طالب 102 دبلوماسي فرنسي وبريطاني سابق فرنسا والمملكة المتحدة بالتحرك المشترك لضمان احترام القانون الدولي في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد تصاعد الإبادة في غزة والاستيطان بالضفة، بما يضع اعترافهما بفلسطين أمام اختبار عملي.

 

تكشف الدعوة أن الاعتراف بدولة فلسطين عام 2025 ظل خطوة ناقصة ما لم يتحول إلى عقوبات وضغط ومحاسبة، بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن بيانات أوروبية متأخرة لا توقف القتل ولا تحمي الأرض.

 

 

اعتراف بلا أدوات

 

بالتالي حمل مقال الدبلوماسيين السابقين إدانة صريحة لعجز باريس ولندن عن ترجمة الاعتراف بفلسطين إلى إجراءات ملموسة، رغم امتلاكهما مقعدين دائمين في مجلس الأمن ونفوذا قادرا على فرض كلفة على الاحتلال.

 

كما أشار الموقعون إلى أن إسرائيل تقوض عمليا إمكانية قيام دولة فلسطينية، عبر تدمير غزة وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وهو مسار يحول حل الدولتين من شعار دبلوماسي إلى وهم بلا أرض.

 

ولزيادة وضوح الرسالة، ربط الدبلوماسيون بين الكارثة الإنسانية في غزة والعنف الاستيطاني في القدس الشرقية والضفة، معتبرين أن فلسطين تمحى أمام أعين العالم بينما تواصل الحكومات الغربية إدارة الأزمة بالتصريحات.

 

لذلك تبدو أهمية المقال في صدوره عن سفراء سابقين وقناصل ومسؤولين أمميين، لا عن ناشطين فقط، ما يجعل الاتهام الموجه لإسرائيل والحرج الموجه لباريس ولندن أثقل داخل المجال الدبلوماسي الأوروبي.

 

ومن ثم فإن مطالبتهم بتعليق الاتفاقات التجارية والتعاون العسكري الثنائي مع إسرائيل تكسر سقف اللغة الأوروبية المعتادة، لأنها تنقل النقاش من التعاطف اللفظي إلى أدوات ضغط تمس مصالح الاحتلال ومظلة حمايته.

 

غير أن المقال، رغم قوته، يكشف أيضا بطء العواصم الأوروبية في الاعتراف بحقيقة كان الفلسطينيون يعيشونها يوميا، فغزة لم تكن تنتظر توصيفا قانونيا بقدر ما كانت تحتاج وقف القصف والحصار.

 

علاوة على ذلك، تنسجم هذه الدعوة مع تحذيرات المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، التي ربطت مرارا بين استمرار الإفلات من العقاب وتمادي إسرائيل في تدمير غزة ونزع الفلسطينيين من أرضهم.

 

بناء على ذلك، يصبح اختبار فرنسا وبريطانيا واضحا، إما أن يتحول الاعتراف بفلسطين إلى سياسة ردع، أو يبقى اعترافا احتفاليا يسمح للاحتلال بأن يواصل الوقائع الدموية نفسها تحت غطاء دولي متهاون.

 

 

غزة تحت الركام

 

في المقابل، ارتفع عدد ضحايا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 73.419 قتيلا و174.364 جريحا، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، في حصيلة تكشف حجم الكارثة المفتوحة.

 

كذلك أعلنت الوزارة أن المستشفيات استقبلت خلال 48 ساعة قتيلين و4 إصابات، بينما بلغ إجمالي الضحايا منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي 1.285 قتيلا و4.252 جريحا.

 

وبينما تتحدث العواصم الغربية عن وقف إطلاق نار، تشير الأرقام إلى أن الفلسطينيين ما زالوا يقتلون بعد الاتفاق، وأن وقف النار لم يتحول إلى حماية فعلية للمدنيين أو إلى نهاية للحصار.

