مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
لا أعرف من الذي ورط الحكومة المصرية، حينما أوعز إليها بإعادة طرح فكرة أو مقترح أو خطة بيع قناة السويس، وغيرها من أصول الدولة الثمينة مقابل تصفير الديون العامة، سواء الخارجية أو الداخلية، والتي باتت تشكل خطرًا شديدًا على الأمن القومي والاقتصادي، حيث تلتهم أكثر من نصف إيرادات الدولة، وتجاوز أعباء خدمتها نحو 5.2 تريليونات جنيه سنويًا في موازنة العام الأخير، ما بين سداد أقساط بقيمة 2.8 تريليون وفوائد بقيمة 2.4 تريليون، وتتوزع ما بين دين محلي يتجاوز 11 تريليون جنيه، وخارجي يتجاوز 164.78 مليار دولار بنهاية مارس 2026، وهل ما يجري هذه الأيام يعد "بالونة اختبار" وجس نبض تقيس الحكومة من خلاله ردة فعل الرأي العام في مصر على المقترح الخطير وغير المسبوق والذي يعيدنا إلى فترة حكم الخديوي إسماعيل؟
ولا أعرف من وراء طرح مبادرة أو فقاعة التخلص من أصول الدولة ومقايضة تلك الأصول مقابل سداد الدين العام عبر البنك المركزي المصري، وهو الطرح الذي جرى على لسان أحد أبرز المستشارين الاقتصاديين لرئيس الحكومة ورجل الأعمال البارز، وهو حسن هيكل، الذي أعاد طرح المبادرة "المسمومة" هذه الأيام وللمرة الثانية وخلال فترة لا تتجاوز أربعة أشهر، طالما أن "الفكرة سبق أن خضعت للدراسة وانتهت الجهات المعنية في الدولة إلى عدم ملاءمتها" كما قال بيان صادر اليوم عن مجلس الوزراء.
والأخطر، ما مغزى محاولة جهات رسمية في الدولة أو أطراف محسوبة عليها توريط البنك المركزي المصري وقطاعه المصرفي ووضعه في مواجهة محتملة مع المودعين، أو على الأقل إثارة القلق بين أصحاب المدخرات، حيث إن نقل ملكية تلك الأصول، ومنها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية قد يعني ببساطة أن البنك قد يستخدم أموال المودعين في سداد أعباء الدين العام وخفض التكلفة، أو أن بنك الدولة يطبع سيولة نقدية من دون رصيد كاف من الذهب والاحتياطي النقدي لسداد تلك الأعباء، وهو ما يعني دخول الأسواق في موجة تضخم غير مسبوقة، وزيادة كبيرة للأسعار لم يعد المواطن لديه القدرة على تحملها، خاصة أنه يعيش أزمة معيشية طاحنة منذ أكثر من عقد من الزمان، وضغوط شديدة على العملة المحلية.
أو أن البنك المركزي المصري قد يستخدم السيولة المتاحة لديه في غير أغراضها، وهي الأموال التي تساعده في إدارة السياسة النقدية، وتغطية أي نقص طارئ لدى أحد البنوك، ومواجهة الاضطرابات المالية المحتملة من سحب مفاجئ وكثيف للأموال من قبل عدد من المدخرين المتعاملين مع البنوك المتعثرة كما حدث في سنوات سابقة مثل تجارب بنوك: "الاعتماد والتجارة - مصر" والنيل والمهندس والدقهلية التجاري والمصرف الإسلامي الدولي ومصر اكستريور وغيرها.
كما أن حسن هيكل المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة قد لا يعرف، وفق مقترحه، دور وأهداف البنك المركزي بدقة، وهنا يحمل القطاع المصرفي مخاطر إضافية، ولا يفرق بين البنك المركزي الرقيب ومدير السياسة النقدية، وبين بنك تجاري آخر يمارس أنشطة استثمارية وربحية شأن رجل الأعمال والسماسرة، ولا يعرف أن البنوك المركزية في العالم تأسست لأداء أدوار محددة منها الرقابة على القطاع المصرفي، وحماية أموال المودعين، وضبط سوق الصرف الأجنبي، ومواجهة أي اضطرابات في قيمة العملة المحلية، وإدارة احتياطي الدولة من النقد الأجنبي.
ولم نسمع عن بنك مركزي يدير أصولًا وشركات وأراضي وعقارات وممرات مائية ويمتلكها ويتفاوض حول أكفأ أساليب إدارتها وتعظيم عوائدها، فالبنوك المركزية في العالم لا تتملك أصولًا أو تتعامل مع عملاء سواء مودعين ومدخرين أو مستثمرين، وإذا فعلت ذلك فإن تهمة تعارض المصالح توجه إليها، إذ كيف تمتلك مصارف وفي نفس الوقت تراقبها.
بل ويخلط حسن هيكل الأوراق والملفات حينما يساوي بين البنك المركزي، وهو بنك الدولة الذي يمارس دورًا رقابيًا مثل الجهاز المركزي للمحاسبات بل وأخطر، وبنك الاستثمار القومي الذي يمول مشروعات الصرف الصحي ومد شبكات المياه والكهرباء، واستخدمته الحكومة في تصفير ديون الهيئة الوطنية للإعلام "ماسبيرو" والبالغة 88.3 مليار جنيه، وتحميله ديون حكومية، وهو دور أصيل له بحكم نشاطه الاستثماري والسياسي.
أخيرًا، ما الرسالة التي يود المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة إيصالها من تصريحاته الأخيرة إلى المصريين في هذا التوقيت بالذات الذي تمر فيه المالية العامة بمرحلة حرجة بسبب السفه في الاقتراض المحلي والخارجي والذي تجاوز 13.3 تريليون جنيه، أي ما يعدل 266 مليار دولار، ويمر فيه المواطن بأزمة معيشية قاتلة.
الحكومة المصرية مرتبكة بلا شك في التعامل مع ملف الدين العام المزمن بسبب ضخامة أعباء الديون، الناتجة بشكل أساسي عن سياسات اقتصادية فاشلة من أبرزها سفه الاقتراض وتمويل مشروعات سياسية أو لا تدر عائد وعلاقة لها بالمواطن والاقتصاد، وبدلًا من أن تعالج الأزمة من جذورها وتتوقف عن ممارسة هذا الفعل السفيه، تسارع لتخلط الأوراق وترمي بالونات اختبار لعلها تفلح في ما تخطط له من وقت، وهو بيع ما تبقى من أصول الدولة وتركها على الحديدة.
أخيرًا.. ليقل لنا حسن هيكل.. باسم من يتحدث عندما يطرح فكرة "المقايضة الكبرى" للمرة الثانية خلال أشهر معدودة؟ هل بصوت رجل أعمال يمتلك إمبراطورية اقتصادية هو وشقيقه ويلعب بالمليارات، أم مستشار اقتصادي للحكومة المصرية يعبر عن سياساتها وخططها وربما أمنياتها؟

