انتقد الكاتب عمار علي حسن تراجع الدور الحقيقي للوزراء ورئيس الحكومة، مؤكدًا أن أي تعديل وزاري مرتقب لن يصنع تغييرًا مؤثرًا ما لم يمارس المسؤولون صلاحياتهم الدستورية كاملة. وأوضح أن الوزير في مصر تحول إلى موظف إداري كبير، ينشغل بالبقاء في منصبه أكثر من صناعة السياسات، بينما فقد المواطنون الثقة في قدرته على اتخاذ قرارات نافذة أو تحمل مسؤولية الأزمات.
وزراء بلا صلاحيات
قال عمار علي حسن إن الحديث المتزايد عن تعديل وزاري جديد يعيد طرح السؤال المتعلق بقدرة الوزراء على ممارسة أدوارهم الفعلية، بدلًا من الاكتفاء بتغيير الأسماء والإبقاء على طريقة الإدارة نفسها التي أفرغت المناصب التنفيذية من مضمونها.
وأوضح حسن، في منشور عبر حسابه على منصة فيسبوك، أن وجود وزارة حقيقية ومؤثرة يرتبط بممارسة الوزراء ورئيس الحكومة الصلاحيات التي يمنحها لهم الدستور، مؤكدًا أن غياب هذه الصلاحيات يجعل أداءهم محدودًا، مهما امتلك بعضهم من خبرة أو كفاءة مهنية.
ويكشف هذا الطرح أزمة تتجاوز أداء وزير بعينه، إذ يتعلق الأمر ببنية حكم تقلص قدرة الحكومة على وضع السياسات وتنفيذها بصورة مستقلة. فالوزير الذي لا يملك القرار لا يستطيع الدفاع عن خطته أو تحمل مسؤولية نتائجها، ويتحول تدريجيًا إلى واجهة إدارية لقرارات تصدر من خارج وزارته.
ومع تراجع استقلال القرار التنفيذي، يفقد مجلس الوزراء دوره بوصفه مؤسسة مسؤولة عن إدارة شؤون الدولة، ليبدو أقرب إلى جهاز يتولى تنفيذ التوجيهات ومتابعة المشروعات، من دون امتلاك مساحة كافية للنقاش أو الاعتراض أو اقتراح بدائل مختلفة.
ولا تقف المشكلة عند حدود الصلاحيات، بل تمتد إلى غياب المساءلة الواضحة. فعندما تقع أزمة، لا يعرف المواطن الجهة التي اتخذت القرار، ولا يستطيع تحديد المسؤول عنها، بينما تتبادل المؤسسات البيانات والتبريرات، ويظل الوزير في موقع المتلقي بدلًا من صاحب الاختصاص.
الشارع لا يعرف الوزراء
وأشار حسن إلى أن قطاعًا واسعًا من المصريين بات لا يتعرف على أسماء بعض الوزراء إلا عند إعلان مغادرتهم مناصبهم، وهي مفارقة تعكس حجم ابتعاد المسؤولين عن الشارع وتراجع تأثيرهم في الملفات التي يفترض أنهم يديرونها.
ويختلف هذا الوضع عن الفترات التي ارتبطت فيها أسماء الوزراء بقرارات أو سياسات محددة، سواء اتفق المواطنون معها أو عارضوها. أما اليوم، فتتشابه التصريحات الرسمية وتغيب المواقف الشخصية، ويصعب تمييز رؤية كل وزير عن الخطاب الحكومي العام.
وبحسب حسن، تحول الوزير في أذهان كثيرين إلى مجرد موظف إداري كبير، يتركز اهتمامه على الاستمرار في منصبه وتجنب الصدام أو تحمل المسؤولية. ويصبح النجاح عندئذ مرتبطًا بالقدرة على البقاء، لا بتحقيق نتائج ملموسة أو تقديم حلول لمشكلات المواطنين.
كما يعتمد عدد من الوزراء على ظهور إعلامي محدود وباهت، غالبًا ما يقتصر على جولات ميدانية معدة مسبقًا أو تصريحات عامة لا تتضمن التزامات قابلة للقياس. ولا يظهر المسؤول أمام المواطنين بصورة مباشرة إلا عندما تقع أزمة يصعب تجاهلها.
ويؤدي هذا الغياب إلى اتساع الفجوة بين الحكومة والمجتمع، لأن المواطن لا يرى في الوزير مسؤولًا يمكن محاسبته أو مخاطبته، ولا يعرف خطته أو أولوياته أو موقفه من القرارات التي تمس حياته اليومية، مثل الأسعار والخدمات والتعليم والصحة.
وتزداد الأزمة مع غياب المؤتمرات الصحفية المنتظمة والنقاش العام حول أداء الوزارات. فالمواطن يتلقى القرارات بعد صدورها، من دون معرفة البدائل التي نوقشت أو الأسس التي استندت إليها، بينما يكتفي المسؤولون بتكرار الحديث عن التحديات والإنجازات.
تغيير الأسماء لا يكفي
يعيد حديث عمار علي حسن تقييم جدوى التعديلات الوزارية التي تتكرر معها التكهنات بشأن أسماء المغادرين والقادمين، بينما يغيب النقاش الأهم حول حدود سلطة الوزير وقدرته على تنفيذ برنامج واضح ومعلن أمام المواطنين والبرلمان.
فاستبدال وزير بآخر لن يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأداء إذا ظل القادم الجديد محكومًا بالقيود نفسها، ولا يملك أدوات التخطيط أو القرار أو اختيار معاونيه. عندها يصبح التعديل مجرد إعادة توزيع للمناصب، لا معالجة حقيقية لأسباب الفشل.
وتحتاج الحكومة المؤثرة إلى وزراء يمتلكون برامج محددة وجداول زمنية وأهدافًا يمكن قياسها، مع إعلان الموارد المتاحة والعقبات التي تواجه التنفيذ. كما يفترض أن يمثل الوزير أمام البرلمان والرأي العام ليشرح قراراته ويتحمل المسؤولية عن نتائجها.
ولا يمكن فصل الصلاحيات عن المحاسبة، لأن منح الوزير سلطة واسعة من دون رقابة يفتح الباب أمام التجاوز، بينما تحميله المسؤولية من دون منحه القرار يحوله إلى كبش فداء. المطلوب هو توازن يحدد بوضوح من يقرر ومن ينفذ ومن يُحاسب.
كما أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب خروج الوزراء من دائرة البيانات المحفوظة والجولات المصورة إلى تواصل حقيقي يجيب عن الأسئلة الصعبة، ويقدم معلومات دقيقة، ويعترف بالتقصير، ويحدد مواعيد واضحة لمعالجة الأزمات بدلًا من إنكارها أو ترحيلها.
وفي ضوء ذلك، لا تبدو أزمة الحكومة مرتبطة بنقص الوجوه المرشحة للمناصب، بل بطريقة إدارة السلطة التنفيذية نفسها. فمادام الوزير لا يملك من منصبه إلا لقبه، سيظل التعديل الوزاري حدثًا إعلاميًا قصيرًا، وستبقى السياسات الباهتة والوجوه غير المعروفة عنوانًا لحكومة غائبة عن الشارع.

