حمّل رئيس مركز البحوث الزراعية جانبًا من أزمة القمح في مصر إلى ارتفاع الاستهلاك المحلي، موضحًا أن نصيب المواطن المصري يبلغ 175 كجم سنويًا مقابل 80 كجم عالميًا، وهو فارق يضع السلوك الاستهلاكي في قلب معادلة الأزمة.

 

كما أن الفارق بين المعدلين لا يعكس مجرد زيادة في الطلب، بل يكشف نمطًا غذائيًا يعتمد بدرجة كبيرة على القمح، بما يرفع حجم الاحتياجات السنوية ويزيد الضغط على الإنتاج المحلي وقدرة الدولة على توفير الفجوة.

 

 

الاستهلاك يضغط على المعروض

 

لذلك، يرى الدكتور عادل عبد العظيم، رئيس مركز البحوث الزراعية، أن ارتفاع الاستهلاك يمثل أحد الملفات المرتبطة بأمن القمح، في وقت تعمل فيه الجهات البحثية على تحسين الإنتاجية وتطوير الممارسات الزراعية للمحاصيل الاستراتيجية.

 

ومن ثم، فإن وصول الاستهلاك الفردي إلى 175 كجم سنويًا يعني أن زيادة الإنتاج وحدها قد لا تكون كافية لإغلاق الفجوة، طالما استمر الطلب المحلي عند مستويات تتجاوز المتوسط العالمي بأكثر من الضعف.

 

غير أن تحميل المواطن جانبًا من المسؤولية لا يعني تجاهل العوامل الأخرى، فالقمح يتأثر كذلك بحجم السكان، ومساحات الزراعة، وإنتاجية الفدان، ومعدلات الفاقد، وتكاليف الاستيراد، إلى جانب تغيرات الأسواق العالمية.

 

علاوة على ذلك، تشير دراسات سابقة إلى أن استهلاك الفرد المصري من القمح ظل تاريخيًا أعلى بكثير من المتوسط العالمي، مع ارتباط جزء من الفجوة بارتفاع الاعتماد على الخبز ومشتقاته في الغذاء اليومي.

 

وبناء على ذلك، يصبح ترشيد الاستهلاك أحد المسارات المطروحة إلى جانب زيادة الإنتاج، خصوصًا أن خفض الطلب على القمح يمكن أن يقلل الكميات المطلوب توفيرها سنويًا، سواء من الإنتاج المحلي أو من الأسواق الخارجية.

 

 

ترشيد الخبز ليس كافيًا

 

في المقابل، يؤكد الدكتور أسعد حمادة، المتخصص في بحوث القمح، أن معدل استهلاك الفرد المصري يقارب 180 كجم سنويًا مقابل نحو 76 كجم عالميًا، داعيًا إلى إجراءات لترشيد الاستهلاك وتقليل الفجوة.

 

كما أن هذا الطرح يربط بين حجم الاستهلاك وبين الحاجة إلى سياسات أكثر كفاءة في إدارة الخبز، بدل التعامل مع المشكلة باعتبارها مرتبطة فقط بزيادة المساحات المنزرعة أو استيراد كميات إضافية سنويًا.

 

ومن جهة أخرى، تظهر مشكلة الفاقد باعتبارها ضلعًا آخر في المعادلة، إذ تشير دراسات إلى خسائر كبيرة تحدث خلال الحصاد والنقل والتخزين والطحن وإنتاج الخبز، ما يعني أن جزءًا من القمح لا يصل إلى الاستهلاك الفعلي.

 

وفوق ذلك، يؤكد الدكتور عبد السلام جمعة، خبير القمح، أن خفض استهلاك الفرد إلى أقل من 150 كجم سنويًا يمثل أحد الإجراءات الضرورية، بالتوازي مع رفع إنتاجية الفدان ومنع استخدام الخبز المدعوم كعلف.

 

وبالتالي، فإن أزمة القمح لا تتعلق فقط بالكمية التي يأكلها المواطن، وإنما أيضًا بما يهدره المجتمع أو يعيد توجيهه خارج الاستخدام الغذائي، وهي خسائر تضخم الاحتياجات دون أن تحقق منفعة غذائية مقابلة.

