أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة بمدينة العلمين الجديدة، امتلاك الدولة مخزونا من بعض السلع يكفي عاما كاملا، وارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى 56.3 مليار دولار، بينما واصلت الأسعار إنهاك الأسر المصرية.
وتأتي هذه الطمأنة الرسمية فيما تضيق موائد ملايين المصريين تحت ضغط الغلاء، فتبدو وفرة المخازن رقما معزولا عن واقع الأسواق، وتتحول الفجوة بين خطاب الحكومة وقدرة المواطن على الشراء إلى عنوان لأزمة إدارة وعدالة توزيع.
وفرة لا تخفض الأسعار
في البداية، قال مدبولي إن أرصدة السلع الأساسية عند مستويات مطمئنة للغاية، وإن المتاح منها يغطي احتياجات الاستهلاك المحلي لفترات آمنة، تصل في بعض الأصناف إلى عام كامل، بما يفترض منع النقص واضطراب الإمدادات.
وبحسب البيان الحكومي، تتابع الدولة بصورة دورية مستويات المخزون وحركة توفير المنتجات، وسط تطورات إقليمية ودولية متسارعة، لكن الإعلان لم يقدم كشفا تفصيليا يوضح كميات كل سلعة أو آجال تغطيتها أو تكلفة طرحها للمستهلك.
في المقابل، لا يعني وجود السلع في الصوامع والمخازن أن أسعارها أصبحت في متناول الأسر، لأن السعر النهائي تحكمه تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين وحلقات الوساطة وهوامش الأرباح، فضلا عن ضعف المنافسة والرقابة الفعلية.
ومن جانبه، يرى خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس أن تراجع التضخم قد يكون حسابيا بفعل المقارنة بسنة أساس مرتفعة، لا نتيجة تحسن القوة الشرائية، وهو تشخيص يكشف محدودية الاحتفاء الحكومي بالمؤشرات بعيدا عن دخول المواطنين.
وفوق ذلك، يظل انخفاض معدل التضخم مختلفا عن انخفاض الأسعار، إذ يعني غالبا أن وتيرة الزيادة تباطأت فقط، بينما تبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة تراكمت خلال سنوات، وهو فارق لا توضحه التصريحات الحكومية للمواطن المنهك.
وعمليا، يلمس المستهلك السعر عند شراء الزيت والسكر واللحوم والحبوب، لا عند قراءة بيانات المخزون، ولذلك تصبح الوفرة بلا أثر سعري ملموس دليلا على خلل في انتقال السلع من حلقات التوريد إلى منافذ البيع.
ومن ناحية أخرى، أعلنت الحكومة أخيرا أن مخزون السكر وحده يكفي عاما، وأن سعر الكيلو في منافذها بلغ نحو 28 جنيها، غير أن تفاوت الأسعار بين المنافذ والمناطق يبقي أثر هذا التراجع محدودا وغير متكافئ.
وبالتوازي، تحتاج ادعاءات ضبط السوق إلى بيانات منشورة عن متوسطات الأسعار وهوامش التجارة وكميات الطرح بالمحافظات، لأن الاكتفاء بعبارات الطمأنة يمنع المواطنين من قياس الأداء، ويترك الباب مفتوحا أمام الاحتكار والمبالغة في التسعير.
التضخم يلتهم الدخول
إلى جانب ذلك، أظهر استطلاع حديث شمل 13 محللا توقع ارتفاع التضخم السنوي في المدن إلى 15.6 بالمئة خلال يوليو، مقابل 14.3 بالمئة في يونيو، مدفوعا بضغوط أسعار الغذاء والسلع غير الغذائية وتأثير سنة الأساس.
غير أن هذه التوقعات سبقت صدور البيانات الرسمية المقرر إعلانها لاحقا، لكنها تعكس اتجاها مقلقا يناقض صورة الاستقرار الكامل، خصوصا بعد زيادة أسعار الكهرباء بنحو 12 بالمئة وما تجره من ارتفاعات في تكاليف الإنتاج والخدمات.
وفي السياق نفسه، يؤكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن تراجع مؤشرات التضخم لا ينعكس تلقائيا على الحياة اليومية، لأن أسعار الطاقة والتعليم والصحة والنقل لم تتراجع، ومن ثم لا يشعر المواطن بتحسن حقيقي في معيشته.
وبدورها، تكشف موازنات الأسر أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الغذاء، ففواتير الكهرباء والمواصلات والعلاج والتعليم تستنزف الدخول، وتجبر عائلات كثيرة على خفض الاستهلاك أو الاستدانة أو الاستغناء عن احتياجات أساسية للحفاظ على الحد الأدنى.
