كشف حديث الدكتور باسم نبوي، رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، عن امتلاك مصر نحو 80 محطة لرصد الزلازل والتوسع في إنشاء محطات جديدة، مفارقة لافتة مع اعترافات سابقة له بشأن النقص الحاد في الكوادر البشرية المتخصصة داخل المعهد.


وقال نبوي في تصريحات حديثة إن الدولة تخصص سنويًا ميزانية لشراء أحدث الأجهزة العلمية، وإن شبكة رصد الزلازل تغطي مصر بنحو 80 محطة، بالتوازي مع إنشاء محطات جديدة تستهدف رفع دقة عمليات الرصد.


ورسم رئيس المعهد في تصريحاته صورة لمنظومة علمية تتوسع باستمرار، ليس فقط في مجال الزلازل، وإنما أيضًا في الفلك، معلنًا العمل على تجهيز تلسكوب جديد في سيناء قال إنه سيكون الأكبر في الشرق الأوسط.


 

مهندس واحد أمام شبكة ضخمة


لكن الصورة التي قدمها نبوي في 16 أغسطس 2026 تبدو بعيدة عن تلك التي قدمها بنفسه قبل أقل من أسبوعين، عندما تحدث عن أزمة حقيقية داخل المؤسسة بسبب نقص العنصر البشري المتخصص.


ففي 3 أغسطس 2026، وأثناء تفسيره أسباب التأخر والارتباك في إعلان بيانات زلزال شعر به مواطنون في القاهرة وعدد من المحافظات، أقر نبوي بأن المعهد يعاني من نقص في الكوادر القادرة على تحليل بيانات الزلازل.


وكان الرقم الأكثر إثارة للتساؤلات في تلك التصريحات أن المعهد، بحسب رئيسه، لا يضم سوى **مهندس واحد متخصص في تحليل البيانات الخاصة بالزلازل**، رغم وجود سبعة فروع للمعهد وشبكة قومية للرصد موزعة في أنحاء الجمهورية.


كما كشف نبوي آنذاك أن المعهد يعمل به نحو 240 باحثًا، وأن دراسة أجراها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة انتهت إلى حاجة المؤسسة إلى **113 موظفًا إضافيًا** لمواجهة ضغوط العمل وسد العجز البشري.


وهنا يبرز السؤال الذي غاب عن التصريحات الاحتفائية بأعداد المحطات والأجهزة: ما جدوى زيادة عدد وحدات الرصد وشراء أجهزة أكثر تطورًا إذا ظلت حلقات تحليل البيانات والتعامل الفوري معها تعاني هذا النقص الحاد؟.


فالمحطة تستطيع تسجيل الإشارة، والجهاز يستطيع إنتاج البيانات، لكن القيمة الحقيقية لمنظومة الرصد لا تُقاس بعدد الأجهزة المنتشرة على الخريطة وحده، وإنما بقدرة الكوادر المتخصصة على قراءة المعلومات وتحليلها وإصدار نتائج دقيقة وسريعة وقت الأزمات.


والأزمة التي اعترف بها رئيس المعهد لم تكن نظرية؛ إذ جاءت تصريحاته السابقة عقب تأخر الإعلان عن بيانات زلزال 3 أغسطس، وما صاحب ذلك، وفق ما نُشر حينها، من إصدار أكثر من بيان وإجراء تعديلات على المعلومات المنشورة.


 

شراء الأجهزة لا يعالج العجز


وبالتالي، فإن الحديث بعد ذلك بأيام عن «80 محطة» ومحطات إضافية وأحدث الأجهزة يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل عن ترتيب الأولويات داخل المؤسسة: هل يتم بناء منظومة متكاملة، أم أن التوسع في البنية التكنولوجية يسبق توفير العنصر البشري القادر على تشغيلها بكفاءة؟.


كما أن إعلان تخصيص ميزانية سنوية لشراء أحدث الأجهزة ظل بلا أرقام تفصيلية في التصريحات المنشورة؛ فلم يحدد رئيس المعهد قيمة تلك المخصصات، أو حجم ما أُنفق خلال السنوات الأخيرة، أو نسبة ما يوجه إلى تدريب وتأهيل وتعيين الكوادر مقارنة بشراء المعدات.


