تكشف أكثر من 3400 شكوى معلقة لدى منظومة مجلس الوزراء استمرار حرمان مستحقين من معاشاتهم، رغم مرور أشهر على تسليم الأوراق، بما يحول العطل إلى عقوبة معيشية تطال أسرًا فقدت عائلها.

 

وتفضح شهادات المستحقين فجوة بين بيانات الهيئة عن حسم معظم التراكمات وواقع مواطنين يعيدون تقديم طلباتهم مرارًا، بينما تتراكم مصروفات الغذاء والعلاج والمدارس من دون مورد أو موعد صرف واضح.

 

حقوق محتجزة خلف الشاشات

 

في البداية، يتركز التعطل بين معاشات الورثة وحالات العجز الطبي والملفات التي تحتاج مراجعة تاريخية، وهي من أكثر الفئات هشاشة ولا تملك دخلًا بديلًا يسمح لها باحتمال أشهر إضافية من الانتظار القسري.

 

وفوق ذلك، تشير تقديرات اتحاد أصحاب المعاشات إلى تضرر 24 ألف أسرة، وهو رقم يتجاوز الشكاوى المسجلة، لأن الحالة الواحدة قد تخص أسرة، ولأن متضررين لم يسلكوا مسار الشكاوى أصلًا.

 

وبحسب البيانات، صرفت الهيئة مستحقات 167500 ملف متراكم حتى مطلع أغسطس، بنسبة قالت إنها بلغت 92 بالمئة، لكن النسبة الإجمالية لا تفسر مصير الحالات الباقية ولا مدة تعطيل كل ملف.

 

غير أن تحويل آلاف الأسر إلى نسبة صغيرة يخفي طبيعة الحق المحتجز، فالمعاش ليس خدمة تكميلية قابلة للتأجيل، وإنما دخل مقابل اشتراكات، وغيابه يعني نقص الدواء والطعام الأساسي وسداد الديون.

 

وبدوره، يرى خبير الحركات العمالية محمد البسيوني أن التأخير يضرب المسنين وورثة المتوفين بلا بدائل، مؤكدًا أن ضعف التكامل مع البيانات التاريخية راكم الملفات وأجبر المواطنين على تكرار الزيارات القسرية.

 

وعمليًا، يدفع صاحب الحق كلفة الخلل مرتين، أولاهما بفقد دخله، وثانيتهما بمصاريف الانتقال واستخراج المستندات والانتظار، بينما يفترض أن تتحمل الجهة مطلقة المنظومة مسؤولية حفظ الملف واستدعائه دون إنهاك صاحبه.

 

وفي المقابل، تقول الهيئة إن معظم الملفات حسم، وإن المتأخرة تحتاج استكمال أوراق أو مراجعة يدوية، لكن استمرار آلاف الشكاوى بعد المواعيد يجعل وصفها بالفردية عاجزًا عن تفسير المعاناة الواسعة.

 

كذلك، لا تقدم عبارة استكمال المستندات جوابًا لمن سلم أوراقه منذ أشهر، خصوصًا عندما يطلب منه بدء الإجراءات، لأن ضياع الدورة المستندية مسؤولية إدارية لا يجوز نقل تبعاتها إلى المستحق.

 

منظومة بلا مسار احتياطي

 

من زاوية أخرى، يقول خبير التأمينات كامل السيد إن النظام الجديد شغل قبل اختبار قدرته على احتساب المستحقات، وإن انتظام المعاشات القديمة لا يثبت نجاح معالجة الملفات الجديدة والتسويات المعقدة.

 

ويشرح السيد أن الأزمة ظهرت لأن البيانات لم تنتقل بكفاءة، فتعذر احتساب متأخرات الشهور ومعاشات الورثة والعجز، بينما أغلقت مسارات قديمة قبل التأكد من جاهزية البديل وقدرته على استيعاب العمليات التأمينية.