لهذا، فإن الحديث عن مخزون آمن لا يجيب عن السؤال الأكثر إلحاحا، لماذا لا تنخفض الأسعار بما يتناسب مع وفرة المعروض، ولماذا تظل الأجور عاجزة عن ملاحقة موجات الزيادة المتتالية التي صنعتها قرارات حكومية متراكمة.
وعلى صعيد آخر، تتسبب زيادات الطاقة في انتقال سريع للتكلفة إلى المصانع والمزارع ووسائل النقل، ثم إلى المستهلك، ما يجعل أي تخفيض محدود في سلعة مؤقتا، وقابلا للتبخر أمام موجة جديدة من إعادة التسعير.
ومع ذلك، تواصل الحكومة التعويل على الحملات الرقابية والمنافذ التابعة لها، بينما تبقى الأسواق الحرة الأوسع انتشارا خارج أثر التخفيضات المؤقتة، ويواجه المواطن تفاوتا حادا بين الأسعار من منطقة إلى أخرى ومن متجر إلى آخر.
وبناء على ذلك، يصبح معيار نجاح الحكومة هو انخفاض فاتورة الغذاء والخدمات قياسا بالدخل، لا مجرد توافر العبوات على الأرفف، لأن السلعة الموجودة بسعر يعجز المواطن عن دفعه تظل غائبة فعليا عن مائدته.
احتياطي بلا أثر معيشي
أما في الجانب النقدي، فأعلن مدبولي ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، مقابل 55.1 مليار دولار في يونيو، بزيادة شهرية قدرها 1.2 مليار دولار، مقدما ذلك باعتباره تعزيزا لمتانة القطاع الخارجي.
لكن الاحتياطي، مهما ارتفع، لا يمثل دخلا متاحا للإنفاق المباشر على المواطنين، كما أن دلالته تتوقف على مصادر تكوينه والتزامات الدين والواردات، ومدى قدرة الاقتصاد على توليد عملة أجنبية مستقرة من الإنتاج والتصدير.
وفي تفسير مواز، يفرق الخبير الاقتصادي هاني توفيق بين انخفاض صحي للتضخم تقوده زيادة الإنتاج، وانخفاض غير صحي ينتج من ضعف الطلب وانكماش القوة الشرائية، ويرى أن الواقع المصري أقرب إلى النوع الثاني المرهق اجتماعيا.
ومن ثم، قد تتجاور زيادة الاحتياطي مع تراجع الاستهلاك الحقيقي، إذا ظلت الأجور متأخرة عن الأسعار واستمرت الرسوم وأسعار الخدمات في الصعود، وهو ما يفسر غياب الشعور الشعبي بالتحسن رغم احتفال الحكومة بأرقام الاقتصاد الكلي.
علاوة على ذلك، فإن الاستثمارات الجديدة وتعظيم عوائد أصول الدولة لا يكتسبان قيمة اجتماعية لمجرد توقيع البروتوكولات، بل عندما ينعكسان في وظائف مستقرة وأجور عادلة وإنتاج محلي يخفض الاعتماد على الواردات ويحاصر تضخم الأسعار.
وبالنتيجة، تكشف الفجوة بين المخزون المعلن والغلاء المستمر أزمة أعمق من نقص السلع، تتعلق بضعف السياسات المنظمة للتسعير والمنافسة، وغياب الشفافية الكافية بشأن تكاليف الاستيراد والتوزيع، وتحميل المستهلك أعباء الاختلالات الاقتصادية.
في غضون ذلك، يبقى الفقراء وأصحاب الدخول الثابتة الأكثر تعرضا لصدمة الأسعار، لأن الغذاء والخدمات الأساسية تلتهم نسبة أكبر من دخولهم، فيما لا تمنحهم المؤشرات المعلنة حماية من تقليص الوجبات أو تأجيل العلاج.
ومن زاوية أوسع، لا تستطيع الحكومة مطالبة الناس بالثقة في وفرة لا يرون أثرها، بينما تتراجع قدرتهم على الشراء شهرا بعد آخر، ويصبح ضبط الأسواق شعارا متكررا لا تسنده آلية معلنة للمحاسبة أو نتائج قابلة للقياس.
لهذا السبب، تتطلب مواجهة الغلاء نشر خرائط واضحة للمخزون والتكلفة وهوامش الأرباح، وتوسيع المنافسة، وضبط الوسطاء، ودعم المنتجين الصغار، وربط الأجور بتكاليف المعيشة، بدلا من الاكتفاء بمبادرات موسمية لا تغير بنية السوق.
في المحصلة، نجح مدبولي في تقديم رقم كبير للمخزون والاحتياطي، لكنه لم يقدم إجابة تقنع أسرة تعجز عن ملء سلتها، فالأمن السلعي الحقيقي يقاس بقدرة الناس على الشراء، لا بطول مدة التخزين وحدها.

