صعّدت حكومة الاحتلال الإسرائيلي قبضتها على الضفة الغربية المحتلة، بدفع الجيش إلى 26 كتيبة منتشرة في المنطقة، بالتزامن مع مصادرة أراضٍ واقتحامات واعتقالات، بما يوسّع الضغط اليومي على الفلسطينيين ويجعل التصعيد أكثر انتظاما واتساعا .
ويأتي هذا الحشد بينما تتعرض مدن وبلدات فلسطينية لاقتحامات متزامنة من جنين إلى الخليل ونابلس ورام الله، مع إطلاق نار واعتقالات ومداهمات، في مشهد يعكس انتقال العمليات من حملات موضعية إلى انتشار عسكري كثيف طويل النفس.
وفي الميدان، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مصادرة أراضٍ في مدينة البيرة لإقامة منطقة عازلة حول مستوطنة بساجوت، وهو إجراء يضيف قيدا جديدا على التوسع العمراني الفلسطيني ويمنح المستوطنات مجالا أمنيا أوسع على حساب السكان .
وبالتوازي، أصيبت امرأة فلسطينية وطفلتها خلال اقتحام بلدة الكرمل قرب يطا، فيما تواصلت المداهمات في السيلة الحارثية وكفيرت ومادما وزيتا جماعين وطمون وحزما، بما يوسع دائرة الاحتكاك ويزيد احتمالات سقوط مزيد من الضحايا.
أما المستوطنون، فواصلوا اعتداءاتهم في مناطق متفرقة، ومنها وضع بوابة حديدية على مدخل منزل فلسطيني في أم صفا، في نموذج يوضح كيف تتداخل إجراءات الجيش مع ضغوط المستوطنين لتقييد الحركة ودفع السكان نحو مزيد من العزلة.
الضفة تحت الحشد
وبحسب أستاذ العلاقات الدولية يوسي ميكيلبرغ، فإن الضفة وصلت إلى درجة الغليان بعد سنوات من تدهور الأوضاع، ويربط ذلك بالاحتلال المستمر وتوسع المستوطنات وحرمان الفلسطينيين من الحقوق المدنية والإنسانية، ما يجعل الانفجار أكثر احتمالا .
ويشير ميكيلبرغ إلى أن تصاعد عنف المستوطنين ليس حادثا عابرا أو منفصلا، بل يرتبط بنفوذ ممثلي الحركة الاستيطانية داخل الحكومة، وبقدرتهم على التأثير في المؤسسات التي تتحكم مباشرة في حياة الفلسطينيين وأراضيهم وحركتهم اليومية .
ومن جهته، حمّل ميكيلبرغ حكومة نتنياهو المسؤولية النهائية عن تفاقم اعتداءات المستوطنين، معتبرا أن عجزها عن وقفها لا يضر الفلسطينيين وحدهم، بل يفاقم عزلة إسرائيل ويقوض صورتها ويحول العنف إلى أداة أمر واقع .
كذلك، يكتسب رفع عدد الكتائب إلى 26 دلالة تتجاوز زيادة القوة المنتشرة، لأنه يوفر مظلة أوسع لحملات الاقتحام وحماية طرق المستوطنات، بينما تتسع في الوقت نفسه عمليات المصادرة والإغلاق والانتشار حول القرى والمدن الفلسطينية .
وفي هذا السياق، تباهى بنيامين نتنياهو بإقامة وتقنين 104 تجمعات استيطانية و160 مزرعة استيطانية، مؤكدا أن المزيد قادم، وهو خطاب يضع التوسع في صلب برنامج حكومته ويحوّل السيطرة على الأرض إلى إنجاز معلن لا إجراء مؤقت .
وفي المقابل، لا تقتصر السيطرة على بناء المساكن، إذ تشمل الطرق والمناطق العازلة والبؤر الزراعية وإعادة تصنيف الأراضي، وهي أدوات تعيد رسم الجغرافيا تدريجيا وتقلص المساحة المتاحة للتجمعات الفلسطينية من دون إعلان ضم رسمي شامل.
وعلى الأرض، يظل مشروع إيه 1 أخطر حلقات هذا المسار، بعدما طرحت إسرائيل عطاء لبناء 1234 وحدة استيطانية شرق القدس، في ممر يربط شمال الضفة بجنوبها ويؤثر مباشرة في تواصل الأراضي الفلسطينية حول القدس .
