محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

الشباب يرحلون، كلّهم يرحلون، مَن يستطيع يسافر، ومَن لا يستطيع يهرب، ولو على قوارب الموت. ومَن يعلن مغادرته بأيّ طريقة تنهال عليه التهاني والتبريكات، وجديدهم أخيرًا لاعب المصارعة محمّد الشامي الذي هرب من بعثة منتخب مصر في "ترانزيت" روما، وسبقه آخرون، هربوا وتجنّسوا بجنسيات أخرى، وبعضهم لعب ضدّ مصر، ولم يجد من ملايين المصريين سوى الدعم والتأييد. ادخل على صفحة محمّد الشامي في وسائل التواصل الاجتماعي واقرأ التعليقات على "بوست" هروبه، اقرأ كلام المصريين: تهانيهم ودعواتهم وتبريكاتهم. لا خلاف، لا رأي ورأي آخر، حتّى لجان النظام تاهت وضاع صوتها وسط عشرات الآلاف من الأصوات الحقيقية.

 

هل هذا جديد؟ لا. هذا أحد أسباب ثورة يناير أصلًا؛ أنّ للدولة أصحابًا غير المصريين، وكلّ سياساتها تخدم طبقة الحكم من دون المصريين، الدولة طاردة لأهلها، وأقصى أمنيات شبابها أن يغادرها هربًا منها. ما تغيّر هو زيادة الأعداد، زيادة الأسباب، زيادة النسب، صار النظام غير قابل إلّا للطرد، ولم يعد ثمّة هامش يمكن الاستمرار فيه أو من أجله. لم يعد ثمّة إجابة لدى أحمد عدوية حين يسأله "أبو" في أغنية "مسافر": "وإيه اللي فيها؟"، فيجيب عدوية: "دا بجنيه بتاكل". حتّى الجنيه رحل عائمًا؟

 

هل كان من الممكن أن يطرح "مصري" فكرة مقايضة قناة السويس بأيّ شيء؟ لقد بدأ اتهام "الإخوان المسلمين" بالخيانة مع شائعة تأجير القناة لدولة قطر، وقامت الدنيا، ثمّ ما أهمّية مصر "الدولة" من دون قناة السويس؟ هل بقي لها شيء آخر؟ يوشك أن يكون تأميم القناة هو المُنجَز الوحيد غير المُختلَف عليه، منذ يوليو (1952). 6 أكتوبر (1973)؟ خذلتها "واقعية الاستسلام" في كامب ديفيد، وتركت وراءها من المرارات ما يتجاوز "بيع الأصول". التخلّص من "الإخوان"؟ لم يعد مبرّرًا كافيًا للتخلّص من المصريين جميعًا. أكبر جامع وأكبر كنيسة وأكبر سارية علم وعاصمة إدارية ومونوريل؟ هل هذه إنجازات؟ وبكمّ من الديون؟

 

يطرح حسن هيكل فكرة مقايضة قناة السويس بديون النظام، ويقول مجلس الوزراء إنّ هذا رأي شخصي لا رأي الدولة، فيردّ هيكل: "بلاش القنال لو عندكم حساسية، نشوف حاجة تانية". هكذا ببساطة، فصال وجسّ نبض وبالونات اختبار، وعلى الطاولة: "القنال"… هل تعرف ما القناة؟ من يعرف لا يبيع، لكن مَن يحكم الآن لا يعرف غير البيع، القناة التي دفع المصريون ثمن حفرها وتأميمها وعبورها من عرقهم ودمائهم صارت مادّةً للأخذ والردّ: "القنال ولا حاجة تانية؟".

 

لقد طلب عبد الفتّاح السيسي من المصريين في 2013 تفويضًا لمواجهة "الإرهاب المحتمل"، ونزل المصريون بالملايين، كانت شعبيته مثله طاغيةً، وقّع المصريون على بياض، ووافق سوادهم على المذابح والاعتقالات والإخفاءات القسرية والضرب في المليان في كلّ مظاهرة، حتّى مظاهرات الطلّاب داخل جامعاتهم، "افرم يا سيسي" كانت شعار المرحلة طلبًا لـ"الاستقرار"، وظلّ السيسي سنواتٍ طويلةً يذكّرنا في خطاباته بأنّه لولا ما فعله في 2013 وما بعدها لكان المصريون في الشتات، وما بقي لهم أرض ولا وطن ولا بلد. فأين نحن الآن بعد 13 عامًا من سياسات الفرم من أجل الاستقرار؟ وما الذي تبقّى لنا من الأرض؟ من تيران وصنافير إلى رأس الحكمة، ومن الورّاق إلى قناة السويس؟ ما الذي تبقّى لنا من الوطن؟ مبناه ومعناه؟ ما الذي تبقّى لنا من البلد؟ حلم المغادرة؟ الرحيل ولو على ظهر الموت؟

 

لقد اختار السيسي، منذ البداية، أن يكون مسؤولًا عن كلّ شيء، السياسة والاقتصاد والتعليم والصحّة والحرّيات وحتّى الدين، والتجربة تتحدّث عن نفسها: تحوّلت السياسة إلى تهمة، والرئيس نفسه يتبرّأ منها: "أنا مش سياسي بتاع الكلام"، والاقتصاد إلى الديون وبيع الأصول، والتعليم من "يعمل إيه التعليم في وطن ضايع" إلى "الدولة ما تقدرش". أمّا الحريات والدين، فلا داعي، والأكثر واقعيةً أن نسأل: لماذا لا يرحل مَن تسبّب في ذلك كلّه؟