يكشف ارتفاع الحد الأدنى للأجور في مصر، بحسب المقال المنشور عن الاتحاد العربي للنقابات، عن مفارقة اقتصادية متزايدة؛ فبينما رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور أكثر من مرة في ظل الضغوط التضخمية التي أضعفت دخول الأسر، اتسعت الفجوة بين أجور العاملين في القطاعين العام والخاص، لتبرز مشكلة أعمق تتمثل في أن الأجور لا تزال تُحدد إلى حد كبير نيابة عن العمال بدلًا من التفاوض معهم بشأنها.
ارتفعت أجور ملايين العاملين لدى الدولة إلى الحد الأدنى وهو 8 آلاف جنيه اعتبارًا من الأول من يوليو 2026، بينما بدأ الشهر نفسه بالنسبة إلى ملايين العاملين في القطاع الخاص عند حد أدنى قانوني يبلغ 7 آلاف جنيه، وهو المستوى الذي حدده المجلس القومي للأجور في فبراير 2025 ودخل حيز التنفيذ في مارس من العام نفسه.
ويبدو الفارق على الورق ألف جنيه فقط، لكن القضية في الواقع تتجاوز هذا الفارق بكثير. فهي تتعلق بكيفية تحديد الأجور في بلد عانت فيه الأسر العاملة سنوات من التضخم المتواصل وخفض قيمة العملة، وبمدى قدرة زيادات الأجور القانونية على مواكبة التكلفة الفعلية للغذاء والسكن والنقل وسائر الاحتياجات الأساسية، فضلًا عن الفجوة بين الحق الذي يكفله القانون ومدى تطبيقه فعليًا في أماكن العمل.
والأهم أن القضية تطرح سؤالًا أكثر جوهرية: إلى أي مدى يملك العمال المصريون أنفسهم تأثيرًا في تحديد قيمة عملهم؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن أزمة الأجور في مصر لا تتعلق فقط بما إذا كان الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص سيرتفع من 7 آلاف إلى 8 آلاف أو 8500 جنيه، بل تتعلق بقدرة دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة على بناء نظام لتحديد الأجور يكون العمال فيه شركاء فاعلين، لا مجرد متلقين ينتظرون القرارات.
الحد الأدنى للأجور بين القطاعين العام والخاص.. العاملون في السوق نفسها بأجور مختلفة
رفع المجلس القومي للأجور الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص من 6 آلاف إلى 7 آلاف جنيه شهريًا اعتبارًا من مارس 2025، وقدمت الحكومة القرار باعتباره جزءًا من جهودها للتعامل مع الضغوط الاقتصادية وحماية القوة الشرائية للعمال.
وجاءت الزيادة في ظل أسباب قوية لتطبيقها، بعدما تعرضت الأسر المصرية لصدمة استثنائية في تكاليف المعيشة. فقد أضعفت موجات التضخم المتتالية وانخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية القيمة الحقيقية للأجور بصورة كبيرة.
ولذلك شكلت زيادة الحد الأدنى إلى 7 آلاف جنيه خطوة مهمة.
لكن الحكومة أعلنت لاحقًا رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في الدولة إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو 2026، بينما ظل العاملون في القطاع الخاص بانتظار اجتماع جديد للمجلس القومي للأجور.
وبحلول مطلع أغسطس، لم يُعلن موعد نهائي لاجتماع يحسم الزيادة المقبلة لأجور العاملين في القطاع الخاص، رغم تداول أرقام تتراوح بين 8 آلاف و8500 جنيه في التقارير والنقاشات المصرية المتعلقة بالمجلس.
ولا ينبغي تحويل المسألة إلى منافسة بين العاملين في القطاعين العام والخاص. فموظف الحكومة والعامل في المصنع يشتريان الخبز من السوق نفسها، ويدفعان أجور النقل نفسها، ويحتاج أطفالهما إلى الأدوية نفسها، كما أن مالكي العقارات لا يحددون الإيجار وفقًا لكون دخل المستأجر يأتي من الدولة أو من شركة خاصة.
فالتضخم لا يسأل العامل عن جهة عمله قبل أن يرفع الأسعار.