وإلى جانب ذلك، يحذر معارضو المشروع من أن ربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم عبر شبكة سكن وطرق وبنية تحتية سيعمق عزل القدس الشرقية عن محيطها، ويجعل قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيا أكثر صعوبة بمرور الوقت .
الاستيطان يقطع الجغرافيا
وترى الباحثة زيزيت داركازالي، الزميلة في تشاتام هاوس، أن الحكومة الإسرائيلية سرعت ضما فعليا للضفة عبر المستوطنات ونقل صلاحيات مدنية وتسجيل الأراضي، محذرة من أن تثبيت هذه الوقائع سيجعل معالجة جذور الصراع أشد تعقيدا .
ووفق داركازالي، فإن الإجراءات الإسرائيلية لا تغيّر حدود السيطرة فقط، بل تضعف السلطة الفلسطينية وتزيد احتمالات الإزاحة ونزع الملكية، وتدفع المشهد نحو واقع يمنح المستوطنات صلات مباشرة بالدولة بينما يحرم الفلسطينيين حقوقا أساسية مماثلة .
ومن ناحية أخرى، تلفت داركازالي إلى أن مشروع إيه 1 يطوق القدس ويفصل أجزاء الضفة ويضرب قابلية أي تسوية مستقبلية للحياة، معتبرة أن ترك الوقائع تتراكم سيحول الضم من مسار تدريجي إلى واقع يصعب الرجوع عنه .
وعلاوة على ذلك، طالبت الباحثة الدول الأوروبية باستخدام علاقاتها التجارية والاقتصادية والعسكرية للضغط على إسرائيل، بما في ذلك استبعاد المستوطنات من الاتفاقات الثنائية وتشديد العقوبات على الجهات المرتبطة بعنف المستوطنين ومشروعات الضم .
كما أن البيان المشترك الصادر عن دول أوروبية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وصف عطاء إيه 1 بأنه غير مقبول، وحذر من أنه يقسم الضفة ويضر تواصل الأراضي الفلسطينية، ودعا إسرائيل إلى سحب المشروع ووقف التوسع الاستيطاني .
وفي السياق نفسه، انتقلت المواجهة إلى مركز التنسيق في كريات غات، حيث تدرس إسرائيل إبعاد ممثلين بريطانيين وربما ألمان وإيطاليين، بعدما سبق أن أخرجت ممثلين إسبان وهولنديين إثر خلافات مرتبطة بالمستوطنات وانتقاد السياسات الإسرائيلية .
أوروبا أمام اختبار الرد
ويقدّر هيو لوفات، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن أوروبا تملك أدوات اقتصادية ومالية كافية لفرض كلفة على التوسع الاستيطاني، لكنه يرى أن بطء استخدامها يسمح لإسرائيل بتغيير الوقائع أسرع من سرعة الرد الأوروبي .
وبناء على ذلك، يعتبر لوفات أن الاكتفاء بإجراءات تطال أفرادا وكيانات محدودة يتجاهل الطبيعة المنهجية للمشكلة، بينما تبقى أمام الحكومات الأوروبية خيارات أوسع في التجارة والتمويل والعلاقات الثنائية يمكن أن تمس البنية الداعمة للاستيطان .
ومن ثم، تبدو خطوة طرد ممثلين أوروبيين من مركز كريات غات محاولة لتحويل التعاون الدولي حول غزة إلى ورقة ضغط على الحكومات المنتقدة، بما يربط المشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب بدرجة قبول هذه الحكومات للسلوك الإسرائيلي .
غير أن هذا النهج يحمل مخاطرة معاكسة، لأن إقصاء دول تشارك في مراقبة وقف إطلاق النار قد يضعف الثقة بالمركز نفسه، ويعطي انطباعا بأن إسرائيل تريد شراكة دولية مشروطة بالصمت عن ممارساتها في الضفة الغربية.
وفي المحصلة، يتزامن تكثيف الكتائب والمصادرة والاستيطان مع خطاب رسمي يعلن أن المزيد قادم، ما يجعل الوقائع الحالية جزءا من مشروع ممتد لإعادة تشكيل الضفة، لا مجرد رد أمني على حوادث منفصلة أو ظرف طارئ.
وأخيرا، تكشف التطورات أن المعركة على الضفة تجري عبر ثلاثة مسارات متوازية، جيش أكثر كثافة على الأرض، واستيطان يلتهم المساحات الحيوية، وضغط على العواصم المنتقدة، فيما يدفع الفلسطينيون الكلفة المباشرة من الأرض والحركة والأمن اليومي.

