شنّت أبواق السيسي، حملة تخوين ضد عبد الرحمن السيد في مصر، عقب فوزه بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ عن ميتشغان ومطالبته بوقف تمويل حكم العسكر، فانقلبت الإشادة بنجاحه إلى تحريض عليه.
ويكشف التحول المفاجئ أن السلطة لا تحتمل نجاح مصري يفضح قمعها، فالرجل كان فخرًا ما دام إنجازه بعيدًا عن القاهرة، ثم صار خائنًا وإخوانيًا عندما تحدث عن الاستبداد وانعدام الفرص وإهدار العقول المصرية.
من الفخر إلى التخوين
في البداية، رصدت مجلة ميم انقلاب الخطاب من وصف السيد بأنه فخر المصريين في أمريكا إلى اتهامه بالخيانة والانتماء للإخوان، بعدما طالب بوقف تمويل حكم العسكر، خلال أقل من يوم واحد فقط.
من "فخر المصريين في أمريكا" إلى "خائن وإخواني".. كيف انقلبت أبواق السيسي على عبد الرحمن السيد خلال أقل من 24 ساعة بعد مطالبته بوقف تمويل حكم العسكر؟ pic.twitter.com/Dj90PQuXWV
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) August 8, 2026
وبعد فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي، قال السياسي أسامة رشدي إن الأفراح انطلقت في ميتشغان، بينما بدأ النواح لدى لجان السيسي، وكأن الرجل الذي فاز هناك كان ينافس الحاكم داخل القاهرة.
وبحسب رشدي، يجسد السيد تقريبًا كل ما يخشى النظام أن يراه المصريون، فهو أمريكي من أصول مصرية وابن مهاجرين وطبيب وأكاديمي، أدار الصحة في ديترويت وخاض الانتخابات حتى فاز بالترشيح.
ومن جانبه، قال الشيخ سلامة عبد القوي إن مشايخ العسكر تصدروا الهجوم لأن السيد أصاب موضعًا يؤلم السلطة، التي تخشى تغير المظلة الأمريكية الداعمة للديكتاتور وسقوط منظومة المصالح والسبوبة معها.
وفي تساؤله، سأل عبد القوي إن كان الهجوم دفاعًا عن الدين أم دفاعًا عن السبوبة، كاشفًا توظيف المنابر لتشويه منتقدي النظام وحماية العلاقة التي تضمن استمرار الدعم الأمريكي والمكاسب المرتبطة به.
يتصدر مشايخ العسكر الهجوم على عبد الرحمن السيد، لأنه أصاب موضعًا يؤلم السلطة.
— Salama Abdelkawy - سلامة عبد القوي (@AbdelkawySalama) August 7, 2026
يخشى هؤلاء أن تتغير المظلة الأمريكية الداعمة للديكتاتور، فتسقط معها منظومة المصالح و«السبوبة».
فهل الهجوم دفاعٌ عن الدين، أم دفاعٌ عن السبوبة يا مولانا ؟! pic.twitter.com/cd5zLJuYIz
وبالمقابل، لم تناقش الحملة مضمون طلب وقف التمويل ولا أسباب انتقاد الحكم العسكري، بل لجأت إلى الاتهامات الجاهزة، لأن مناقشة الفكرة تفتح ملف المساعدات الأمريكية ودورها في حماية نظام يرفض تداول السلطة.
وعلى هذا الأساس، يصبح معيار الوطنية لدى الأبواق هو الصمت عن السيسي، فلا تكفي المكانة العلمية ولا أصوات الناخبين ولا خدمة المجتمع لحماية صاحبها، إذا وصف انقلاب 2013 بالانقلاب وانتقد حكم الفرد.
وفي السياق نفسه، ذكر رشدي أن السيد وصف ما جرى عام 2013 بأنه انقلاب عسكري أطاح بمحمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًا، ووصف السيسي بالديكتاتور، فكانت تلك الجريمة التي لا تغفرها اللجان.