 

لزيادة كفاءة المنظومة، يصبح تقليل الفاقد وترشيد الاستهلاك هدفين متلازمين، لأن زيادة الإنتاج مع استمرار الهدر والاستهلاك المرتفع قد تؤدي إلى ملاحقة الطلب بدل تقليص الفجوة بصورة مستدامة.

 

 

الإنتاج وحده لا يحسم الفجوة

 

في السياق نفسه، تكشف بيانات سابقة أن مصر تنتج كميات أقل من إجمالي احتياجاتها من القمح، ما يجعل سد الفجوة مرتبطًا بمزيج من زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين الإنتاجية، وترشيد الاستهلاك، وتقليل الفاقد.

 

وفي المقابل، لا يمكن اختزال ارتفاع الاستهلاك في سلوك فردي منفصل عن الظروف الاقتصادية، فالقمح يدخل في الخبز والمكرونة ومختلف المخبوزات، كما يمثل الغذاء الأرخص والأكثر حضورًا لدى شرائح واسعة من المجتمع.

 

ومن ناحية أخرى، يشير تحليل متخصص إلى أن انخفاض مستويات المعيشة قد يدفع الأسر إلى الاعتماد بصورة أكبر على الحبوب، وهو ما يجعل معالجة الاستهلاك مرتبطة أيضًا بأنماط الغذاء والدخل وأسعار البدائل.

 

كذلك، يظل رفع إنتاجية الفدان عنصرًا حاسمًا في تقليل الفجوة، خصوصًا مع محدودية الأراضي الزراعية وارتفاع الاحتياجات الغذائية، وهو ما يفسر تركيز مراكز البحوث على استنباط أصناف أكثر إنتاجية ومقاومة للأمراض.

 

إضافة إلى ذلك، تؤكد تصريحات سابقة لخبراء القمح أن الوصول إلى مستويات أعلى من الاكتفاء يتطلب التوسع الرأسي في الإنتاج، مع ترشيد الاستخدام وتقليل الفاقد خلال مراحل التداول المختلفة.

 

وبهذا المعنى، فإن وضع المواطن في مواجهة الأزمة باعتباره مستهلكًا فقط قد يحجب جوانب أخرى لا تقل تأثيرًا، مثل كفاءة التخزين، وجودة الخبز، واستخدام الدعم، وإدارة الإنتاج والتوزيع.

 

وفي الوقت نفسه، يكشف متوسط 175 كجم للفرد حجم الضغط الذي يفرضه الطلب المحلي على سوق القمح، لكنه لا يثبت وحده أن الاستهلاك الفردي هو السبب الوحيد للفجوة، بل يمثل أحد عناصرها الأساسية.

 

ومن ثم، تحتاج المعالجة إلى التعامل مع طرفي المعادلة معًا، عبر زيادة إنتاجية الأرض وتقليل الفاقد، وفي المقابل تغيير بعض أنماط الاستهلاك التي ترفع الطلب على القمح إلى مستويات استثنائية.

 

غير أن الترشيد لا يعني بالضرورة تقليل الغذاء المتاح للمواطن، وإنما يستهدف خفض الاستخدام غير الضروري ومنع إهدار الخبز والدقيق، مع الحفاظ على قدرة الأسر على الحصول على احتياجاتها الغذائية الأساسية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك يجعل أي ارتفاع عالمي في أسعار القمح أو اضطراب في التجارة الدولية أكثر انعكاسًا على تكلفة توفير الاحتياجات المحلية، خصوصًا مع الاعتماد على الاستيراد.

 

وبناء عليه، فإن تقليل الاستهلاك يصبح أداة اقتصادية إلى جانب كونه إجراءً غذائيًا، لأنه يقلل الكميات التي تحتاجها البلاد من الأسواق الخارجية، ويخفف الضغط على الموارد المطلوبة لتوفير القمح سنويًا.

 

وأخيرا، تضع تصريحات رئيس مركز البحوث الزراعية رقم 175 كجم أمام نقاش أوسع حول مسؤولية الأزمة، فالمواطن طرف في معادلة الاستهلاك، لكنه ليس الطرف الوحيد، بينما يظل الإنتاج والفاقد والإدارة عناصر حاسمة.