طوى إعلان مظلوم عبدي، حل قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، وفتح أمام دمشق امتحاناً قاسياً لقدرتها على ضبط السلاح والحدود والموارد ومنع إعادة إنتاج سلطة موازية.

 

وجاء الحل بعد اتفاقات متعاقبة واشتباكات واسعة مطلع 2026، وانتهى بدمج آلاف المقاتلين وتسليم مناطق وحقول نفط وغاز ومعابر حدودية، بما أعاد رسم موازين القوة في شمال شرق سوريا بوضوح.

 

توحيد السلاح والقيادة

 

بداية، يمنح الدمج الحكومة قدرة أكبر على فرض سلسلة قيادة واحدة، بعدما ظلت مناطق واسعة خاضعة لترتيبات عسكرية وأمنية مختلفة، وهو ما قد يقلل الاحتكاكات واحتمالات نشوء خطوط تماس جديدة.

 

وفي المقابل، لا يضمن تغيير الرايات وحده ولاء الوحدات الجديدة، لأن بعض المقاتلين احتفظوا بعلاقات تنظيمية وعقائدية سابقة، ما يجعل اختبار الانضباط داخل الجيش أهم من الإعلان الرسمي عن اكتمال الاندماج.

 

ومن جهة أخرى، يرى الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية نوار شعبان أن الاتفاق جاء تحت ضغط التحولات الميدانية وتراجع الغطاء الأميركي، محذراً من بقاء عناصر عابرة للحدود قادرة على تعطيل التنفيذ.

 

لذلك، يتوقف نجاح الدمج على قدرة وزارة الدفاع على توزيع الصلاحيات والقيادات ومنع ألوية تتحرك باستقلال فعلي، لأن الاحتفاظ بهياكل داخلية مغلقة سيجعل الجيش الموحد اسماً يخفي مراكز القوة القديمة.

 

كذلك، قد ينعكس توحيد القيادة على أمن المدن والطرق وحقول الطاقة، إذ تصبح المسؤولية أوضح عند وقوع خروقات، وتتراجع مساحة تبادل الاتهامات بين أجهزة محلية وقوات مركزية عملت بمرجعيات منفصلة.

 

وبالتوازي، يمثل ملف السجون والمخيمات أحد أخطر الاختبارات، لأن أي ارتباك في تسليم الحراسة أو نقل الصلاحيات قد يمنح تنظيم الدولة فرصة لاستغلال الفراغ، مع بقاء عناصر وعائلات مرتبطة به.

 

غير أن توحيد السلاح لا يعني تلقائياً انتهاء العنف، فالمقاتلون الرافضون للدمج أو المتضررون من فقدان النفوذ قد يتحولون إلى خلايا صغيرة، ما يفرض رقابة وتسويات تمنع انتقال التوتر إلى العمل السري.

 

وفي هذا السياق، تبدو دمشق أمام مسؤولية إعادة بناء مؤسسة عسكرية لا تعمل بمنطق الغلبة على المكونات المحلية، لأن دمج مقاتلي قسد بالقوة فقط قد يصنع جيشاً هشاً قابلاً للانقسام عند الأزمات.

 

الحقوق والإدارة المحلية

 

على مستوى الإدارة، يعني انتقال المؤسسات والمعابر والموارد إلى الدولة إنهاء ازدواج السلطة الذي حكم المنطقة سنوات، لكنه يضع السكان أمام مؤسسات دمشق ويجعل الخدمات والتمثيل معياراً عملياً للحكم على جدوى الدمج.

 

وعملياً، لا يكفي أن تنتقل المكاتب والموظفون إلى الهياكل الحكومية، لأن الخلاف الحقيقي يتعلق بطريقة اتخاذ القرار ونسبة تمثيل أبناء المنطقة وقدرتهم على إدارة شؤونهم اليومية دون العودة إلى مركزية خانقة.

