أصدرت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض قرارًا بنزع ملكية 37 قطعة أرض وعقارًا في الجيزة لصالح محور يربط محور 26 يوليو بطريق المنشية، في خطوة تفتح باب انتقال الملكيات للدولة مقابل تعويضات إجمالية معلنة بنحو 540 مليون جنيه.
ولا تقف القضية عند شق طريق بطول خمسة كيلومترات، بل عند مصير أسر وملاك قد تتحول عقاراتهم وأراضيهم من مصدر سكن أو رزق إلى ملفات إدارية، بينما تظل عدالة التقييم وسرعة الصرف هي الاختبار الحقيقي لعبارة «المنفعة العامة».
قرار جديد في الجيزة
يشمل القرار قطعًا موزعة بين ناهيا وصفط اللبن ومركز أوسيم، وهي مناطق مكتظة وقريبة من كتلة عمرانية متداخلة، بما يجعل أثر المشروع ممتدًا إلى السكان والأنشطة الصغيرة المحيطة، لا إلى حدود الأرض المنزوعة وحدها.
وتقول المذكرة الإيضاحية إن القرار جاء بعد عدم تقدم أصحاب الشأن بمستندات ملكية مسجلة ومشهرة للإدارة المختصة، تمهيدًا للتوقيع على نماذج نقل الملكية إلى الدولة وفق الإجراءات المنصوص عليها قانونًا.
لكن وصف عدم تقديم مستندات مسجلة بأنه «امتناع» يحتاج إلى تدقيق؛ إذ إن تعقيد التسجيل العقاري وانتشار الحيازة بعقود عرفية أو سلاسل ملكية غير مكتملة قد يحولان دون إتمام الإجراءات، دون أن يعني ذلك بالضرورة رفضًا متعمدًا من الملاك.
وكان محافظ الجيزة قد خاطب وزارة التنمية المحلية في السادس من يوليو الماضي طالبًا تسريع قرار النزع، قبل انتهاء المهلة المرتبطة بقرار رئيس الوزراء رقم 3121 لسنة 2023، الذي قرر المنفعة العامة للمشروع.
وتنص القواعد المنظمة لنزع الملكية على سقوط أثر قرار المنفعة العامة للعقارات التي لا تودع نماذج التنازل أو قرار نزع ملكيتها في الشهر العقاري خلال ثلاث سنوات من نشر القرار، وهو ما يفسر استعجال استكمال الإجراءات قبل انقضاء المهلة.
غير أن ضغط المواعيد الإدارية لا ينبغي أن يتحول إلى ضغط على أصحاب الحقوق، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأملاك قد تكون موطنًا للأسرة أو أصلًا اقتصاديًا وحيدًا، في مواجهة جهاز إداري يملك المعلومات والقدرة القانونية والموارد.
ويؤكد الباحث في سياسات الإسكان يحيى شوكت، المدير المشارك لاستوديو «10 طوبة» وباحث سياسات الملكية، أن قوة قرار المنفعة العامة يجب أن تقترن بإثبات عدم وجود بدائل ممكنة أقل ضررًا بالأملاك والسكان.
ويطرح هذا الرأي سؤالًا ضروريًا أمام مشروع المحور الجديد: هل عرضت الجهة المنفذة بدائل للمسار أو مقارنة معلنة بين كلفتها الاجتماعية وكلفة النزع؟ فغياب هذه البيانات يترك المواطن أمام قرار مكتمل إداريًا، ناقص الشفافية مجتمعيًا.
التعويض بين النص والواقع
أعلنت وزارة التنمية المحلية أن الهيئة العامة للمساحة أعدت تقريرًا استشاريًا قدر التعويضات المستحقة بنحو 540 مليون جنيه، على أن تُودع القيمة وتُصرف للمستحقين بعد شهر القرار بطريق الإيداع في مكتب الشهر العقاري المختص.
ويبدو الرقم كبيرًا في صورته الإجمالية، لكنه لا يكشف وحده عن مدى الإنصاف؛ إذ لا يوضح القرار المعلن متوسط التعويض لكل قطعة، ولا معيار تقييم الأراضي والمباني، ولا الفارق بين القيمة المقدرة وسعر السوق وقت صرف التعويض.
ويحمي الدستور الملكية الخاصة، ويشترط نزعها للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل يدفع مقدمًا وفق القانون، وهي ضمانة لا تكتمل بمجرد رصد مبلغ مالي، بل تتطلب وصوله إلى المستحق في الوقت الذي يستطيع فيه شراء بديل مناسب.
