أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، بزيادة نحو 1.2 مليار دولار خلال شهر، مسجلا أعلى مستوى تاريخي ومواصلا الارتفاع للشهر 47 على التوالي.
ويأتي الرقم القياسي بينما لا تزال أسر مصرية تواجه ارتفاع الأسعار وضغوط الإنفاق وتراجع القوة الشرائية، ما يفتح فجوة واضحة بين المؤشرات التي تعلنها الحكومة وبين الواقع اليومي لمواطن ينتظر انعكاس تلك المليارات على دخله ومعيشته.
احتياطي بلا رفاهية
وبداية يمثل ارتفاع الاحتياطي دعما لقدرة البنك المركزي على مواجهة الصدمات الخارجية وتوفير العملات اللازمة للواردات وسداد الالتزامات، لكنه لا يعني أن الأموال المتراكمة يمكن تحويلها مباشرة إلى زيادات في الرواتب أو إنفاق استهلاكي.
وفي المقابل ارتفع الاحتياطي من 55.072 مليار دولار بنهاية يونيو إلى 56.294 مليار دولار في يوليو، بعدما كان قد سجل 53.134 مليار دولار في مايو، بما يعكس تسارعا ملحوظا في نمو السيولة الأجنبية خلال الشهرين الأخيرين.
ومن الناحية العملية يعتمد الاحتياطي على سلة من العملات الأجنبية والذهب وحقوق السحب الخاصة، ويستخدم أساسا لحماية قدرة البلاد على تمويل احتياجاتها الخارجية وليس بوصفه رصيدا متاحا للحكومة لتوزيعه على المواطنين.
كما أن قوة الاحتياطي تساعد في تعزيز الثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتمنح البنك المركزي مساحة أكبر للتعامل مع اضطرابات سوق الصرف أو الأزمات الخارجية التي قد تضغط بصورة مفاجئة على موارد العملة الأجنبية.
وفي هذا السياق يرى فخري الفقي رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب السابق أن تدفقات النقد الأجنبي وتحويلات المصريين تمثل صمام أمان للاقتصاد وتدعم استقرار سوق الصرف، لكنه يربط تحسن معيشة المواطنين بمواجهة التضخم وزيادة النشاط الاقتصادي.
وبالتالي لا يستطيع المواطن قياس نجاح الاحتياطي بحجمه وحده، لأن معيار الأسرة يظل سعر الغذاء والسكن والمواصلات ومستوى الأجر الحقيقي، وهي مؤشرات قد تتحرك في اتجاه مختلف عن الأرقام المعلنة داخل ميزانية البنك المركزي.
ومن ثم فإن استمرار ارتفاع الاحتياطي لمدة 47 شهرا يقدم صورة إيجابية عن قدرة الدولة على تجميع موارد دولارية، لكنه لا يقدم وحده إجابة عن جودة تلك الموارد أو مدى استدامتها دون تمويلات واستثمارات استثنائية.
الأسعار تلتهم التحسن
وعلى صعيد المعيشة يبقى التضخم أحد أهم الحواجز بين تحسن المؤشرات النقدية وشعور المواطن بالراحة، لأن تراجع معدل ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة عودة السلع إلى مستوياتها القديمة أو استعادة الأسر قوتها الشرائية السابقة.
إضافة إلى ذلك تحملت الأسر خلال السنوات الماضية موجات متتابعة من زيادات الوقود والكهرباء والنقل والخدمات، لذلك فإن استقرار العملة أو تحسن الاحتياطي يحتاج إلى وقت طويل قبل أن يعوض الخسائر التي أصابت الدخول الحقيقية.
وفي هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن انخفاض التضخم وحده لا يكفي لخفض الأسعار، مشددا على أن التحسن الحقيقي يحتاج إلى زيادة الإنتاج والاستثمار والتصدير وتشغيل عناصر الاقتصاد بصورة أكثر كفاءة واستدامة.
وبحسب توفيق فإن السياحة والصادرات ساهمتا في زيادة موارد الدولة الأجنبية، لكنه يعتبر أن تلك الزيادات لا تكفي وحدها لإحداث طفرة ملموسة في الناتج أو خفض الأسعار ما لم تتسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.
وعلاوة على ذلك فإن ارتفاع الاحتياطي قد يحمي الدولة من أزمة نقص العملة الأجنبية دون أن يمنع ارتفاع تكلفة السلع محليا، خصوصا عندما ترتبط الأسعار بتكاليف الطاقة والنقل والفائدة والضرائب وهوامش الإنتاج والتوزيع داخل السوق.