لذلك، تحول طبيب وأكاديمي ومسؤول صحي سابق إلى عدو في الإعلام الموالي، لا لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه نطق بما تريد السلطة محوه، وقال إن الانقلاب انقلاب وإن الديكتاتور ديكتاتور.
بعد فوز عبد الرحمن بترشيح الحزب الديمقراطي: الأفراح في ميتشغان… والنواح عند لجان السيسي!
— أسامة رشدي (@OsamaRushdi) August 8, 2026
⸻
منذ إعلان فوز الدكتور عبدالرحمن عبد السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية #ميتشغان، انطلقت لجان #السيسي وأبواقه الإعلامية في حملة هجوم وتشويه للرجل، وكأن الذي فاز في ميتشغان… pic.twitter.com/EO0cZGp8IR
تصريح يكشف أزمة وطن
من ناحية أخرى، أثار تصريح السيد بأنه كان يفترض أن يصبح سائق سيارة أجرة في مصر غضب الأبواق، رغم أن المقصود لم يكن إهانة السائقين، وإنما إدانة بيئة تحرم الإنسان من فرصة تناسب قدراته.
وبتعبير أوضح، تحدث السيد عن أبناء عمومته في مصر، مؤكدًا أنهم لا يقلون عنه ذكاءً، لكنهم لم يحصلوا على الفرص التي وجدها في أمريكا، ولا يتصور أنه كان يستطيع الترشح لمنصب عام داخل مصر.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور مراد علي إن التصريح مؤلم للغاية، لأن السيد أصبح طبيبًا وحصل على الدكتوراه من أكسفورد بمنحة، ثم وصل إلى المنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي.
ووفقًا لعلي، تحولت مصر منذ عقود، وبصورة أشد خلال السنوات الأخيرة، إلى بيئة طاردة للكفاءات، بينما تستعيد الحكومات الرشيدة خبراتها المهاجرة، ويتحدث السيسي عن تصدير الكفاءات كأن رحيل العقول إنجاز.
واستكمالًا للصورة، أوضح أن الظروف أصبحت تنفذ خطة التصدير وحدها، وأن كثيرًا من طلاب الطب الأكفاء يجهزون طريق بريطانيا أو أمريكا أو ألمانيا قبل التخرج، بدلًا من التخطيط لمستقبلهم داخل بلادهم.
واستنادًا إلى دراسة حديثة منشورة في يونيو 2026، أشار علي إلى أن 69% من طلاب الطب والأطباء في بدايات حياتهم المهنية المشمولين بالدراسة يفكرون في الهجرة، بما يكشف اتساع الأزمة.
تصريح عبد الرحمن السيد، المصري الأصل، الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، «كان مفترضًا أن أكون سائق تاكسي في مصر» مؤلم للغاية.
— Mourad Aly د. مراد علي (@mouradaly) August 7, 2026
الرجل أصبح طبيبًا، وحصل على الدكتوراه من أكسفورد بمنحة، وها هو اليوم ينافس على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي.
وهنا تكمن واحدة من أكبر مآسي… pic.twitter.com/3Guaz7I5zn
في المقابل، دافع مواطن مصري عن السيد، وروى أنه تفوق في كلية العلوم بجامعة دمنهور، لكنه اضطر للعمل بائعًا متجولًا وتاجر شنطة رغم شهاداته العلمية، قبل أن يقرر الهجرة ومغادرة البلاد.
مدافعا عن تصريحات عبد الرحمن السيد في أميركا حول الوضع بمصر..
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 9, 2026
مواطن مصري يتحدث عن معاناته عبر صفحته على فيسبوك بعد تفوقه في كلية العلوم بجامعة دمنهور واضطراره للعمل كبائع متجول وتاجر شنطة رغم شهاداته العلمية في مصر قبل أن يقرر الهجرة ومغادرة البلاد pic.twitter.com/FZ3SJJQ4u7
ومن ثم، تمنح شهادة المواطن معنى واقعيًا لتصريحات السيد، إذ لا يتعلق الأمر بافتراض نظري، بل بخريجين متفوقين دفعتهم البطالة وانعدام العدالة إلى أعمال هامشية، ثم أجبرتهم قسوة الواقع على الرحيل.
