مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
بدلًا من نصب المحاكمات للرياضيين الهاربين إلى الخارج وإهالة التراب عليهم ونعتهم بكل نقيصة من عدم الانتماء لبلادهم وفقدان الوطنية، علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية التي دفعت هؤلاء إلى اتخاذ هذا القرار الخطير، بل تعريض أهاليهم لمخاطر وملاحقات قانونية لا ذنب لهم فيها، ونسأل سؤالًا مهمًا: هل وفرت الدولة لهؤلاء وغيرهم من ملايين الشباب الحد الأدنى من تكاليف المعيشة، وتوفير الدعم المادي لمواجهة قفزات الأسعار، وتغطية الاحتياجات الأساسية، وتأمين مستقبل أفضل؟ أم أن السبب الحقيقي وراء فرار هؤلاء هو محاولة الهروب من أزمات الفقر والديون والبطالة والغلاء والفساد والاحتكارات وبيع أصول الدولة؟
وإذا كان هؤلاء يرون بأعينهم كيف أن أموال الدولة تضيع بسبب الفساد، ومخصصات الموازنة تنفق يمينًا وشمالًا على مشروعات دعائية ومؤتمرات سياسية ومسلسلات وإقامة ناطحات سحاب وأضخم أوبرا وأكبر ملاهٍ وكريستالة في منطقة الشرق الأوسط، فهل من العقل أن نطالبهم بالصبر والتقشف وربط الأحزمة لعل الغد سيكون أفضل، وأن نطالبهم كذلك بالسكوت على الحالة المزرية للاقتصاد والأسواق، وضعف الرواتب والدخول، وعدم السؤال عن المتسبب الأساسي في إفقارهم وإذلالهم وتعقيد حياتهم؟
بالطبع لا، فشاب مصري أو تونسي أو مغربي وجزائري ولبناني وسوري يتقاضى مائتي دولار دخلًا شهريًا وربما أقل من ذلك، ولا يستطيع الإنفاق على أسرته واحتياجاته الضرورية، ويجد صعوبة شديدة في الزواج وتكوين أسرة صغيرة، لأن أقل كلفة زواج في مصر الآن ربما تفوق المليون جنيه، أي ما يعادل 20 ألف دولار، في ظل غلاء تكلفة السكن، وقفزات سعر الذهب والتجهيزات.
وبالطبع فإن شراء مسكن وشقة وسيارة ولو مستعملة هي أضغاث أحلام لهؤلاء الرياضيين في اليمن والأردن والسودان، ويصبح مراكمة رصيد بأحد البنوك وشراء أصل استثماري حلمًا بعيد المنال لملايين الشباب، ولذا عندما تأتي فرصة لأحد هؤلاء الشباب للإقامة والعمل في الخارج وتقاضي دخل يغطي ضرورات الحياة من سكن ومأكل وتعليم وصحة، لا يتردد لحظة تحت ضغوط المعيشة وقفزات الأسعار التي لا تنتهي وصعوبة الحصول على فرصة عمل وحياة كريمة.
ومن هنا يجب التعامل مع الأزمة الشهيرة والمتعلقة بهروب اللاعبين المصريين والتونسيين وغيرهم من الرياضيين العرب، فهروب لاعبي منتخب مصر للمصارعة، زياد حجاج ومحمد مصطفى الشامي، من مقر إقامة البعثة المصرية في سلوفاكيا خلال المشاركة ببطولة العالم للمصارعة للشباب ليس الحدث الأول من نوعه ولن يكون الأخير، فقد سبقه الكثير، ففي بطولة أفريقيا للمصارعة الرومانية التي أقيمت بتونس عام 2023 فر المصارع أحمد فؤاد بغدودة إلى فرنسا عقب فوزه بالميدالية الفضية، ومن الوقائع الشهيرة لهروب اللاعبين، واقعة المصارع المصري إبراهيم غانم الشهير بـ"الونش" الذي كان يلعب لصالح منتخب مصر، وفي عام 2017 فر إلى فرنسا وحصل على جنسيتها ولعب باسم منتخبها وفاز بالميدالية الذهبية عن فئة وزن 72 كيلوغرامًا.
