أنهت حكومة مصطفى مدبولي ثماني سنوات في إدارة الاقتصاد المصري، شهدت إنفاق مليارات الجنيهات على مشروعات قومية ضخمة، بينما تضخمت فوائد الدين وتراجعت القوة الشرائية، لتبقى حصيلة المواطن غلاءً متواصلًا وخدماتٍ عامة لا توازي حجم الإنفاق المعلن.
ولا تبدو الأزمة في طريق جديد أو مدينة جديدة بذاتها، بل في أولوية الإنفاق حين تُوجَّه الموارد المحدودة إلى مشروعات لا تتوافر حولها دراسات جدوى منشورة أو رقابة مستقلة، بينما يطارد المرضى نقص العلاج وتواجه الأسر فاتورة معيشة لا تتوقف عن الصعود.
مليارات بلا عائد واضح
توسعت حكومة مدبولي منذ 2018 في تنفيذ مشروعات طرق وكباري ومدن جديدة ومقار حكومية، تحت شعار التنمية والبنية التحتية، لكن غياب نشر كلفة كل مشروع وعائده وفرص العمل الناتجة عنه جعل تقييم الجدوى بعيدًا عن حق المواطنين في المعرفة.
ولا يكفي افتتاح مشروع أو إطلاق اسم قومي عليه لإثبات نجاحه؛ فالجدوى تُقاس بقدرته على الإنتاج والتصدير وتوليد وظائف مستقرة وتحسين الخدمات، لا بحجم الخرسانة أو عدد الصور الرسمية أو قيمة القروض التي موّلت تنفيذه.
يرى محمد الشريف أن نمو العقد الأخير اعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي والاقتراض، لا على استثمارات خاصة منتجة، وأن النتيجة كانت تضخمًا وتراجعًا في القدرة الشرائية بدل انتقال المواطن إلى مستوى معيشي أفضل.
10 سنوات من المعاناه الحقيقية مع برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وطموحات ووعود بانطلاق الإقتصاد إلي ٱفاق جديدة وهتشوفوا مصر في حتة ثانية واحنا بنبني دولة، لم تترجم في الواقع الفعلي، فلم يستطع الاقتصاد المصري في مجمل هذا العقد الأخير حتي مجرد استعادة مستويات النمو…
— Mohamed ElSherif (@MhdElsherif) August 23, 2026
ويستند هذا النقد إلى فجوة واضحة بين النمو الكلي وحال الأسر؛ فارتفاع الناتج المحلي لا يعني تلقائيًا ارتفاع دخل العامل، خصوصًا عندما تلتهم الأسعار زيادات الأجور، ويظل الاستثمار مركزًا في قطاعات لا تستوعب عمالة واسعة أو تدعم الإنتاج الصناعي.
ويؤكد الدكتور عمرو عدلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في أبحاثه أن مشكلة الاقتصاد المصري ليست غياب رأس المال فقط، بل قواعد السوق التي تحدد من يحصل على التمويل والأرض والعقود ومن يُستبعد منها.
وتكشف تلك القواعد سبب عجز شعارات «تمكين القطاع الخاص» عن التحول إلى واقع؛ فالمستثمر لا يحتاج خطابًا رسميًا جديدًا بقدر حاجته إلى منافسة متكافئة، وقضاء اقتصادي فعّال، وسياسة ضريبية مستقرة، وشفافية في إدارة الأصول العامة.
وتتكرر اتهامات الفساد وإهدار المال العام كلما غابت البيانات التفصيلية عن الكلفة والعائد والتعاقدات، ولا يمكن الجزم بواقعة فساد محددة دون تحقيق أو حكم، لكن حجب المعلومات يخلق بيئة مثالية للشك ويعطل أي محاسبة شعبية جادة.
كما أن توجيه الإنفاق إلى مشروعات طويلة الأجل لا يصبح خطأ في ذاته، لكنه يصبح عبئًا حين يتم بالاستدانة المكلفة، أو حين يتقدم على تمويل التعليم والصحة والنقل الجماعي والإسكان الميسر، وهي خدمات تمس حياة الأغلبية مباشرة.
وبعد ثماني سنوات، لا تزال الحكومة مطالبة بإجابة معلنة: كم مشروعًا حقق عائده الموعود؟ وكم فرصة عمل دائمة خلق؟ وما كلفة المشاريع المتعثرة أو المؤجلة؟ فالمليارات العامة ليست ملكًا للسلطة التنفيذية وحدها بل حق للمجتمع.