ويزداد التناقض وضوحًا عندما يجري في الوقت نفسه الحديث عن مشروع تلسكوب ضخم يفترض أن يكون الأكبر في الشرق الأوسط، بينما المؤسسة ذاتها تقول إنها تحتاج إلى أكثر من مئة موظف إضافي للتعامل مع ضغوط مهامها الحالية.


المشكلة إذن ليست في امتلاك مصر تلسكوبًا أكبر أو شبكة أكثر تطورًا، فذلك مطلوب لأي دولة تريد تطوير البحث العلمي، وإنما في خطر تحويل شراء المعدات والمشروعات الضخمة إلى عنوان للإنجاز بينما تبقى البنية البشرية التي تمنح هذه المعدات قيمتها تعاني عجزًا معلنًا.


وإذا كانت شبكة الزلازل تضم حاليًا نحو 80 محطة، فإن الأهم للرأي العام ليس معرفة عدد المحطات فقط، بل معرفة عدد المتخصصين العاملين في تحليل بياناتها على مدار الساعة، وكيف تُوزع الورديات، وما زمن الاستجابة المستهدف عند وقوع هزة مؤثرة.


كما يحق للرأي العام معرفة كيف يمكن لمنظومة بهذا الاتساع أن تعتمد، وفق تصريح رئيس المعهد نفسه، على مهندس متخصص واحد في مجال تحليل بيانات الزلازل، وما إذا كان قد جرى بالفعل اتخاذ خطوات لتغيير هذا الوضع منذ أزمة بداية أغسطس.


وتطرح التصريحات المتلاحقة سؤالًا أكبر حول فلسفة الإنفاق على البحث العلمي: هل الأولوية لشراء التكنولوجيا الأحدث، أم لبناء منظومة متوازنة تجمع بين الأجهزة والباحثين والمهندسين والتدريب والصيانة والتشغيل المستمر؟.


فالدولة التي تمتلك عشرات المحطات لكنها تواجه عجزًا في المتخصصين ليست أمام مشكلة أجهزة فقط، وإنما أمام خلل في إدارة الموارد البشرية والتخطيط العلمي، خصوصًا في قطاع يرتبط بالمعلومات التي يحتاج إليها المواطن وصانع القرار أثناء الأحداث الطارئة.

 

وكان نبوي نفسه قد أكد أن المحطات تساعد الدولة وصانع القرار على اتخاذ القرار المناسب، وهو ما يجعل سرعة تحليل بياناتها ودقتها جزءًا أصيلًا من كفاءة المنظومة، وليس تفصيلًا يمكن تعويضه بمجرد إضافة محطة جديدة.


 

أين خطة سد العجز؟


واللافت أن الاعتراف بالعجز جاء بعد واقعة كشفت عمليًا أثره، بينما التصريحات اللاحقة انتقلت سريعًا إلى الحديث عن الإنجازات والتوسع والمعدات، من دون إعلان واضح عن معالجة السبب الذي قُدم للرأي العام لتفسير تأخر البيانات.


وبين «80 محطة» و«مهندس واحد متخصص في تحليل بيانات الزلازل» تظهر فجوة يصعب تجاهلها: بنية تكنولوجية تتسع، في مقابل قدرة بشرية قال رئيس المؤسسة نفسه إنها تعاني نقصًا شديدًا.


المطلوب لذلك ليس المزيد من لغة الأرقام الكبيرة وحدها، وإنما إجابات محددة: متى سيتم سد العجز؟ كم متخصصًا تحتاج شبكة الزلازل فعليًا؟ وما الخطة الزمنية لتعيين الـ113 موظفًا الذين قال نبوي إن المعهد يحتاج إليهم؟.


وحتى تظهر هذه الإجابات، سيظل الإعلان عن مزيد من المحطات والأجهزة والتلسكوبات ناقصًا؛ لأن قوة المؤسسة العلمية لا تُقاس بحجم ما تشتريه من معدات فقط، بل بقدرتها على تشغيلها وتحليل بياناتها وتحويلها إلى معلومة دقيقة تصل إلى المجتمع في الوقت المناسب.


والتوسع العلمي الحقيقي لا يبدأ بصورة جهاز جديد أو رقم ضخم لعدد المحطات، وإنما من منظومة تستطيع العمل بكفاءة ساعة وقوع الأزمة، وهو الاختبار الذي كشف رئيس المعهد بنفسه أن نقص الكوادر تسبب في إرباكه خلال زلزال أغسطس.