كذلك، قال الإعلامي سامي كمال الدين إن حديث المرشح المصري الأصل ليس غريبًا، مؤكدًا أن أحمد زويل لو بقي في مصر ربما عجز عن ثمن الدواء، وأن فاروق الباز كان سيبحث عن معمل.
وبالمنطق نفسه، أضاف كمال الدين أن عصام حجي لو بقي داخل المنظومة لربما انتهى يعمل في قياس تربة الترع، معتبرًا أن غياب العدالة والقانون والتعليم يقود حتمًا إلى النتائج التي تعيشها مصر.
ايه الغريب في تصريحات عبد الرحمن السيد المرشح من أصول مصرية؟!
— سامي كمال الدين (@samykamaleldeen) August 6, 2026
لو ظل أحمد زويل في مصر كان زمانه بيشحت ثمن الدواء ولو ظل فاروق الباز في مصر كان زمانه يبحث عن معمل يوافق على أبحاثه
ولو ظل عصام حجي في مصر كان زمانه بيشتغل في قياس تربة الترعة
عندما تغيب العدالة في بلد
عندما يغيب…
عقول يطردها النظام
علاوة على ذلك، استعاد رشدي تجربة عصام حجي، الذي تفوق في جامعة القاهرة لكنهم حجبوا عنه التعيين، فسافر إلى فرنسا وحصل على الماجستير والدكتوراه، وعمل في مقهى لينفق على دراسته ويكمل طريقه.
وبحسب روايته، عاد حجي إلى مصر وانتهى به الأمر مندوب مبيعات براتب لا يتجاوز ألفي جنيه، بعدما رفضت الجامعة تعيينه، قبل أن تصله دعوة من باريس للمشاركة في مؤتمر علمي مهم.
وفي مفارقة صارخة، جمع أصدقاء حجي في باريس تكلفة سفره لعرض بحث فاز بالمركز الأول، وهناك شاهده علماء من وكالة ناسا وقدموا له عرضًا للانضمام إليهم، بعدما أهدر وطنه علمه وكفاءته.
وبعد ذلك، منحته فرنسا جنسيتها خلال ثلاثة أشهر، ثم حصل على الجنسية الأمريكية، وأصبح عالمًا وباحثًا في علوم الكواكب يعمل في مشروعات مرتبطة بوكالة ناسا ومختبر الدفع النفاث، بينما وصفته الأبواق بالولد التافه.
أما السيد، فلم يحتج إلى واسطة جنرال أو تزكية جهاز أمني أو موافقة جهة سيادية لدخول السياسة، بل درس وعمل وترشح وخسر سابقًا، ثم أعاد المحاولة وذهب للناخبين فاختاروه مرشحًا للديمقراطيين.
وفي الوقت ذاته، تمنع المنظومة المصرية المنافسة وتلاحق أصحاب الرأي، فقد يدخل المواطن السجن بسبب منشور، وقد يصبح التفكير في منافسة الرئيس جريمة، بينما تسمح التجربة الأمريكية للمهاجر بالمحاولة والخسارة والعودة إلى الانتخابات.
ومع ذلك، تنقل الأبواق المعركة من أزمة الفرص إلى شخص السيد، لأن الاعتراف بصحة كلامه يعني الإقرار بأن المشكلة ليست في الإنسان المصري، بل في البيئة التي تبدد قدراته وتحاصره ثم تدفعه للخارج.
وأبعد من ذلك، لا يمثل السيد قصة نجاح أمريكية فقط، بل فشلًا مصريًا صارخًا، يثير أسئلة عن عدد العلماء والأطباء والقادة ورواد الأعمال الذين كان يمكن أن يظهروا، لو وجدوا التعليم والعدل والفرصة داخل وطنهم.
وفي المحصلة، لا تهاجم لجان السيسي عبد الرحمن السيد لأنه فشل، وإنما لأن نجاحه يفضحها، ويعيد طرح السؤال الذي تخشاه السلطة، ماذا كانت ستصبح مصر لو منحت أبناءها الفرص التي يجدونها بعد الرحيل.

