حوّل مهاجم منتخب إسرائيل سعيد أبو فرخي هدف التعادل أمام النمسا إلى مشهد تجاوز حدود كرة القدم، بعدما انتزع راية الركنية وحاكى بها إطلاق النار، لينتهي احتفاله ببطاقة صفراء ثانية أعقبتها الحمراء مباشرة. الغارديان
ويضع المشهد نفسه داخل سياق أكثر حساسية من مجرد احتفال رياضي، إذ جاء بينما تستمر العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة، بما تحمله من سقوط ضحايا وقيود ونزوح وعنف موثق بحق فلسطينيين.
راية الركنية تتحول إلى سلاح
وفي الدقيقة الخامسة والخمسين، سجل أبو فرخي هدف التعادل برأسية أعادت منتخب إسرائيل إلى المباراة، ثم اتجه إلى الركنية، وأمسك بالراية وركع قبل أن يؤدي حركة بدت كأنها محاكاة لإطلاق النار.
وبعدها مباشرة، أشهر الحكم البطاقة الصفراء الثانية في وجه اللاعب، الذي كان قد حصل على إنذار قبل دقائق قليلة، ليغادر الملعب ويترك منتخب إسرائيل بعشرة لاعبين في توقيت حاسم من المواجهة.
كما تحولت اللقطة سريعًا إلى العنوان الأبرز للمباراة، لأن الصورة لم تكن مجرد احتفال غريب، بل حملت رمزًا عسكريًا واضحًا في نظر متابعين، داخل لحظة رياضية يفترض أنها بعيدة عن مشاهد السلاح.
وفي المقابل، ظهرت رواية أخرى تقول إن اللاعب اعتاد احتفالًا مستوحى من لعبة البلياردو، وإن استخدام الراية لم يكن مقصودًا به إرسال رسالة عسكرية، وهو تفسير لا يلغي الجدل حول شكل الحركة نفسها.
ومع ذلك، بقي قرار الحكم قائمًا باعتبار السلوك غير مقبول داخل الملعب، خصوصًا أن الحركة جاءت بعد هدف دولي وفي مباراة رسمية، حيث تخضع الاحتفالات لضوابط تمنع السلوك الاستفزازي أو المثير للتوتر.
وفوق ذلك، جاءت العقوبة ثقيلة رياضيًا على المنتخب الإسرائيلي، لأن النمسا استغلت النقص العددي في الدقائق الأخيرة، وسجلت هدفين حاسمين أنهيا اللقاء بفوزها بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.
وبالتالي، انتقل أبو فرخي خلال لحظات من لاعب أعاد فريقه إلى التعادل إلى صاحب لقطة قلبت شكل المباراة، وربطت هدفه الأول دوليًا بصورة حمل السلاح أكثر مما ربطته بالإنجاز الرياضي نفسه.
رمزية السلاح تتجاوز الملعب
وفي غزة، يكتسب أي مشهد يحاكي إطلاق النار حساسية مضاعفة، لأن تقارير الأمم المتحدة خلال سبتمبر واصلت تسجيل آثار الضربات والقيود على المدنيين، إلى جانب نقص الخدمات واستمرار مخاطر النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية.
كما وثقت التقارير الدولية استمرار سقوط قتلى ومصابين داخل القطاع خلال فترات متقاربة من الشهر، مع استمرار الغارات والهجمات على مناطق مأهولة، وهو ما يجعل رمزية السلاح بعيدة تمامًا عن كونها تفصيلًا عابرًا.
وفي الضفة، تبدو الصورة أكثر اتصالًا بالأسلحة والاقتحامات، إذ وثقت الأمم المتحدة خلال 2026 عمليات للقوات الإسرائيلية وهجمات للمستوطنين خلفت قتلى ومصابين وأضرارًا واسعة بالممتلكات وقيودًا متزايدة على حركة الفلسطينيين.
كذلك سجلت المنظمة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين منذ بداية العام وحتى منتصف سبتمبر، شملت إصابات أو أضرارًا بالممتلكات أو كليهما، ووصلت آثارها إلى مئات التجمعات الفلسطينية في أنحاء الضفة.