 

ومن ناحية أخرى، يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف حسني عبيدي أن انصهار التشكيل العسكري لا يلغي المطالب الكردية، مؤكداً أن الحقوق الثقافية والتمثيل سيبقيان اختباراً ملازماً للمرحلة الجديدة.

 

علاوة على ذلك، فإن الاعتراف باللغة الكردية وضمان التعليم بها واستعادة الجنسية لآلاف الأكراد يخفف جانباً من المظالم القديمة، لكنه يحتاج إلى تنفيذ قانوني دائم لا يبقى معلقاً بقرارات قابلة للتراجع.

 

وفي الوقت نفسه، قد يثير منح قادة سابقين في قسد مناصب عسكرية وأمنية اعتراضات من مكونات عربية أو سريانية تخشى اختلال التوازن المحلي، خصوصاً إذا بدا الدمج إعادة تدوير للنخبة نفسها.

 

وبحسب الوقائع المعلنة، أصبح جزء كبير من الشمال الشرقي تحت إدارة مؤسسات الدولة، إلا أن النجاح الحقيقي سيقاس بقدرة هذه المؤسسات على احترام الخصوصيات المحلية ومنع الانتقام وتقديم خدمات بلا تمييز.

 

ومع ذلك، تبقى ذاكرة الصراع عاملاً ضاغطاً، لأن سنوات التجنيد والاعتقالات والخلافات حول الأرض والموارد لم تختف بقرار حل، ما يفرض مساراً للعدالة والتعويض والمساءلة يمنع انتقال المظالم لجولة جديدة.

 

ومن هنا، يمكن أن يصبح الدمج فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف، لكن فشله في حماية المشاركة المحلية سيعيد إنتاج المشكلة نفسها تحت اسم مختلف ويضاعف الشكوك بين دمشق وسكان الجزيرة.

 

الاقتصاد والحدود الإقليمية

 

اقتصادياً، يضع تسليم حقول النفط والغاز والمعابر جزءاً مهماً من الإيرادات تحت سلطة دمشق، ما يعزز قدرة الحكومة على التمويل، لكنه يفتح سؤالاً حساساً حول حصة المنطقة المنتجة من الموارد والخدمات.

 

اجتماعياً، يرى الباحث السوري عبد الوهاب عاصي أن بطء الاندماج انعكس على الاستقرار الإداري والخدمات، محذراً من أن سياسات الضرائب والدعم وشراء المحاصيل إذا تجاهلت هشاشة اقتصاد المنطقة ستزيد الغضب.

 

وبالنسبة للسكان، لن تكون قيمة الدمج في صور القادة أو تبديل الشعارات، بل في الكهرباء والخبز والوقود وفرص العمل وحرية التنقل، لأن تدهور المعيشة قادر على تحويل أي تسوية فوقية إلى احتقان.

 

ومن ثم، قد يؤدي تحسين الخدمات وتوزيع الموارد بعدالة إلى تثبيت سلطة الدولة أسرع من الانتشار العسكري، بينما سيؤدي ترك المنطقة مهمشة إلى منح خصوم دمشق مادة جاهزة لإحياء خطاب التمييز والإقصاء.

 

أما إقليمياً، فإن إنهاء قوة مسلحة مرتبطة تاريخياً بحزب العمال الكردستاني يخفف أحد مصادر التوتر مع تركيا، لكنه لا يلغي حساسية أنقرة تجاه القيادات السابقة وشكل انتشارها قرب الحدود السورية.

 

أخيراً، قد يسرع الدمج تقليص الحاجة إلى الوجود العسكري الأجنبي في الشرق، لكنه يحمّل دمشق عبء مواجهة تنظيم الدولة وضبط الحدود وحماية السجون، وهي ملفات تتطلب قدرات مؤسساتية لا انتشاراً عسكرياً.

 

وبناء على ذلك، فإن حل قسد يمكن أن يطوي أخطر ازدواج عسكري في سوريا الجديدة، لكنه لن يتحول إلى استقرار دائم ما لم ينجح في توحيد السلاح وضمان الحقوق والخدمات والمحاسبة.