 

وعلاوة على ذلك، كان إطلاق منظومة تمس دخل ملايين الأسر يفرض إبقاء قناة صرف احتياطية، تضمن وصول مبلغ مؤقت عند تعطل المطابقة، بدل ربط قوت المواطنين بنجاح تجربة تقنية لم يختاروها.

 

وبصيغة أوضح، لا تكمن المشكلة في الرقمنة، بل في إدارة انتقال سمحت بتوقف حقوق واجبة، من دون خطة واضحة لاستمرارية الخدمة أو جدول يبين أنواع الملفات المتأخرة وأسبابها ومواعيد حسمها.

 

وفي السياق ذاته، يكشف تكرار تقديم الطلبات خللًا في الأرشفة والتتبع، لأن المواطن يصبح مطالبًا بإثبات أنه قدم المطلوب، بينما تعجز المؤسسة عن إظهار مسار الملف أو تحديد المسؤول عن تعطيله.

 

وعندئذ، يصبح نشر بيانات أسبوعية ضرورة، تشمل عدد الملفات المتبقية وتصنيفها ومتوسط زمن إنجازها وقيمة المبالغ المؤقتة والتعويضات، حتى يمكن قياس التقدم بدل الاكتفاء بإعلانات تتغير مواعيدها كلما انقضت مهلة.

 

وعلى هذا الأساس، يجب إخضاع المنظومة لمراجعة فنية مستقلة تحدد عيوب التصميم والاختبار ونقل البيانات، وتعلن من وافق على التشغيل، وكيف استمر التعطل شهورًا من دون بديل يمنع احتجاز الدخول.

 

تعويض قانوني مؤجل

 

في موازاة ذلك، خلصت الباحثة داليا موسى في مراجعتها للأزمة إلى أن المواعيد الحكومية للحسم انقضت مع استمرار شهادات المتضررين، بما يشير إلى إخفاق إداري لا مجرد صعوبة مؤقتة في البداية.

 

ووفق هذا التقييم، بدأت الاختناقات مع تشغيل المنظومة في فبراير، ثم توالت وعود الحل خلال مايو وأغسطس، لكن بقاء الشكاوى في سبتمبر يكشف أن إدارة الأزمة سبقت المواطنين بالمواعيد ولم تلحق بحقوقهم.

 

وبموجب المادة 130 من القانون، يتعين صرف الحقوق خلال أربعة أسابيع من تقديم طلب مستوف، مع إضافة مبلغ عن كل شهر تأخير، وهو التزام قانوني لا منحة تخضع لتقدير الهيئة.

 

وبناء على ذلك، ينبغي حصر كل ملف تجاوز المدة بسبب الجهة الإدارية، وصرف التعويض تلقائيًا مع أصل المستحقات، من دون إجبار المتضرر على شكوى تثقل المسار الذي تسبب أصلًا في تعطيله.

 

ولأن أسرًا فقدت عائلها قبل الدراسة، فإن الحل العاجل يقتضي صرف دفعة انتقالية قريبة من المعاش المتوقع للحالات المستوفية، ثم تسوية الفروق لاحقًا، مع أولوية واضحة للورثة وذوي العجز الطبي.

 

إضافة إلى ذلك، لا تكتمل المعالجة من دون خط ساخن فعال ورقم تتبع موحد ورسائل تحدد النواقص بدقة، بحيث يعرف المستحق موضع ملفه وموعد حسمه، بدل الدوران بين المكتب والشكوى وإعادة الطلب.

 

وبالتالي، لا يقاس نجاح الهيئة بعدد الملفات المغلقة، بل بقدرتها على منع سقوط أي أسرة بلا دخل، وصرف المتأخرات والتعويضات كاملة، ومحاسبة المسؤولين عن تشغيل منظومة لم تحم حقوق مستحقيها.

 

وأخيرًا، كشفت الأزمة أن الدولة حملت الفئات الأضعف ثمن تحديث إداري مرتبك، بينما يظل المطلوب فصل الاستحقاق المالي عن المراجعة التقنية، وضمان الصرف أولًا، ثم إصلاح النظام بشفافية تمنع تكرار الإفقار.