ولهذا يصبح من الصعب اجتماعيًا تبرير استمرار وجود حدين مختلفين للأجور لفترات طويلة. فإذا خلصت الدولة إلى أن 7 آلاف جنيه لم تعد حدًا أدنى كافيًا لموظفيها، فمن الطبيعي أن يسأل العامل في مصنع أو فندق أو متجر أو شركة خدمات: لماذا يظل هذا المبلغ كافيًا بالنسبة إليّ؟
ارتفاع الحد الأدنى للأجور لا يعني تحسن القوة الشرائية
لا ينبغي تجاهل الجانب الآخر من الصورة. فقد أحرزت مصر تقدمًا ملموسًا في إقرار حد أدنى إلزامي لأجور العاملين في القطاع الخاص ورفع قيمته بصورة متكررة.
وبلغ الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص 2400 جنيه شهريًا في يناير 2022، ثم ارتفع تدريجيًا إلى 2700 و3000 و3500 و6000 جنيه، وصولًا إلى 7 آلاف جنيه في مارس 2025.
ويمثل ذلك، من الناحية الاسمية، زيادة تقارب 192% خلال ما يزيد قليلًا على ثلاث سنوات، وهي زيادة كبيرة لا يمكن اعتبارها تدخلًا بسيطًا في سوق العمل.
ولا ينبغي للنقابات العمالية أن تتجاهل أهمية وجود حد قانوني للأجور، خصوصًا في اقتصاد قد تضعف فيه القدرة التفاوضية للعامل الفرد بصورة شديدة.
وشددت وزارة العمل، عند تطبيق آخر زيادة، على إلزام منشآت القطاع الخاص بحد الـ7 آلاف جنيه، في اتجاه يبتعد عن الاستثناءات الواسعة التي عقدت تطبيق الحد الأدنى للأجور خلال المراحل السابقة.
وتشكل هذه خطوات مهمة، لكن مشكلة الأجور تكمن في أن العاملين لا يشترون بالنسب المئوية، بل يشترون الطعام، ويدفعون الإيجار، ويستخدمون الحافلات والقطارات، ويسددون فواتير الكهرباء وتكاليف التعليم والعلاج.
وما يهم في كل هذه المعاملات ليس الرقم الاسمي المطبوع في قرار زيادة الأجور، وإنما ما يستطيع هذا الرقم شراءه فعليًا.
ماذا تشتري بـ 7 آلاف جنيه؟
تكمن نقطة الضعف الرئيسية في النقاش الحالي في أنه يجري إلى حد كبير بالأرقام الاسمية. فقد يرتفع الأجر بصورة كبيرة على الورق، بينما لا تتحسن قوته الشرائية إلا قليلًا، أو حتى تتراجع، إذا تحركت الأسعار وسعر العملة في الاتجاه المعاكس.
وتقدم مصر مثالًا واضحًا على ذلك. فقد فقد الجنيه جزءًا كبيرًا من قيمته خلال السنوات الماضية، بينما بلغ التضخم السنوي مستويات مرتفعة للغاية خلال الأزمة الاقتصادية. وحتى بعد بدء تراجع معدلات التضخم، ظلت الأسر تواجه مستوى أسعار أعلى بصورة دائمة.
وهنا يظهر فارق مهم: انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ.
ولذلك لا ينبغي أن ينحصر السؤال بالنسبة إلى العاملين في معرفة ما إذا كان التضخم اليوم أقل مما كان عليه عند ذروته، بل في معرفة مقدار القوة الشرائية التي فقدوها خلال الأزمة واستعادوها بالفعل.
ولهذا لا يمكن لسياسة الحد الأدنى للأجور أن تتحول إلى سباق دائم تتحرك فيه الأسعار أولًا ثم تلحق بها الأجور بعد أشهر.
فعندما يجري تعديل الأجر القانوني فقط بعد أن يتحمل العاملون بالفعل خسارة كبيرة في قوتهم الشرائية، يصبح نظام تحديد الأجور نظامًا رد فعل دائمًا.
ويظل العمال في حالة مطاردة مستمرة للأسعار، وغالبًا لا ينجحون في اللحاق بها بالكامل.
الحد الأدنى للأجور ليس سياسة للأجر المعيشي
توجد أيضًا مسألة أخرى ذات أهمية على المستوى الدولي. فالحد الأدنى القانوني للأجور يمثل أرضية لا أكثر، ولا يشكل بمفرده سياسة شاملة للأجور.كما أن وجود حد أدنى قانوني لا يعني تلقائيًا أن كل عامل بدوام كامل يحصل على دخل يكفي لإعالة أسرته بمستوى معيشي مقبول. ولهذا تتجاوز المسألة الحقيقية مجرد تحديد ما إذا كان الرقم المقبل سيبلغ 8 آلاف أو 8500 جنيه.