 

إضافة إلى ذلك، لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، مع عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم، وهو ما يجعل الحصيلة المعلنة أقل من الوجع الحقيقي.

 

في هذا السياق، يصبح وصف الدبلوماسيين لغزة بأنها بقعة مدمرة وجائعة تعبيرا عن واقع لا مبالغة فيه، حيث يعيش نحو مليوني فلسطيني بين الحرمان من المسكن والدواء والإغاثة وإعادة الإعمار.

 

ومع ذلك، تواصل إسرائيل منع إدخال مواد الإغاثة ومستلزمات إعادة الإعمار، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار ينص على السماح بدخولها دون قيود، ما يحول الاتفاق إلى نص بلا ضمانات.

 

ومن ناحية أخرى، يذكّر الخبير الحقوقي كريغ مخيبر بأن جوهر الأزمة لا يقتصر على عدد الضحايا، بل في بنية الإفلات من العقاب التي تمنح الاحتلال مساحة لتكرار الجريمة دون ردع.

 

وعليه، فإن دعوة الدبلوماسيين لضمان احترام قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تمثل الحد الأدنى، لأن تجاهل هذه المؤسسات يعني عمليا دفن القانون الدولي مع ضحايا غزة.

 

 

الضفة بين الضم والعنف

 

أما في الضفة الغربية، فقد تصاعدت اعتداءات المستوطنين واقتحامات قوات الاحتلال في طوباس ونابلس ودورا ومخيم الأمعري وبلدات قرب سلفيت والخليل، بالتوازي مع الدفع نحو مخطط إي 1 شرقي القدس.

 

وفي خربة الحديدية، منع مستوطنون فلسطينيين من رعي مواشيهم قرب خيامهم، ضمن ضغط متكرر لدفع السكان إلى الرحيل، بينما اعتقلت قوات الاحتلال مزارعا قرب يطا أثناء رعي مواشيه.

 

كذلك أصيب طفل فلسطيني من بلدة بدو بعد رشق مستوطنين مركبات السكان بالحجارة، في مشهد يختصر كيف تتحول الحياة اليومية في الضفة إلى مساحة خوف مفتوحة بين المستوطن والجيش.

 

وفضلا عن ذلك، أطلق مستوطنون مواشيهم في أراضي مزارعين فلسطينيين بمسافر يطا، ونظم آخرون حفل زفاف فوق أراض فلسطينية مصادرة في بيت عنان، في استعراض رمزي للسيطرة والإذلال.

 

بالمقابل، دعت فلسطين الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى التحرك العاجل ضد مخطط إي 1، باعتباره خطوة تمهد لتقطيع الضفة وعزل القدس الشرقية ونسف أي إمكانية لدولة فلسطينية متصلة.

 

على صعيد أوسع، أدان الاتحاد الأوروبي المشروع الاستيطاني، ورفضت رئيسة المفوضية الأوروبية استمرار سياسة الاستيطان غير القانونية، لكن الإدانة تبقى قاصرة ما لم تتحول إلى عقوبات توقف التمويل والتعاون والحماية.

 

وبحسب الباحث ناثان ثرال، فإن الاستيطان ليس تفصيلا جانبيا في الصراع، بل أداة حكم وسيطرة تعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية، وتجعل الحديث عن دولة فلسطينية بلا سيادة مجرد صيغة لتجميل الاحتلال.

 

لذا فإن مقال الدبلوماسيين لا يهاجم إسرائيل وحدها، بل يفضح أيضا حكومات أوروبية تعرف الحقائق ثم تؤجل الرد، وتستبدل واجب المحاسبة بلغة القلق والدعوة إلى ضبط النفس.

 

ختاما، تكشف غزة والضفة أن فلسطين لا تمحى فجأة بل عبر خطوات متراكمة، قصف وحصار وركام واستيطان وطرد صامت، بينما يملك الغرب أدوات وقف الجريمة لكنه يختار غالبا إدارة عواقبها.