فوائد الدين تبتلع الموازنة
تفاقمت كلفة خدمة الدين في الموازنة العامة مع التوسع في الاقتراض الداخلي والخارجي، لتصبح الفوائد بندًا يزاحم الأجور والدعم والاستثمارات الاجتماعية، ويجعل الدولة أكثر انشغالًا بسداد القديم من تمويل احتياجات الحاضر.
وكشف تحليل للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لموازنة 2026-2027 أن مدفوعات فوائد الدين تجاوزت مجتمعة مخصصات التعليم والصحة والأجور والدعم، وهي مفارقة تلخص كيف يضيق الهامش المالي أمام أي وعود بتحسين الخدمات.
ويربط هاني جنينة، رئيس البحوث في «الأهلي فاروس»، استمرار الضغط على الحسابات الخارجية بارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، ما يكشف هشاشة نموذج لا يزال يحتاج تدفقات تمويلية ونقدًا أجنبيًا مستمرين لتغطية التزامات قائمة.
ولم تحل قفزة النمو إلى نحو 4.4% في 2024-2025 المشكلة الأساسية؛ فالتحسن الكلي جاء بعد تباطؤ حاد، بينما تبقى نسبة النمو أقل من المطلوب لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل أو تعويض ما فقدته الأجور من قيمتها.
ويعتبر محمد الماجد أن أي تعديل وزاري مرتقب لن يكون سوى محاولة لامتصاص الغضب إن لم يتبعه تغيير لمنهج إدارة الدولة العميقة وسياساتها، منتقدًا الاكتفاء بتدوير الأشخاص من دون مراجعة للقرارات التي صنعت الأزمة.
حضرتك سيد العارفين على ما اظن ان الدوله العميقه التي تحكم بالتعليمات والتوجيهات للحكومه يوم بيوم ،فإذا كان هناك تغير وزاري فهذا من باب امتصاص الغضب المكتوم وخداع للبسطاء بعد عدم الرضا العام للاحوال المعيشيه المتدهوره وليس تغير سياسات، مصر محتاجه منهج إصلاحي للدوله العميقه.
— Mohamed Abd_El_Mageed (@Mohamed80513584) August 8, 2026
وأدت تخفيضات الجنيه المتتالية إلى زيادة كلفة الواردات وأعباء المعيشة، فيما حملت برامج صندوق النقد المواطنين الجزء الأسرع من التكيف عبر رفع الأسعار وتحرير سعر الصرف، بينما تأخرت إصلاحات تقليص هيمنة الدولة وتكافؤ المنافسة.
وتتحدث الحكومة عن خفض الاستثمار العام وإفساح مساحة أوسع للقطاع الخاص، لكن التعهد لا يكتسب معنى إلا إذا انعكس في الموازنة والقرارات الفعلية، وتراجع الاقتراض، وزيادة الاستثمار الصناعي والزراعي والخدمي المنتج.
لذلك فإن أزمة الدين ليست حسابًا ماليًا معزولًا؛ إنها قرار يومي يؤثر في مدرسة لا تُرمم ومستشفى يفتقر للمستلزمات وموظف لا تكفيه أجرته، بينما تتحول الموازنة إلى ساحة لتمويل الفوائد قبل تمويل الحقوق الأساسية.
تعديل وزاري بلا إصلاح
يرى الكاتب عمار علي حسن أن الحديث عن تغيير وزاري يفقد جدواه ما لم يمارس الوزراء ورئيس الحكومة صلاحياتهم الدستورية كاملة، منتقدًا تحول الوزير في نظر الجمهور إلى موظف إداري كبير لا صانع سياسة أو متخذ قرار نافذ.
في ظل حديث يتزايد عن تغيير وزاري، لابد من وجود وزارة حقيقية، وليس مجرد ظل إداري وسياسي باهت، وهذا لن يتحقق إلا بممارسة الوزراء ورئيسهم الصلاحيات كاملة التي أقرها الدستور.
— عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) August 8, 2026
لقد صار كثير من المصريين يسمعون عن أسماء بعض الوزراء وقت رحيلهم، فما أُخذ من صلاحيات الوزير أمر يدركه الكل،…
ويفرق الدكتور عمرو الشوبكي، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بين تعديل يغير السياسات وتعديل يبدل الوجوه لتنفيذ السياسة ذاتها؛ وهي قاعدة تجعل المحاسبة مرتبطة بالبرنامج والسلطة لا بالأسماء وحدها.