السؤال الأهم هو: ما المنهجية التي ينبغي أن تعتمدها مصر لتحديد قيمة الحد الأدنى للأجور؟
ينبغي أن يتسم النظام الموثوق بالانتظام والقدرة على التنبؤ. ويجب أن يعرف العمال وأصحاب الأعمال موعد مراجعة الأجور والمؤشرات التي ستدخل في عملية اتخاذ القرار. ويمثل التضخم عاملًا واضحًا في هذه المعادلة، وكذلك تكلفة السلع والخدمات الأساسية.
لكن ينبغي أيضًا أن تدخل الإنتاجية والنمو الاقتصادي والتوظيف والوضع المالي للشركات والتوزيع الأوسع للدخل ضمن الحسابات. وهنا تبرز أهمية مفهوم منظمة العمل الدولية بشأن تحديد الأجور من خلال الحوار الاجتماعي.
فلا ينبغي التعامل مع الأجر باعتباره منحة تقدمها الحكومة أو صاحب العمل، وإنما باعتباره العائد الاقتصادي للعمل، وأحد أهم الآليات التي يجري من خلالها توزيع ثمار النشاط الاقتصادي.
الشركات تواجه الضغوط أيضًا
لا يمكن لأي نقاش جاد حول العمل أن يتجاهل الطرف الآخر من المعادلة. فالقطاع الخاص في مصر ليس كيانًا اقتصاديًا واحدًا. فهناك شركات كبرى تتمتع بإيرادات وقوة سوقية كبيرة، وشركات متوسطة تعمل بهوامش ربح ضيقة، وآلاف المشروعات الصغيرة التي تواجه تكاليف تمويل مرتفعة، وأسعار طاقة أعلى، ومدخلات مستوردة، وتقلبات في أسعار الصرف، وضعفًا في الطلب الاستهلاكي.
وقد تؤثر أي زيادة مفاجئة في الأجور على هذه الشركات بطرق مختلفة للغاية. وتجاهل هذه الحقيقة لا يمثل سياسة عمالية جيدة.
فالحد الأدنى للأجور الذي يدفع شركة صغيرة هشة إلى الإغلاق لا يحمي العامل الذي يفقد وظيفته معها.
لكن الجانب الآخر من المعادلة لا يقل أهمية. فلا يمكن بناء استدامة الشركات إلى أجل غير مسمى على حساب تآكل الأجور الحقيقية للعاملين.
فإذا ظل النموذج الاقتصادي قادرًا على المنافسة فقط لأن العاملين بدوام كامل يحصلون على أجور تقل عما يحتاجون إليه لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية، فإن المشكلة لا تعود مجرد مشكلة أجور. بل تصبح مشكلة في الإنتاجية وخلق القيمة وتوزيع المكاسب الاقتصادية.
ولهذا لا ينبغي أن يكون الخيار بين العمال والشركات القادرة على الاستمرار، وإنما بناء سياسة للأجور ترفع الإنتاجية والأجور معًا، وتوفر دعمًا موجهًا للمشروعات الهشة فعلًا حتى تتمكن من التكيف.
المجلس القومي للأجور والمفاوضة الجماعية.. أين صوت العمال؟
أنشأت مصر المجلس القومي للأجور ليكون إطارًا مؤسسيًا للتعامل مع أحد أكثر الملفات حساسية في أي سوق عمل.
ويمثل وجود هذا الإطار، من حيث المبدأ، تقدمًا مهمًا، لأنه أفضل من ترك ملايين العمال يتفاوضون بصورة فردية مع أصحاب أعمال يتمتعون بقوة تفاوضية أكبر بكثير. لكن قوة المؤسسة الثلاثية لا تتجاوز قوة التمثيل داخلها. وتتوقف شرعيتها على انتظام اجتماعاتها، وجودة وشفافية البيانات الاقتصادية المطروحة أمامها، وقدرة ممثلي الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال على التفاوض بوصفهم شركاء حقيقيين.
وهنا يتقاطع النقاش حول الحد الأدنى للأجور في مصر مع قضية أكثر حساسية سياسيًا، هي حرية التنظيم النقابي. فلا يمكن لدولة أن تبني مفاوضة جماعية قوية في ظل تمثيل عمالي ضعيف.
