد المنظمة.
ومن ناحية أخرى يستطيع البنك أو شركة الصرافة التعامل مع الأوراق الأجنبية المتضررة عبر شبكتهما الخارجية إذا كانت تكلفة العملية مجدية لكنهما لا يلتزمان بشرائها من المواطن وهو ما يخلق فجوة بين قدرة المؤسسة على التصرف في الورقة وقدرة صاحبها الفردية على استرداد قيمتها.
وضمن هذا المحور يخدم رأي الخبير الاقتصادي هاني توفيق تفسير هشاشة إدارة النقد الأجنبي إذ انتقد اعتماد الحكومة على الأموال الساخنة لخفض الدولار وطالب بتقوية موارد العملة عبر الاستثمار المباشر والتصدير بدلًا من سياسة تمول عجز الموازنة بتدفقات قابلة للخروج سريعًا.
وعليه لا تكشف أزمة الدولار المرفوض عن خلاف فني محدود بشأن نظافة الورقة فقط بل تكشف أيضًا قصورًا رقابيًا يسمح بتعدد المعايير داخل سوق يشرف عليه البنك المركزي ويترك صاحب الورقة بين فرع يرفض وشركة تتحفظ ووسيط يستفيد من الخصم.
وأخيرًا يستطيع البنك المركزي إنهاء هذا الاضطراب بإصدار قواعد منشورة تحدد العيوب المقبولة ودرجات التلف وآلية التظلم وإلزام البنوك والصرافات بتقديم سبب مكتوب للرفض أما استمرار الصمت فيبقي الدولار السليم معرضًا لتسعير تعسفي ويجعل المواطن الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن غياب القاعدة.