ومن هنا، بدا حمل راية الركنية بهذه الطريقة قادرًا على استدعاء واقع سياسي وعسكري حاضر بقوة، حتى لو لم يعلن اللاعب أنه قصد الإشارة إليه، لأن الصور الرياضية تُقرأ دائمًا داخل سياقها الزمني.
وفي الوقت نفسه، لا يسمح ذلك بتحويل تصرف لاعب واحد إلى حكم شامل على كل الإسرائيليين، لكنه يجعل الواقعة قابلة للمساءلة والانتقاد، خصوصًا عندما تأتي من لاعب يمثل منتخبًا وطنيًا أمام جمهور دولي واسع.
وبهذا المعنى، لم يكن الجدل نابعًا فقط من قرار الحكم، بل من المسافة الضيقة بين مشهد رياضي يفترض أنه للاحتفال وبين حركة تستحضر سلاحًا بينما تتواصل أعمال عنف موثقة في الأراضي الفلسطينية.
وفوق ذلك، فإن انتقال رمز السلاح إلى مساحة رياضية يمنحه انتشارًا مختلفًا، لأن اللقطة لا تبقى داخل حدود الملعب، بل تتحول فورًا إلى مادة للنقاش العام وإعادة تفسيرها سياسيًا واجتماعيًا.
ومن ناحية أخرى، بدا المشهد مثالًا على صعوبة فصل الرياضة عن السياسة حين تكون الرموز المستخدمة حادة إلى هذا الحد، إذ يمكن لحركة واحدة أن تنقل المباراة من صفحات الرياضة إلى نقاش سياسي وأخلاقي أوسع.
الطرد يعاقب محاكاة السلاح
وفي الجانب الرياضي، جاء الطرد ليغير مسار اللقاء بوضوح، لأن منتخب إسرائيل اضطر إلى اللعب بعشرة لاعبين منذ الدقيقة الخامسة والخمسين تقريبًا، بينما احتفظت النمسا بتفوقها العددي حتى الدقائق الأخيرة.
ثم تمكن فيليب مويني من تسجيل الهدف الثاني في الدقيقة التسعين، قبل أن يضيف ساشا كالايدزيتش الهدف الثالث في الوقت المحتسب بدل الضائع، لتتحول العودة الإسرائيلية المؤقتة إلى خسارة واضحة.
وبعد المباراة، أصبحت صورة أبو فرخي مع راية الركنية أكثر تداولًا من هدفه نفسه، وهو ما يعكس كيف يمكن لحركة احتفال واحدة أن تبتلع القيمة الرياضية للهدف وتحوله إلى قضية تتجاوز الملعب.
كما أن الواقعة تضع اللاعبين أمام مسؤولية مضاعفة عند اختيار إشارات الاحتفال، لأن ما يبدو لصاحبه حركة عابرة قد يتحول أمام ملايين المشاهدين إلى رمز سياسي أو عسكري مختلف تمامًا عن نيته الأصلية.
وفي المقابل، يظل من المهم التمييز بين النية المعلنة والأثر البصري، إذ لم يقدم اللاعب تصريحًا يربط حركته بغزة أو الضفة، بينما بدا الحكم معنيًا بالسلوك الظاهر داخل الملعب لا بخلفيته السياسية.
ومع ذلك، فإن غياب الرسالة السياسية المعلنة لا يمحو السياق المحيط، ولا يمنع المتابعين من قراءة صورة السلاح على ضوء أحداث قائمة فعلًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنتخب يمثل إسرائيل دوليًا.
ومن ثم، تطرح الواقعة سؤالًا حول حدود التسامح مع الإشارات العنيفة في الملاعب، خصوصًا عندما تأتي في لحظة تتسم أصلًا بارتفاع الحساسية تجاه صور السلاح والقتل والنزوح.
وأخيرًا، خرجت النمسا بالنقاط الثلاث، بينما خرج أبو فرخي ببطاقة حمراء وصورة ستبقى مرتبطة بالمواجهة، في مباراة بدأ عنوانها كرة القدم وانتهى عنوانها الأوسع عند راية ركنية استُخدمت في حركة تشبه إطلاق النار.