وإذا كان المقصود بالحوار الاجتماعي أكثر من مجرد التشاور، فإن العمال يحتاجون إلى منظمات قادرة على جمع مطالبهم وتمثيلهم بصورة مستقلة والتفاوض مع أصحاب الأعمال والحكومة، بل والاختلاف مع الطرفين عند الضرورة.
ولا يمكن للحوار الاجتماعي أن يعمل بكامل قوته عندما يكون أحد أطراف الطاولة أضعف هيكليًا من الأطراف الأخرى.
أزمة الأجور في مصر هي أيضًا أزمة صوت
كان يفترض أن ينشئ قانون التنظيمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017 وتعديلاته اللاحقة إطارًا قانونيًا جديدًا لتنظيم العمل النقابي والتعددية النقابية. لكن حرية التنظيم ظلت موضع قلق مستمر لدى الهيئات العمالية الدولية والمنظمات النقابية.
واستمرت التساؤلات بشأن القدرة العملية للنقابات المستقلة على التسجيل والعمل، والشروط المنظمة للتنظيمات النقابية، ومدى قدرة العمال على التنظيم بصورة مستقلة في الواقع، وليس على الورق فقط. وقد يبدو هذا الأمر وكأنه نقاش سياسي أو قانوني منفصل. لكنه ليس كذلك. فهو يرتبط مباشرة بأجر الـ7 آلاف جنيه.
وعندما تضعف المفاوضة الجماعية، يصبح الحد الأدنى القانوني الذي تحدده الحكومة أو المجلس القومي للأجور خط الحماية الأساسي، وأحيانًا شبه الوحيد، لأجور أعداد كبيرة من العمال. أما في سوق عمل تتمتع بمفاوضة جماعية قوية، فيؤدي الحد الأدنى للأجور وظيفة مختلفة. فهو يمثل الأرضية وليس الأجر المعتاد.
وفوق هذه الأرضية تأتي الاتفاقات الجماعية التي تتفاوض عليها النقابات وأصحاب الأعمال وفقًا لظروف الصناعات والمهن والشركات المختلفة، بما يشمل الإنتاجية والربحية والمهارات وساعات العمل والقيمة الاقتصادية التي ينتجها العاملون.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك سياسة للحد الأدنى للأجور وامتلاك سياسة حقيقية للأجور. فالسياسة الأولى تمنع الأجر من الهبوط دون حد قانوني معين. أما الثانية فتحتاج إلى مفاوضة جماعية وتنظيم عمالي ومعلومات اقتصادية موثوقة وقدرة للعمال على التفاوض من أجل الحصول على حصة أكثر عدلًا من القيمة التي ينتجونها.
العامل الذي ينتظر
في غياب هذه المؤسسات، يجد ملايين العمال أنفسهم في وضع سلبي بصورة لافتة. ينتظرون إعلان الحكومة زيادة جديدة، وينتظرون اجتماع المجلس القومي للأجور، وينتظرون أن يحدد المجلس الرقم الجديد.وينتظرون تعليمات التطبيق، وفي بعض أماكن العمل، ينتظرون أيضًا معرفة ما إذا كان صاحب العمل سيلتزم بالقرار.
ويحضر العامل في كل مكان داخل الاقتصاد، فينتج ويبيع وينقل ويبني وينظف ويقدم الخدمات والرعاية، لكنه قد يظل غائبًا بصورة لافتة عن العملية التي تحدد قيمة هذا العمل. وتلك هي الفجوة الديمقراطية الأعمق الكامنة وراء أزمة الأجور في مصر.
قانون عمل جديد واختبار قديم
يمثل قانون العمل المصري الجديد رقم 14 لسنة 2025 محاولة أخرى مهمة لتحديث الإطار القانوني المنظم لعلاقات العمل. ويتضمن القانون أحكامًا مهمة تتعلق بحماية العمال وحقوقهم وأشكال العمل المستحدثة. لكن قانون العمل لا يخضع للاختبار الحقيقي في الجريدة الرسمية، وإنما في أرض المصنع.