ويرى محمد سليم أن تغيير رئيس الوزراء أو وزراء بعينهم لا يعالج مركز الأزمة، مطالبًا بمراجعة أعمق لبنية القرار بدل التعامل مع الحكومة باعتبارها ذيلًا يمكن استبداله دون الاقتراب من أصل السياسات.
ْ
— Mohamed Sleem (@M_Sleem_Mmi) August 8, 2026
تغيير وزاري أو مدبولي أيه بس !!؟ المشكلة في رأس الأفعى وليس ذيلها
لا تقطعنَّ ذنبَ الأفعى وتُرسلَها
إن كنتَ شهماً فأتبِعْ رأسَها الذَّنَبا
ْ
ويعتبر أحمد حسونة أن الحكومة تعمل في نطاق توجيهات مركزية تقلص أثر أي تغيير وزاري، ويربط الإصلاح الحقيقي بتحول أوسع في طريقة إدارة الدولة والاقتصاد لا بتبديل أعضاء الجهاز التنفيذي فقط.
طول ما فيها بلحة لا تنتظروا خيرا ابدا
— ahmadhassona (@ahmadhassona51) August 8, 2026
دا مهوس بنفسه
شايف نفسه ابو العريف اللي مافيش زيه
هو فيه حد بيعمل حاجه الا بعد الرجوع إليه
فالحكومة ماهي الا سكرتارية عنده
فالافضل بدلا من أن ننادي بتغير الحكومة وان تكون حكومة مسئولة نطالب بتغير بلحة فهو لب المشكلة وتغييره حل لكل المشكلات.
ويذهب حساب «تويتي سكوب» إلى أن تغيير الوزراء لن يكون ذا معنى ما دامت السلطة السياسية والاقتصادية مركزة في أعلى الهرم، داعيًا إلى إنهاء ما يصفه بسياسة تدوير الوجوه وتقديم تغيير حقيقي.
التغير يبدأ من رحيل رأس الهرم ذلك القابض على مقعد رئاسة الجمهورية بالحديد والنار هو وحاشيته...المصيف في العلمين والشتاء في عاصمة مملكته الجديدة.
— TwittyScope (@twittyscope) August 8, 2026
كفي لف ودوران ... كفى جبن ورياء
بغير ذلك مفيش فايدة!
ويرفض حساب «قاهر» الرهان على تعديل وزاري، معتبرًا أن الأزمة تتصل برأس السلطة وبالحاجة إلى تغيير جذري في النهج الحاكم، لا بمعالجة شكلية لأعراض الغضب المعيشي المتصاعد.
مفيش حاجه هتتغير طالما المقاول السيسي في الحكم بلد عايزه تغيير جزري واولهم السيسي
— قاهر (@qahr62282413) August 8, 2026
ويستخدم حساب «أرطغرل» تشبيهًا طبيًا حادًا للتعبير عن رفض الحلول الجزئية، مطالبًا بتغيير شامل بدل إصلاحات محدودة، وهو خطاب يعكس اتساع اليأس الشعبي لكنه لا يقدم خريطة مؤسسية واضحة لما بعد التغيير.
لازم استئصال الورم ووماحوله من انسجة لكى لا يمنتشر هذه قاعدة طبية ..الورم الخبيث الذى لم ينتشر اما إذ انتشر فيستاصل ويعالج كيميائيا وبالاشعة وبما ان الورم فى مصر انتشر فلابد من استئصال الاصل ثم معاجة توابعه بما يلزم غير هذا لن يفيد مصر مقبلة على كارثة ستصيب المحسن قبل المسئ
— ارطغرل (@pvQOt9wD2tN3RI6) August 8, 2026
ويخلص أحمد حامد إلى أن المشكلة ليست في الوزارة أو رئيسها، بل في بنية القيادة التي تصنع السياسات، معتبرًا أن السنوات الماضية أثبتت أن تبديل المناصب لا يغير النتائج إذا بقيت أدوات القرار والمحاسبة على حالها.
المشكلة ليست في الوزارة ولا رئيسها المشكلة في الرأس اللي فوق لو صلحت لصلح الباقي ولكنها فاسدة مفسدة لن يرتجي منها أي خير والسنوات السابقة شاهد علي ذلك
— AHMED HAMADA (@AHMEDMOHAM65401) August 9, 2026

