كشف خطاب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في احتفال المولد النبوي محاولة واضحة لاستعادة زمام الرواية الداخلية، عبر الجمع بين الدفاع عن حصيلة الحكم، والتشديد على مكافحة الفساد، والدعوة إلى نقاش واسع حول ما أنفقته الدولة وما أنجزته.

 

وجاء هذا الدفاع بينما يقر السيسي نفسه بوجود أسئلة شعبية حول الديون وجدوى المسار، ويطلب تقريرًا يعرض في أكتوبر، بما يوحي بأن السلطة لم تعد تكتفي بخطاب الإنجاز المعتاد وتريد إعادة شرحه للناس.

 

بالتزامن مع ذلك، وصف السيسي ما يجري في وسائل التواصل وبعض وسائل الإعلام بأنه فوضى في المعرفة والطرح، وطالب المواطنين بتحمل تبعات الإصلاح، بما يكشف أن معركة إقناع الجمهور أصبحت جزءًا معلنًا من أولويات المنقلب.

 

وإلى جانب ذلك، حرص السيسي على القول إن اهتمامه لم يكن حكرًا على المؤسسة العسكرية، بعد حديثه عن متابعته الشخصية لجاهزية الجيش، وهي صياغة تستبق سؤالًا قائمًا حول حدود حضور المؤسسة العسكرية في الحكم والاقتصاد.

 

وعند جمع هذه الرسائل، يظهر خطاب يحاول حماية صورتين معًا: شخص يتابع الجيش لكنه ليس أسيرًا له، ودولة تقول إنها تحارب الفساد رغم أسئلة الشفافية واعتقال كل من يفتح اي موضع عن الفساد، وحكم يطلب الثقة بينما السجون ملئة بالاف المعتقلين .

 

 

انفتاح تحت السيطرة

 

في هذا السياق، يتضح أن السيسي يخشى حدثًا وشيكًا بعينه، فالخطاب يحمل مؤشرات قلق من تآكل الثقة واتساع الفجوة بين الرواية الرسمية والتجربة اليومية للمواطنين.

 

وبدوره، يرى محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن مصر تحتاج حياة عامة أكثر فاعلية وحوارًا يعاد طرحه بصورة مختلفة، كما وصف الأحزاب بأنها تعاني ضعفًا رغم وجود قنوات استماع مع الدولة.

 

ومع ذلك، فإن دعوة السيسي للمثقفين والمتخصصين لا تعني بذاتها فتح المجال العام، لأن الاختبار الحقيقي ليس عدد أيام المؤتمر، بل قدرة المشاركين على مناقشة الديون والأولويات والفساد ودور المؤسسات من دون سقف مسبق.

 

لذلك، يمكن قراءة الانفتاح المعلن باعتباره محاولة لاحتواء النقد داخل إطار تديره الدولة، لا انتقالًا تلقائيًا إلى مشاركة مستقلة، خاصة أن الخطاب نفسه يضع جزءًا من الانتقادات تحت عنوان إرباك الوعي أو الفوضى المعرفية.

 

ومن ثم، تصبح الدعوة إلى الحوار مزدوجة الوظيفة، فهي تمنح النظام صورة المستمع، وتتيح له إعادة تقديم الأزمات باعتبارها نتائج تحديات تاريخية وخارجية، بينما يظل تحديد جدول النقاش ومنابره وأرقامه بيد سلطة لا تسمح لأحد بمناقشته.

 

على الجانب الآخر، عبارة السيسي بأنه لا موضع لفاسد لا تمثل نفيًا قضائيًا أو محاسبيًا لاتهامات محددة، ولم يصاحبها إعلان بيانات تفصيلية عن أصول المسؤولين أو صفقات الدولة أو آليات رقابة مستقلة يمكن اختبارها.

 

 

الجيش داخل المعادلة

 

كذلك، فإن قوة العبارة تكمن في وظيفتها الرمزية أكثر من مضمونها التنفيذي، فهي ترسل إلى الجمهور رسالة نزاهة وحزم، لكنها تترك السؤال الأصعب بلا إجابة: من يراقب دوائر السلطة نفسها، وكيف تفحص القرارات الكبرى مستقلًا.

