مثلت مرحلة الجهر بالدعوة في السيرة النبوية منعطفًا حاسمًا في مسار الإسلام، إذ انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة السرية إلى الإعلان والمواجهة العلنية مع قوى الشرك في مكة، بعد أن ربّى أصحابه على الإيمان والثبات، وبنى قاعدة صلبة قادرة على حمل أمانة الدين والصبر على أعبائه.


وكشفت هذه المرحلة عن حكمة القيادة النبوية في التدرج والتخطيط واستثمار الواقع، فقد بدأ الإنذار بالأقربين تنفيذًا لأمر الله تعالى، ثم اتسع أثر الدعوة رغم الصد والإيذاء، حتى صار خبر الإسلام حديث الناس، وبدأ التفكير في نقل الدعوة إلى آفاق أوسع تحفظ الدين وتفتح له طريق الانتشار.


أمر رباني بالجهر والإنذار


بعد مرحلة الإعداد الرفيع التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم لتربية أصحابه وبناء الجماعة الأولى على أسس عقدية وخلقية وأمنية وتنظيمية، جاء الأمر الإلهي بالانتقال من السرية إلى الجهر، فنزل قول الله تعالى: **(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) [الشعراء: 214]**.


فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، وهتف: **«يا صباحاه»**، فاجتمعت إليه قريش، فقال: **«يا بنى فلان، يا بنى عبد مناف، يا بنى عبد المطلب، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟»**، فقالوا: **ما جربنّا عليك كذبًا**.


عندها أعلن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة رسالته بوضوح، فقال: **«فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»**، فكان رد أبي لهب قائمًا على العناد والاستهزاء، إذ قال: **تبًا لك، أما جمعتنا إلا لهذا**، ثم قام، فنزل قول الله تعالى: **(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) [المسد:1]**.


البداية بالأقربين وحكمة الاختيار


كان من الطبيعي أن يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، لأن مكة كانت بيئة قبلية متجذرة، وكان للعشيرة أثرها في النصرة والحماية والتأييد، ولذلك جاء البدء بالأقربين مناسبًا لطبيعة المجتمع وموازين التأثير فيه.


كما أن مكة لم تكن بلدًا عاديًا، بل كانت مركزًا دينيًا خطيرًا بين العرب، ومن ثم فإن تحريك الدعوة داخلها كان له أثر خاص على بقية القبائل، لأن ما يقع في مكة يتردد صداه في الجزيرة كلها.


ومع ذلك، لم تكن رسالة الإسلام في بدايتها محصورة في قريش وحدها، بل كانت الدعوة إلى قريش خطوة أولى في طريق الرسالة العالمية، كما يتجلى ذلك من القرآن الكريم، فقد كان المقصود أن تكون مكة بداية الانطلاق لا نهاية المقصد، وهو ما أشار إليه خليل بقوله إن الإسلام اتخذ الدعوة في قريش خطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية **(خليل، ص 124-125)**.


الصد والإيذاء وانتشار الخبر


كانت النتيجة المباشرة للجهر بالدعوة هي الصد والإعراض والسخرية والإيذاء والتكذيب، ثم الكيد المدبر والمدروس من زعماء الوثنية في مكة، فقد شعرت قريش أن الدعوة الجديدة تهدد واقعها الجاهلي، وتكشف فساد معتقداتها وتصوراتها.


اشتد الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جهة، وبين شيوخ الوثنية وزعمائها من جهة أخرى، غير أن هذا الصراع نفسه أسهم في نشر خبر الدعوة، فأصبح الناس في مكة يتناقلون أخبارها في كل مكان.


وكانت وسيلة الإعلام في ذلك العصر هي تناقل الأخبار مشافهة، فسمع القاصي والداني بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصبح هذا الحدث العظيم حديث الناس، ولم يكن كل من يسمع دعاوى قريش يسلّم بها، بل كان من الناس من يتحرى الصواب حتى يظفر به.


