أجبرت وزارة الصحة خريجين جدد من الكليات الطبية على مواجهة واقع التكليف في مناطق بعيدة عن محل إقامتهم، لتتحول مهمة سد العجز الصحي إلى عبء إضافي يتحمله الطبيب بين تكاليف السكن والتنقل وضغوط العمل ونقص الإمكانات.
وتتجاوز الأزمة حدود الانتقال إلى محافظة أخرى، إذ يجد بعض المكلفين أنفسهم أمام وحدات صحية تفتقر إلى التجهيزات أو تعاني نقصا في أعداد العاملين، بينما لا تتناسب دخولهم مع تكلفة الإقامة والسفر المتكرر، بحسب شكاوى الخريجين.
كما كشفت تصريحات رسمية سابقة أن الوزارة تتجه إلى ربط التكليف بالاحتياجات الفعلية للمنشآت الصحية، بعدما أشارت إلى وجود عجز في تخصصات وتكدس في أخرى، ما يجعل التوزيع الجغرافي جزءا أساسيا من إعادة تنظيم المنظومة.
غير أن تطبيق قاعدة الاحتياج لا يحسم وحده مشكلة المناطق النائية، لأن جذب الأطباء إليها يتطلب حوافز تتناسب مع صعوبة العمل وبعد المسافة، وإلا أصبح سد العجز قائما على نقل التكلفة من الدولة إلى الخريج نفسه.
المسافة ترفع كلفة التكليف
وبالتالي، يرى الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، أن ربط التكليف بالاحتياجات الفعلية تسبب في مشكلات واسعة بين خريجي بعض المهن الطبية، مؤكدا أن معالجة توزيع القوى البشرية يجب ألا تنفصل عن واقع سوق العمل.
كذلك تبرز المشكلة بصورة أكبر عندما يكون موقع التكليف بعيدا عن محل إقامة الطبيب، لأن تكلفة الانتقال والإقامة لا تظهر في قرار التوزيع نفسه، لكنها تتحول عمليا إلى مصروفات شهرية تلتهم جزءا كبيرا من الدخل.
ولزيادة قدرة المنظومة على استقطاب الأطباء إلى المناطق الأكثر احتياجا، تحتاج الوزارة إلى حوافز واضحة تتضمن السكن وبدلات الانتقال ومزايا مهنية، وهي مطالب سبق طرحها رسميا عند مناقشة أوضاع العاملين بالمحافظات النائية.
حوافز غائبة عن الحساب
لذلك أكد الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، في إطار مناقشات سابقة لتطوير أوضاع الأطباء، أهمية الحوافز وتحسين البيئة المهنية، مع توجيه بمنح امتيازات خاصة للعاملين في المحافظات النائية.
ومن ثم فإن بقاء الطبيب في منطقة نائية لا يمكن ضمانه بمجرد صدور قرار التكليف، خصوصا إذا كان مطالبا بتحمل إيجار السكن وتكلفة السفر والطعام بعيدا عن أسرته، إلى جانب أعباء العمل اليومية.
وعلاوة على ذلك، فإن غياب التجهيزات الطبية الكافية يضاعف الضغط على الطبيب المكلف، لأنه يصبح مطالبا بالتعامل مع حالات مرضية بإمكانات محدودة، وقد يضطر إلى اتخاذ قرارات مهنية صعبة في بيئة تفتقر إلى الدعم.
بناء على ذلك، فإن معالجة أزمة التكليف لا ينبغي أن تركز فقط على عدد الأطباء الذين جرى توزيعهم، وإنما على قدرتهم الفعلية على الاستمرار في مواقعهم وتقديم خدمة صحية مستقرة للسكان.
الاحتياج لا يكفي وحده
في المقابل، قال الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، إن تنظيم التكليف وفق الاحتياجات الفعلية يستهدف معالجة مشكلة التكدس في بعض التخصصات ونقص الكوادر في مناطق وتخصصات أخرى، بما يحقق توزيعا أكثر عدالة للقوى البشرية.
كما أكدت وزارة الصحة في دليلها الرسمي للمكلفين أن منظومة التكليف ترتبط بالمهام الوظيفية والمسار المهني وتسلم العمل وتعديل التكليف والإجازات، بما يعكس وجود قواعد محددة لإدارة المرحلة الانتقالية للخريجين.
غير أن عدالة التوزيع لا تعني بالضرورة عدالة التكلفة، فالمساواة في إرسال الخريجين إلى الأماكن المحتاجة قد تنتج تفاوتا فعليا بين طبيب يعمل قرب أسرته وآخر ينفق دخله على السكن والتنقل للوصول إلى مقر عمله.
في السياق نفسه، يزداد العبء على الطبيب حديث التخرج الذي يبدأ حياته المهنية في بيئة بعيدة عن شبكته الاجتماعية، بينما يحتاج في الوقت ذاته إلى التدريب المستمر وبناء خبرته والاستعداد لمساره المهني والتخصصي.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح التكليف في سد العجز يتوقف على توفير بيئة تجعل البقاء في المناطق النائية خيارا قابلا للاستمرار، لا مجرد فترة إلزامية يحاول الطبيب تجاوزها بأسرع وسيلة ممكنة.
وفي هذا الإطار، سبق أن طالبت نقابة الأطباء بتحسين أحوال الأطباء والفريق الطبي بالتوازي مع توفير الإمكانات والتجهيزات، مؤكدة أن تحسين ظروف العمل يمثل جزءا أساسيا من تطوير الخدمة الصحية.
وفوق ذلك، فإن أزمة التكليف تكشف مفارقة واضحة، فالدولة تحتاج إلى الأطباء في المناطق التي تعاني نقصا، لكن الطبيب المكلف يحتاج بدوره إلى ما يجعله قادرا على تحمل تكلفة العمل في هذه المناطق.
لذلك يصبح توفير السكن المناسب وبدلات الانتقال والحوافز المهنية جزءا من سياسة توزيع الأطباء، وليس امتيازا إضافيا، خصوصا في المحافظات الحدودية والمناطق التي تستغرق الرحلة إليها ساعات طويلة.
وأخيرا، فإن استمرار الاعتماد على التكليف لسد فجوات التوزيع من دون معالجة تكلفة العمل قد يبقي المشكلة قائمة، لأن نقل الطبيب إلى المكان المحتاج لا يعني بالضرورة توفير طبيب مستقر وقادر على الاستمرار في تقديم الخدمة.

