أجبرت حرائق جبل بولمان السلطات التونسية على إجلاء 100 شخص، بعدما حاصرت النيران تجمعات سكنية وهددت حياة الأهالي في ولاية سليانة.
اشتعلت النيران بمنطقة مزاتة في معتمدية برقو، ثم امتدت سريعاً إلى المناطق المجاورة، مدفوعة بحرارة مرتفعة ورياح قوية وتضاريس جبلية معقدة.
وكشفت الخسائر الأولية عن احتراق مساكن وأشجار مثمرة، ونفوق خراف ودواجن وحيوانات برية، بينما استمرت عمليات الإطفاء لليوم الثالث.
وتحول الحريق إلى واحد من أخطر حرائق تونس خلال صيف 2026، الذي سجل أرقاماً قياسية في عدد الحرائق ومساحات الغابات المحترقة.
النيران تحاصر السكان
بدأ الحريق في جبل بولمان، قبل أن تتسبب الرياح في إعادة إشعال جيوب نارية كانت فرق الحماية المدنية قد حاصرتها جزئياً.
وامتدت ألسنة اللهب من منطقة مزاتة إلى عين بوسعدية وبلوطة، مقتربة من المنازل والمزارع الواقعة على الحدود بين سليانة والقيروان.
ودفعت سرعة انتشار النيران السلطات إلى إجلاء السكان بواسطة حافلات، ونقلهم إلى مؤسسات تربوية ومراكز إيواء بعيداً عن المناطق المهددة.
كما أُجليت عائلات من دوار القواسمية والمناطق المحاذية للجبل، بالتزامن مع استعدادات لإخلاء تجمعات أخرى إذا استمر تقدم الحريق.
واستقبل مستشفى برقو 18 شخصاً أصيبوا بنوبات هلع، تراوحت أعمارهم بين عشرة أشهر و89 عاماً، بسبب اقتراب النيران من مساكنهم.
وغادر 16 مصاباً المستشفى بعد استقرار حالاتهم، بينما استمر اثنان تحت المتابعة الطبية، دون تسجيل وفيات بشرية حتى الآن.
وألحقت الحرائق أضراراً بعدد من المساكن، كما دمرت أشجاراً مثمرة وممتلكات زراعية يعتمد عليها السكان في توفير مصادر دخلهم.
وتسببت النيران أيضاً في نفوق خراف ودواجن وحيوانات برية، ما وسّع حجم الخسائر الاقتصادية والبيئية التي خلفها الحريق.
ألغام تنفجر وسط الحرائق
سمع السكان دوي انفجارات قوية بالتزامن مع اشتداد النيران، وسط ترجيحات بأنها ناجمة عن ألغام باقية منذ الحرب العالمية الثانية.
وزادت الانفجارات المحتملة خطورة التدخلات الميدانية، خصوصاً في المناطق الجبلية التي يصعب دخول شاحنات الإطفاء والفرق الراجلة إليها.
كما تجاوزت سرعة الرياح 100 كيلومتر في الساعة، ما أدى إلى اتساع رقعة الحريق ونقل الرماد حتى حدود ولاية القيروان.
واستعانت السلطات بمروحيات عسكرية لقصف الجيوب النارية بالمياه، بعدما تعذر الوصول إلى بعض البؤر المشتعلة عن طريق الفرق الأرضية.
ووصلت تعزيزات من ولايات القيروان وزغوان والكاف، إلى جانب شاحنات إطفاء تابعة للحماية المدنية وإدارة الغابات وآلات كاسحة.
وبدأت الفرق فتح ممرات عازلة قرب المنازل لمنع تسرب النيران، مع توفير المياه من الشبكات العمومية وبعض الآبار الخاصة.
وأكد المدير الجهوي للتنمية الفلاحية جمال الفرشيشي استمرار عمليات الإخماد، محذراً من أن تغير اتجاه الرياح قد يعيد إشعال المناطق المحاصرة.
صيف يحرق غابات تونس
تكشف حرائق سليانة جانباً من موسم استثنائي شهد انتشار النيران في ولايات متعددة خلال أوقات متزامنة، ما استنزف فرق الحماية المدنية.
وسجلت تونس بين مطلع يونيو ونهاية أغسطس 13 ألفاً و463 حريقاً بمختلف أنواعها، وفق الحصيلة المعلنة لوحدات الحماية المدنية.
وبلغ عدد حرائق الغابات 239 حريقاً، التهمت أكثر من 14 ألف هكتار خلال ثلاثة أشهر فقط.
ولا تتضمن الحصيلة المساحات التي أحرقتها النيران خلال الأيام الأخيرة، ما يعني أن حجم الخسائر الفعلي مرشح للارتفاع.
ووصف المقدم خليل المشري عدد الحرائق والمساحات المتضررة بأنه قياسي وغير مسبوق، مقارنة بالمواسم الصيفية السابقة في تونس.
وفرض اندلاع الحرائق بصورة متزامنة توزيع شاحنات الإطفاء بين مناطق متباعدة، ما ضاعف الضغوط على الأطقم والآليات المتاحة.
ويهدد استمرار الحرارة والرياح بتحويل الجيوب الصغيرة إلى حرائق واسعة، خصوصاً داخل الغابات الجبلية القريبة من القرى والمزارع.
وتبقى السيطرة الكاملة على حريق بولمان مرتبطة بتراجع الرياح وتبريد البؤر المشتعلة، ومنع النيران من استعادة قوتها والاقتراب مجدداً من السكان.