 

فضلاً عن ذلك، يلفت الباحث يزيد صايغ إلى أن القوات المسلحة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صنع القرار الاقتصادي المتمحور حول السيسي، وأن نموذج المشروعات التي تديرها مؤسسات عسكرية يعمق الاعتماد على الاقتراض الخارجي.

 

أما هذا التوصيف، فيجعل نفي حصر اهتمام السيسي في الجيش أكثر دلالة، لأن المسألة لا تتعلق بخلفيته العسكرية وحدها، بل ببنية حكم توسعت فيها أدوار الأجهزة السيادية داخل الاستثمار وإدارة الأراضي والمشروعات والأصول.

 

بالتوازي، يقول صايغ إن السيسي والمؤسسة العسكرية يشكلان بصورة حاسمة البيئة التي يعمل داخلها الاقتصاد، وإن بعض تكاليف ومنافع المشروعات العسكرية لا يمكن التحقق منها مستقلًا بسبب حجب البيانات المتعلقة بأنشطتها المدنية.

 

ويزداد معنى ذلك حين يعد السيسي بتقرير عن الأموال المنفقة والنتائج المحققة، لأن قيمة التقرير لن تقاس بحجم الأرقام المنشورة، بل بقدرته على كشف تفاصيل التكلفة والعائد والديون والجهات المنفذة ومقارنتها ببدائل الإنفاق.

 

 

الاقتصاد يضغط على الرواية

 

ومن ناحية أخرى، يواجه خطاب الإنجازات اختبارًا معيشيًا مباشرًا، إذ بلغ التضخم الحضري السنوي 14.9 في المئة خلال يوليو 2026، وهو مستوى يجعل المواطن يقارن الحديث عن التوازن بما يدفعه فعليًا مقابل الغذاء والسكن والخدمات.

 

غير أن صندوق النقد الدولي قال في يوليو إن تقليص دور الدولة وفتح مساحة أوسع للقطاع الخاص تقدما بوتيرة أبطأ من المتوقع، مع توقع ارتفاع التضخم في النصف الثاني من 2026 بفعل الطاقة وسعر الصرف.

 

بناء على ذلك، لا يبدو غريبًا أن يطلب السيسي من المواطنين تقييم المسار على أساس خمسين عامًا من الدعم والمشكلات المتراكمة، فهذه المقارنة توسع الإطار الزمني وتوزع مسؤولية الأزمة على عقود سابقة بدل حصرها في حكمه.

 

علاوة على ذلك، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي عمرو عادلي أن تمويل مشروعات كبرى بديون خارجية يثير مشكلة حين تعتمد على مكونات مستوردة ولا تولد بالضرورة إيرادات دولارية تكفي لخدمة تلك الديون، حتى إن كانت مفيدة.

 

في المقابل، يكتسب طلب السيسي مقارنة المديونية بحجم الدعم خلال خمسين عامًا معنى دفاعيًا، لأنه يحول سؤال الدين من محاسبة على قرارات الاقتراض والإنفاق إلى مقارنة تاريخية أوسع بين ما تحملته الدولة وما قدمته للمواطنين.

 

وبصورة أوسع، فإن اجتماع الحديث عن الجيش والفساد والديون والأسعار والإعلام في خطاب واحد يشير إلى خوف من سقوط قريب، وأن رواية الإنجاز لم تعد تعمل وحدها بالفاعلية السابقة فلم يعد يصدقها الشعب.

 

أمام ذلك، يبدو القلق الأوضح هو خسارة القدرة على تعريف المشكلة قبل خسارة السيطرة عليها، لأن السلطة حين تضطر إلى شرح روايتها وتحديد مؤتمر وتقرير ومواعيد، فهي تعترف ضمنيًا بأن الرواية المنافسة أصبحت أكثر حضورًا.

 

وعليه، فإن السؤال ليس هل يخشى السيسي شيئًا محددًا، بل ماذا تكشف أولويات خطابه، وهي تكشف خشية من تآكل الثقة، ومن أن تتحول أزمات المعيشة والديون والشفافية إلى معيار أقوى للانتفاضة ضد حكمه وفشل رواية المشروعات والإنجازات الوهمية التي يصدرها للشعب.