فالتضخم وتراجع قيمة الجنيه يحولان تأخير التعويض من إجراء مالي إلى خسارة فعلية؛ فالمبلغ الذي يكفي لشراء أرض أو مسكن اليوم قد يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته الشرائية بعد شهور من الانتظار بين التقدير والصرف والتقاضي.
وتشير الباحثة نادين عبد الرازق، المشاركة مع يحيى شوكت في ورقة سياسات منشورة في يونيو 2026 عن قانون نزع الملكية، إلى أن التعويض القانوني يركز على العقار نفسه ولا يستوعب بالقدر الكافي خسائر الانتقال وتعطل الدخل ومصروفات التقاضي.
وهذا القصور يمس بصورة خاصة أصحاب الورش والمحلات والأنشطة المنزلية، لأن العقار بالنسبة إليهم ليس جدرانًا وأمتارًا فقط، بل موقع عمل وزبائن وعلاقات تجارية يصعب نقلها بمجرد تسلم مبلغ مالي.
كما أن ربط التعويض بالملكية المسجلة قد يضع أصحاب الحيازة غير المسجلة في موقع أضعف، رغم شيوع هذه الأوضاع في مناطق كثيرة، فيتحول نقص التوثيق الذي لم تعالجه الدولة تاريخيًا إلى سبب جديد لتقييد الحقوق عند النزع.
لذلك لا يكفي إعلان إجمالي التعويضات، بل يلزم نشر أسس التقييم، وجدول الصرف، وآلية التظلم، وحالات التعويض عن فقد الدخل أو الانتقال، حتى لا يبقى المالك مطالبًا بإثبات حقه بينما تملك الجهة النازعة كل مفاتيح الإجراء.
موجة واسعة وشفافية غائبة
لا يأتي قرار الجيزة منعزلًا؛ فقد رصد تقرير «ديوان العمران» لعام 2025 صدور 56 قرارًا لنزع الملكية شملت نحو 2.5 مليون متر مربع، وأثرت بصورة مباشرة على نحو 2469 مواطنًا في محافظات متعددة.
واستحوذت مشروعات الطرق والكباري على أكثر من نصف المساحات المنزوعة بحسب التقرير، بما يعكس أولوية متصاعدة للبنية المرورية، لكن توسع الطرق لا يعفي الدولة من تقديم دليل علني على ضرورتها مقارنة بكلفتها على السكان.
وتصدرت الإسكندرية المحافظات المتأثرة بمساحة قاربت 578 ألف متر مربع، تلتها القاهرة ثم الدقهلية والقليوبية والجيزة، في دلالة على أن نزع الملكية بات أداة حاضرة في إعادة تشكيل المدن لا استثناءً محدودًا.
وقال إبراهيم عز الدين، مدير السياسات في «ديوان العمران»، إن المشكلة ليست في مبدأ المنفعة العامة ذاته، بل في اتساع تعريفه وغياب معايير موضوعية تقيس الضرورة والتناسب بين المشروع وحجم الضرر الواقع على المواطنين.
ويزداد هذا القلق مع محدودية البيانات المنشورة؛ فبعض قرارات النزع تعلن أسماء العقارات أو الملاك وقيمة إجمالية، من دون كشف خرائط تفصيلية للمسار أو بدائل التنفيذ أو تقدير مستقل للأثر الاجتماعي والاقتصادي.
وفي الإسكندرية، أظهرت أزمة طوسون كيف يمكن أن يتحول الطريق إلى تهديد لاستقرار مجتمع كامل، بعدما شملت قرارات النزع مئات المنازل والمنشآت الدينية، وأثارت اعتراضات السكان ومخاوفهم من فقد المسكن والشبكات الاجتماعية.
أما في الجيزة، فإن نشر خريطة تفصيلية للمحور، وقوائم تعويضات قابلة للمراجعة، ومواعيد صرف محددة، ومكاتب قانونية لمساعدة أصحاب العقود غير المسجلة، سيكون اختبارًا عمليًا لمدى جدية الدولة في حماية المتضررين.
فالمشروع العام لا يفقد مشروعيته لمجرد وجود اعتراضات، لكنه يفقد جزءًا من عدالته حين تُعامل الملكية الخاصة كعقبة ورقية، لا كحق دستوري يحمل وراءه سكنًا وذكريات ومدخرات وفرص عمل لأسر كاملة.
والنتيجة التي يجب أن تحكم هذا الملف ليست سرعة نقل الملكية إلى الدولة فقط، بل ضمان ألا يخرج المالك من المشروع أكثر فقرًا أو أقل قدرة على السكن والعمل، تحت لافتة منفعة عامة لم يشارك في تعريفها أو تقييم آثارها.