وسبق هؤلاء هروب آخرين، منهم لاعب منتخب الشباب للمصارعة الحرة أحمد حسن بوشا، في أغسطس 2017، بعد المشاركة في بطولة العالم التي أقيمت بفنلندا، وبعد عامين هرب شقيقه حسن بوشا خلال بطولة العالم التي أقيمت بالمجر.
ظاهرة هروب الرياضيين لا تقتصر على مصر فقط بل انتقلت سريعًا إلى دول عربية أخرى، فقد شهدت المشاركة التونسية في دورة ألعاب المتوسط 2026، التي تتواصل منافساتها في إيطاليا إلى بعد الغد 3 سبتمبر، هروب رابع رياضي، حيث فر لاعب منتخب تونس في الجمباز أحمد العبيدي، وسبقه في الهروب الربّاع محمد أمين بوحجبة والمصارعة شهد الجلجلي ولاعب الكرة الحديدية محمد أمين السعيدي حيث اختاروا البقاء في أوروبا وعدم العودة إلى بلادهم في ظل ظروف معيشية ومالية بالغة السوء تمر بها تونس.
وبدلًا من أن تلفت الظاهرة المخيفة السلطات المسؤولة، سارعت إلى محاكمة الرياضيين الفارين وإحالتهم إلى جهات التحقيق والنيابة العامة دون بحث الأسباب التي دفعتهم إلى اختيار القرار الصعب، ودون أن تستمع لهؤلاء، أو تفتح نقاشًا جادًا بشأن أوضاعهم المالية والمعيشية، والدعم الهزيل المقدم لهم، وتجاهل تأمين مستقبلهم المادي، فاللاعب التونسي بوحجبة قال إن راتبه يبلغ 200 دينار فقط، أي أقل من 70 دولارًا، ولم يحصل عليه منذ أربعة أشهر، ومكافآت الميداليات تُقتطع منها 15%، وإن الظروف المادية لا تساعد الرياضيين على تحقيق النجاح.
والمصارع المصري محمد الشامي، تحدث عن الأسباب التي دفعته للهروب خلال مشاركته في بطولة العالم، قائلًا إن صعوبة الظروف المعيشية وقلقه على مستقبله كانا من أبرز الأسباب التي دفعته لاتخاذ القرار، والمصارع زياد حجاج تحدث عن رقم صادم لدخله حين قال إنه يحصل على 700 جنيه شهريًا وهو مبلغ يعادل 14 دولارًا، وإنه كان مصابًا ولم يجد من يعالجه، فهل هذا المبلغ الهزيل كافٍ لشراء حذاء رياضي أو مكمل غذائي أو تغطية نفقات التنقل بين الملاعب؟ ولا أتحدث هنا عن تغطية تكاليف المعيشة من إيجارات سكن وفواتير مياه وكهرباء وغذاء ودواء.
أزمة الرياضيين الهاربين لا يمكن فصلها عن أزمة أكبر تتعلق بمستويات المعيشة المتدنية التي باتت تعاني منها معظم الأسر العربية، حيث تضخم جامح وقفزات في الأسعار وزيادات متواصلة في الضرائب والرسوم الحكومية، وخفض في مخصصات الدعم الحكومي الموجة لخدمات حيوية مثل الصحة والتعليم ومشتقات الوقود والكهرباء والمياه، كما لا يمكن مناقشتها بعيدًا عن هدر المال العام وإنفاق ميزانيات ضخمة على مشروعات لا علاقة لها بالمواطن والاقتصاد، بدلًا من دعم المعسكرات الأولمبية وتوفير رواتب محترمة للمتميزين تلبي تطلعاتهم المالية فلا يلجؤوا إلى البحث عن مستقبل احترافي أفضل في أوروبا.