هل يعرف العامل الحقوق التي يكفلها القانون؟ وهل يستطيع المطالبة بها دون الخوف من الفصل؟ وهل توجد نقابة قادرة على الدفاع عنه؟ وهل تمتلك أجهزة التفتيش العمالي الانتشار والموارد الكافية؟ وإذا دفع صاحب العمل أقل من الحد الأدنى القانوني، فهل يستطيع العامل الحصول على تعويض أو إنصاف فعال بالسرعة التي تجعل هذا الحق ذا قيمة حقيقية؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة في الاقتصادات التي تضم قطاعات واسعة من العمالة غير الرسمية والهشة. فالعامل الذي لا يملك عقدًا مستقرًا أو حماية اجتماعية حقيقية أو قدرة تفاوضية لا يصبح أكثر أمانًا لمجرد أن البرلمان أقر قانونًا أفضل. ولهذا ينبغي ألا يقاس نجاح الزيادة المقبلة في الحد الأدنى للأجور بعدد الشركات التي يصل إليها القرار، وإنما بعدد العمال الذين يحصلون بالفعل على الأموال التي ينص عليها.
الحرية النقابية مؤسسة اقتصادية
تكشف التجربة المصرية أيضًا أن حرية التنظيم لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ترفًا سياسيًا مجردًا منفصلًا عن السياسة الاقتصادية. فلها تداعيات اقتصادية مباشرة. فالعامل الذي يستطيع التنظيم يستطيع التفاوض. والعامل الذي يستطيع التفاوض تكون أمامه فرصة أكبر للحصول على أجر يعكس مهاراته وإنتاجيته والظروف الاقتصادية في قطاعه. كما تستطيع النقابات القوية تحمل مسؤولية الاتفاقات أمام أعضائها، والمساعدة في حل نزاعات العمل قبل تصاعدها، ومنح أصحاب الأعمال طرفًا تمثيليًا يمكنهم التوصل معه إلى حلول وسط قابلة للتنفيذ.
ولهذا لا ينبغي النظر تلقائيًا إلى التنظيم العمالي المستقل باعتباره مصدرًا لعدم الاستقرار. ففي نظام فعال للحوار الاجتماعي، يمكن للتمثيل العمالي القوي أن يجعل علاقات العمل أكثر قابلية للتنبؤ.
يحتاج المستثمرون الجادون إلى قواعد واضحة، ويحتاج العمال إلى حقوق قابلة للتنفيذ، وتحتاج الحكومات إلى مؤسسات قادرة على تحويل تضارب المصالح الاقتصادية إلى مفاوضات.
وقد يؤدي إضعاف تمثيل العمال إلى الصمت، لكن الصمت لا يعني الاستقرار. فالصراع بين رأس المال والعمل لا يختفي لأن المؤسسات القادرة على التعبير عنه أصبحت أضعف، وإنما يفقد إحدى الآليات التي كان يمكن من خلالها إدارته.
الاقتصاد غير الرسمي يغير المعادلة
توجد مشكلة أخرى تزيد النقاش المصري حول الأجور إلحاحًا، تتمثل في وجود نسبة كبيرة من العمالة خارج نطاق علاقات العمل الرسمية التقليدية. وبالنسبة إلى هؤلاء العمال، قد يبدو النقاش حول ما إذا كان الحد الأدنى القانوني يبلغ 7 آلاف أو 8 آلاف أو 8500 جنيه نقاشًا نظريًا إلى حد كبير.
فالحد الأدنى القانوني للأجور لا يحمي إلا من يستطيع الدولة إدخالهم فعليًا ضمن نطاق تطبيقه. ولهذا تصبح عملية دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، والتفتيش العمالي، والتأمينات الاجتماعية، وآليات تقديم الشكاوى الميسرة، عناصر لا تنفصل عن سياسة الأجور.
فإذا نص القانون على أجر قدره 8 آلاف جنيه، بينما يحصل عامل في ورشة غير رسمية على مبلغ أقل بكثير، ولا يملك عقدًا مكتوبًا ويخشى الفصل إذا تقدم بشكوى، فإن الرقم القانوني لن يوفر له حماية فورية تذكر.
ولهذا لا ينبغي اعتبار إنفاذ القانون مرحلة إدارية تأتي بعد وضع سياسة الأجور، بل جزءًا أساسيًا من سياسة الأجور نفسها.