وفي الوقت نفسه لا يؤدي توافر الدولار لدى البنك المركزي تلقائيا إلى انخفاض سعر كل سلعة، لأن المنتج يحسب تكلفته وفق عناصر متعددة بينها الخامات والأجور والتمويل والكهرباء والنقل والتوقعات المستقبلية للأسعار وسعر الصرف.
ولهذا قد يرى المواطن أخبارا عن مستويات تاريخية للاحتياطي بالتزامن مع زيادة فاتورة المنزل، وهو تناقض ظاهري تفسره الفجوة بين الاستقرار النقدي على مستوى الدولة وبين تكلفة المعيشة التي تواجهها الأسرة بصورة يومية.
وبناء على ذلك يصبح الاختبار الحقيقي هو قدرة الحكومة على تحويل الاستقرار النقدي إلى انخفاض مستدام للتضخم وارتفاع الأجور الحقيقية وزيادة فرص العمل، بدلا من الاكتفاء بعرض الاحتياطي بوصفه دليلا منفردا على التعافي.
مصادر الدولار تحت الاختبار
ومن زاوية أخرى لا تتساوى مصادر الاحتياطي في تأثيرها طويل الأجل، لأن الدولار الناتج عن تصدير سلعة أو خدمة بصورة مستدامة يختلف اقتصاديا عن تدفق مؤقت مصدره قرض أو بيع أصل أو استثمار استثنائي.
كما لعبت تحويلات المصريين بالخارج دورا متزايدا في دعم موارد النقد الأجنبي، بعدما سجلت خلال الفترة من يوليو إلى مايو من السنة المالية الحالية نحو 43.1 مليار دولار بزيادة ملحوظة عن الفترة المقارنة.
ومن جانب آخر استفادت السيولة الدولارية من الاستثمارات الأجنبية والتمويلات الدولية وتدفقات السياحة والصادرات، وهي موارد تعزز قدرة البنك المركزي على بناء الاحتياطيات لكنها تختلف فيما بينها من حيث التكلفة والاستمرارية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد.
وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن ارتفاع الاحتياطي يمثل مؤشرا مهما على تحسن قدرة الدولة في التعامل مع احتياجاتها الدولارية، لكنه يربط قوة الاقتصاد باستمرار جذب الاستثمار وتوليد موارد أجنبية مستقرة.
وفوق ذلك تكشف بيانات يونيو عن ارتفاع قيمة العملات الأجنبية داخل الاحتياطي إلى نحو 37.8 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الذهب نحو 16.8 مليار دولار، ما يوضح أن تغير أسعار الأصول يؤثر أيضا في القيمة النهائية للاحتياطي.
غير أن الاعتماد الكبير على القروض أو التدفقات المؤقتة يظل محل انتقاد اقتصادي، لأن الاحتياطي قد يرتفع لحظة دخول الأموال ثم يتراجع لاحقا عند سداد أقساط الديون والفوائد أو خروج استثمارات قصيرة الأجل.
ولذلك تحتاج الحكومة إلى زيادة الصادرات الصناعية والسياحة والاستثمارات الإنتاجية والتكنولوجيا والخدمات القابلة للتصدير، لأنها مصادر تستطيع توليد الدولار بصورة متكررة دون إضافة التزامات جديدة على الموازنة أو زيادة أعباء الدين الخارجي.
وفي المقابل يمكن لتحسن موارد العملة الأجنبية أن يصل إلى المواطن تدريجيا إذا ساهم في استقرار الجنيه وتقليل تكلفة الاستيراد وتوفير مستلزمات الإنتاج ومنع أزمات نقص السلع، بشرط وجود منافسة تسمح بانتقال التراجع إلى الأسعار.
وعليه فإن وصول الاحتياطي إلى 56.3 مليار دولار يمثل مكسبا نقديا واضحا للبنك المركزي، لكنه يظل بعيدا عن كونه شهادة نهائية على تحسن الاقتصاد طالما بقيت الأسر تقيس حياتها بأجورها الحقيقية وأسعار احتياجاتها الأساسية.
وفي المحصلة لا تكمن القضية في التقليل من أهمية الرقم التاريخي، وإنما في السؤال عن كيفية بنائه واستخدامه، وما إذا كان سيصبح قاعدة لنمو إنتاجي طويل الأجل أم مجرد مظلة لسداد الالتزامات ومواجهة الصدمات الخارجية.
وأخيرا لن يشعر المواطن بقيمة 56.3 مليار دولار بمجرد إعلانها، وإنما عندما يراها في استقرار الأسعار وفرص العمل وارتفاع الدخول وتحسن الخدمات، فنجاح الاحتياطي يبدأ في البنك المركزي لكنه لا يكتمل إلا داخل بيوت المصريين.