ولهذا كان انتشار خبر الصراع مكسبًا عظيمًا للدعوة، رغم ما صاحبه من أذى، لأنه كسر حاجز الصمت، وفتح أمام الناس باب السؤال والبحث، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يشق طريقه لكسر الحصار المفروض على الدعوة.


مواجهة الباطل وطلب بيئة جديدة


كان أولى الناس بتوجيه الدعوة إليهم هم قريش وأهل مكة، وبالأخص عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم الأقربين، فوجه إليهم الدعوة من خلال هذا المنبر العلني، وأنذرهم عذاب الله وبأسه إن لم يؤمنوا **(العودة، ص 167)**.


لكن قريشًا رفضت الاستجابة والانقياد للحق المبين، وكان موقفها شبيهًا بمواقف الأقوام السابقة من رسلهم، فحاربت الدعوة لأنها عرّت واقعهم الجاهلي، وعابت آلهتهم، وسفّهت أحلامهم، أي آراءهم وأفكارهم وتصوراتهم عن الحياة والإنسان والكون.


ومن هنا اتخذت قريش وسائل متعددة لإيقاف الدعوة، أو إسكات صوتها، أو تحجيم أثرها، أو تضييق مجال انتشارها، غير أن الدعوة مضت في طريقها، وبدأ التفكير في الخروج بها من مكة لتحقيق مقصدين مهمين.


كان المقصد الأول هو البحث عن موطن يأمن فيه المسلمون على دينهم، ويسلمون من أذى قريش وفتنتها، حيث لا تطالهم يدها ولا يمتد إليهم بطشها. أما المقصد الثاني فهو البحث عن بيئة تقبل الدعوة وتستجيب لها، لتنطلق منها إلى آفاق الأرض تحقيقًا لأمر الله بالتبليغ للعالمين **(العودة، ص 168)**.


هجرة الحبشة وبعد النظر النبوي

 

كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة خطوة عظيمة في مسار الدعوة، وقد وقعت الهجرة الأولى في شهر رجب من السنة الخامسة من المبعث، وخرج فيها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، مشاة إلى البحر، ثم استأجروا سفينة حملتهم إلى أرض يأمنون فيها على دينهم.


وقد صورت أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، الظروف التي أحاطت بهذه الهجرة فقالت: **«لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله: إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نخش منه ظلمًا»** **(ابن هشام، 1/334)**.


ولم تكن هجرة الحبشة مجرد انتقال مكاني هروبًا من الأذى، بل كانت ذات أبعاد سياسية وإعلامية ودعوية، فقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة بدقة وبعد نظر، لأن بها ملكًا عُرف بالعدل، ولأنها كانت خارج سلطان قريش وبطشها.


لقد نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يحيط بدعوته من الداخل والخارج، فوجد في الداخل مؤمنين ثابتين وكفارًا معاندين شديدي الحرص على الزعامة، عظيمي الحقد على الدعوة وصاحبها، كما وجد خارج الجزيرة إمبراطورية فارس وقد أعماها دخان النار، وإمبراطورية الروم وقد عبدوا الملوك ودنياهم.


أما الحبشة، فكان لا يزال بها بعض وميض من صدق رسالة عيسى عليه السلام، وكان بها ملك لا يُظلم أحد بأرضه، ولذلك كان اختيارها شاهدًا على حكمة القيادة النبوية في حماية الجماعة المؤمنة وفتح أفق جديد للدعوة **(الأسطل، ص 111)**.


وهكذا تكشف مرحلة الجهر بالدعوة أن طريق الحق لا يخلو من الابتلاء، وأن الإعلان عن الرسالة كان بداية مواجهة واسعة مع الباطل، لكنه كان أيضًا بداية انتشار أوسع، وبناء وعي جديد، وكسر للحصار، وتمهيدًا لانتقال الدعوة من مكة إلى العالمين.

 ......................................................

المصادر والمراجع:

1. خليل، عماد الدين. دراسة في السيرة النبوية.

2. العودة، سلمان. الغرباء الأولون.

3. ابن هشام. السيرة النبوية لابن هشام.

4. الأسطل، علي. الوفود الإعلامية في العصر المكي وأثرها الإعلامي.