القضية لا تتعلق في الحقيقة بألف جنيه
ينبغي ألا يتحول الاجتماع المقبل للمجلس القومي للأجور إلى مجرد عملية لإضافة ألف جنيه أخرى إلى الرقم الحالي ثم إغلاق الملف إلى أن تضرب البلاد موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة. فمصر تحتاج إلى نقاش أوسع. وتحتاج إلى آلية شفافة وقابلة للتنبؤ لمراجعة الحد الأدنى للأجور، تستند إلى مؤشرات اقتصادية واجتماعية معلنة. كما تحتاج إلى آليات إنفاذ قادرة على الوصول إلى العمال في المنشآت الصغيرة والقطاعات التي يصعب مراقبة الالتزام فيها، وإلى استراتيجية لإدماج العاملين في الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا ضمن أنظمة العمل والحماية الاجتماعية.
وتحتاج كذلك إلى سياسات تساعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على الاستمرار في استيعاب ارتفاع تكاليف العمالة من خلال زيادة الإنتاجية وتحسين التمويل والتحديث التكنولوجي، بدلًا من الاعتماد بصورة دائمة على خفض الأجور الحقيقية.
لكن الأهم من ذلك كله هو تعزيز المفاوضة الجماعية وتوسيع المجال أمام التمثيل الحقيقي للعمال؛ فالأجور ينبغي أن تكون نتاجًا للحوار، والحوار يحتاج إلى تمثيل، والتمثيل يحتاج إلى حرية التنظيم. وعندما تُزال حلقة واحدة من هذه السلسلة، يصبح الحوار الاجتماعي مختلًا من الناحية الهيكلية.
السؤال الذي لا تستطيع زيادة جديدة للأجور الإجابة عنه
أدى رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع العام إلى 8 آلاف جنيه إلى زيادة الضغط على المجلس القومي للأجور لمراجعة أجور العاملين في القطاع الخاص. ولا ينبغي تأجيل هذه المراجعة إلى أجل غير مسمى. لكن سد الفارق البالغ ألف جنيه بين العاملين في القطاعين العام والخاص لن يحل المشكلة الأعمق.
فحتى إذا ارتفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص إلى 8 آلاف أو 8500 جنيه غدًا، ستعود مصر إلى النقاش نفسه إذا ظلت عملية تحديد الأجور تتحرك فقط بعد أن تكون الأسعار قد ألحقت خسارة جديدة بالقوة الشرائية للأسر.
ولا تحتاج مصر ببساطة إلى حد أدنى جديد للأجور، بل تحتاج إلى سياسة حقيقية للأجور تتعامل مع الأجور باعتبارها جزءًا من العدالة الاجتماعية، لا مجرد تكلفة من تكاليف الإنتاج. وسياسة تعترف بالقيود المشروعة التي تواجه الشركات دون أن تطلب من العمال تحمل هذه القيود بصورة دائمة عبر تراجع دخولهم الحقيقية وتربط تطور الأجور بالقوة الشرائية والإنتاجية. وسياسة تجعل الحد الأدنى القانوني أرضية قابلة للإنفاذ، مع إتاحة المجال أمام المفاوضة الجماعية لبناء مستويات أجور أعلى منها. وسياسة تمنح العمال، والمنظمات التي يختارونها بحرية، دورًا حقيقيًا في تحديد القيمة الاقتصادية لعملهم.
وعندما يجتمع المجلس القومي للأجور في نهاية المطاف، سينصب اهتمام الرأي العام حتمًا على رقم واحد. هل سيبلغ الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص 8 آلاف جنيه؟ أم 8500 جنيه؟ أم رقمًا آخر؟
لكن الأسئلة الأهم في مصر لا يمكن أن تجيب عنها الأرقام.
هل يستطيع الإنسان الذي يعمل بدوام كامل أن يعيش بكرامة من دخله؟ وهل يمتلك هذا العامل صوتًا حقيقيًا عندما يجري تحديد قيمة عمله؟
ما لم تعالج مصر السؤالين معًا، فقد تواصل رفع الحد الأدنى القانوني للأجور عامًا بعد آخر، بينما تظل أزمة الأجور الأساسية قائمة. فالفجوة الحقيقية في مصر لا تتمثل فقط في الفرق بين 7 آلاف و8 آلاف جنيه، وإنما بين اقتصاد تُمنح فيه الزيادات للعاملين بصورة دورية، واقتصاد يستطيع فيه العمال التفاوض فعليًا على قيمة أجورهم.
https://arabtradeunion.org/news/in-egypt-wages-are-rising-the-cost-of-living-is-rising-faster-and-workers-have-too-little-say/

