محمد أبو رمان

أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع

 

على الرغم من الحراك الدبلوماسي المكثف أخيرًا، فإنّ الصورة بشأن التفاهم الإيراني العُماني حول مضيق هرمز لا تزال ضبابية إلى حدّ كبير. ومما يعزز ذلك، أنّ زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لطهران لم تكشف كثيرًا مما يجري خلف الأبواب المغلقة؛ إذ بقيت تصريحات الطرفين في حدود اللغة العامة عن خفض التصعيد وحرية الملاحة والعودة إلى الحوار، فيما تبدو التفاصيل الحقيقية أكثر تعقيدًا وحساسية.

 

ينطوي ما يحدث اليوم على تحوّل مهم في الأدوار الإقليمية، من المهم أن ننظر إليه بعمق في تحليل المشهد الإقليمي بصورة عامة. فعُمان، التي اعتدناها وسيطًا رئيسيًا بين طهران وواشنطن، لم تعد في ملف هرمز وسيطًا بالمعنى التقليدي، بل أصبحت طرفًا مباشرًا في التفاوض، فقد أصبحت الدولة التي تقابل إيران على الضفة الأخرى من المضيق، والتفاهم المطروح يتعلق بالممرّات البحرية وتقاسم الأدوار والعائدات وإدارة الملاحة.

 

في المقابل، انتقل جانب مهم من وظيفة الوساطة السياسية إلى قطر، إلى جانب باكستان، وهو ما يفسّر النشاط الدبلوماسي القطري ومسارعة الشيخ محمد بن عبد الرحمن إلى طهران، لكن مسقط، وإنْ كانت تتفاوض بصفتها طرفًا مباشرًا، لا تدخل المفاوضات وحدها تمامًا، فتتموضع خلفها مصالح خليجية حيوية، وموقف أميركي لديه خطوط حمراء واضحة، ما يجعل "المهمة العُمانية" شديدة الحساسية؛ فهي تتفاوض مع الإيرانيين على ترتيباتٍ تخصّها مباشرة، لكنها تدرك، في الوقت نفسه، أن ما توافق عليه قد يمسّ أمن دول الخليج واقتصادها، وأن واشنطن لن تقبل بسهولةٍ أن يتحوّل فتح المضيق إلى اعتراف بحق إيراني في التحكّم بممرّ دولي أو فرض قواعد جديدة عليه.

 

تنطبق الحال كذلك على الوساطة القطرية في هذا الملف، فالمشكلة لم تعد فقط في الوصول إلى تفاهم إيراني ــ عُماني، بل في إنتاج تفاهم يمكن أن تقبله واشنطن ودول الخليج أيضًا، كالحديث عن العائدات، ومسارات الدخول والخروج، ووضع السفن العسكرية، وطبيعة الدور الإيراني في إدارة المضيق، كلها تفاصيل قد تبدو فنية، لكنها في الحقيقة أسئلة سياسية واستراتيجية كبيرة، تمسّ مباشرة الأمن الإقليمي، ومستقبل أمن الخليج العربي وسؤال القوة الإقليمية المهيمنة.

 

فوق ذلك كله، تبقى العقدة الأميركية الإيرانية: من يدفع الدفعة الأولى؟ تريد إيران ربط فتح "هرمز" برفع الحصار وتخفيف العقوبات، فيما لا تريد واشنطن أن تخفف الضغط، ثم تنتظر تنفيذ إيران التزاماتها، ما يعيد الكرة إلى ملعب الوساطة القطرية والباكستانية التي تصبح أكثر تعقيدًا ودقة، من خلال ليس فقط البحث عن الصيغ الوسطية المقنعة للطرفين، بل مفردات اللغة والمصطلحات التي يريد توظيفها كل من ترامب والحرس الثوري في بناء روايته السياسية.

 

بالضرورة، يقودنا هذا وذاك إلى مشكلة الرواية السياسية، التي قد تمثّل اليوم أحد أهم معالم الخلاف بين الطرفين والجمود السياسي ــ الدبلوماسي الراهن؛ فترامب لا يريد اتفاقًا يظهر وكأن إيران أغلقت "هرمز"، فاضطر إلى رفع الحصار، وطهران لا تستطيع تقديم الاتفاق داخليًا باعتباره فتحًا للمضيق تحت ضغط العقوبات. لذلك، لا بد من صيغة يستطيع فيها الجميع ادّعاء أنه لم يتراجع: تقول واشنطن إن إيران عادت إلى احترام حرية الملاحة، وطهران تقول إن الضغط الذي مارسته أجبر واشنطن على تخفيف الحصار، فيما تستطيع قطر وباكستان تقديم النتيجة انتصارًا للدبلوماسية، وهي، بلا شك، ضمن المواقف الراهنة من الطرفين، وبسبب العوامل الداخلية، في كل من طهران (سؤال القوة والسلطة في الجمهورية الثالثة)، وواشنطن (الانتخابات النصفية المهمة)، لن تكون صياغات سياسية سهلة للاتفاقية المنشودة.

 

المعضلة الأكثر عمقًا تقع في الخليج نفسه، فدول الخليج تقف هنا بين حدّي السيف. من جهة، هي الأكثر حاجة إلى إنهاء الأزمة وعودة الملاحة الطبيعية، وهي لا تريد العودة إلى الحرب ولا استمرار تهديد أسواق الطاقة والاستثمارات والاقتصادات الخليجية. ومن جهة أخرى، قد يكون ثمن إنهاء الأزمة قبولًا ضمنيًا بنظام أمني إقليمي جديد يمنح إيران موقعًا استراتيجيًا لم تكن تمتلكه بهذه الصورة من قبل.. فإذا انتهت الأزمة باعتراف عملي بأن إيران تمتلك دورًا خاصًا في إدارة المضيق وتحديد قواعد المرور فيه، فإن طهران تكون قد نجحت في تحويل قدرتها العسكرية على تعطيل المضيق إلى مكسب سياسي دائم. عندئذ تصبح جغرافيا الخليج واقتصاداته أكثر ارتباطًا بمعادلة قوة تستطيع إيران التأثير فيها في كل أزمة مقبلة، لذلك ربما لا يكون السؤال الأصعب: هل ينجح الاتفاق الإيراني العُماني؟ بل: أي "هرمز" سيخرج من هذا الاتفاق، وأي خليج سيولد بعده؟