كشفت حملة عايز أتنفس الحقوقية عن تكدس يصل إلى 400% داخل أقسام الشرطة و160% في السجون المصرية، محذرة من أن موجات الحر وانعدام التهوية يحولان أماكن الاحتجاز إلى بيئات تهدد حياة آلاف المحتجزين.

 

وتفضح الحملة منظومة احتجاز تنزع عن الإنسان أبسط شروط البقاء، إذ لا تكتفي السلطة بسلب الحرية، بل تترك المعتقلين تحت رحمة الاختناق والحرمان الطبي، في انتهاك يحمل الدولة مسؤولية مباشرة عن كل تدهور أو وفاة.

 

وبداية، تشير شهادات متداولة إلى احتجاز أكثر من 50 شخصًا داخل زنازين لا تتسع إلا لنحو 20، بما يقلص المساحة والهواء المتاحين، ويرفع مخاطر الإغماء والعدوى والأزمات التنفسية، خصوصًا بين المرضى وكبار السن.

 

وبالتالي، تصبح درجات الحرارة التي تتجاوز 44 درجة خارج السجون أشد قسوة داخل الزنازين المغلقة، حيث تقول الحملة إن الإحساس الحراري قد يتخطى 50 درجة بفعل التكدس والرطوبة وضعف حركة الهواء وانعدام وسائل التبريد.

 

كما أن بقاء المحتجزين ساعات طويلة داخل غرف ضيقة ذات نوافذ محدودة يحول موجات الحر إلى عقوبة إضافية غير منصوص عليها، ويجعل التنفس والنوم والحركة احتياجات شبه مستحيلة بدل كونها حقوقًا أساسية مكفولة لكل إنسان.

 

وفي المقابل، لا تنشر وزارة الداخلية بيانات حديثة مفصلة عن كثافة الإشغال داخل كل سجن وقسم شرطة، بينما تظل الزيارات الحقوقية المستقلة مقيدة، ما يمنع التحقق المنتظم من الأوضاع ويترك روايات المحتجزين دون رقابة علنية كافية.

 

حرارة خلف الجدران

 

ويرى الحقوقي محمد زارع أن غياب الرقابة المستقلة عن أماكن الاحتجاز يوسع مساحة الانتهاكات ويضعف المحاسبة، لأن السماح بزيارات مفاجئة ونشر بيانات السجون يمثلان شرطين أساسيين لحماية المحتجزين ومنع سوء المعاملة والإهمال الطبي.

 

ومن ناحية أخرى، تؤكد شهادات محتجزين سابقين أن نافذة صغيرة قد تكون المنفذ الوحيد للهواء داخل الزنزانة، بينما يؤدي إغلاقها أو حجبها إلى اختناق جماعي، خاصة عندما يبقى عشرات الأشخاص محصورين داخل مساحة لا تسمح بالحركة.

 

وعلاوة على ذلك، تنذر الحرارة المرتفعة بتفاقم أمراض القلب والصدر والضغط والسكري، فيما يضاعف نقص المياه وتأخر العلاج خطورة الجفاف والإجهاد الحراري، ويحول أي أزمة صحية بسيطة إلى تهديد مباشر للحياة.

 

وبحسب الحملة، فإن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة هم الأكثر تعرضًا للخطر، لأن أجسادهم أقل قدرة على تحمل الحرارة ونقص الأكسجين، بينما قد يؤدي تأخر نقلهم إلى المستشفى إلى مضاعفات قاتلة كان يمكن تجنبها.

 

وفي السياق نفسه، أعادت سارة عثمان نشر دعوة للتضامن مع السجناء الذين يعانون التكدس والحر وظروف الاحتجاز غير الآدمية، مؤكدة أن المطالبة بالتهوية ليست ترفًا، بل دفاع عن حق المحتجزين في الحياة والسلامة.


 

ومع ذلك، تتعامل الجهات الرسمية غالبًا مع الشكاوى باعتبارها مبالغات أو ادعاءات معادية، بدل فتح تحقيقات مستقلة وإعلان نتائجها، وهو نهج يعمق فقدان الثقة ويترك الأسر عاجزة عن معرفة حقيقة أوضاع ذويها.

 

تكدس يتجاوز الحدود

 

ويقول الحقوقي محمد لطفي إن ظروف الاحتجاز يجب أن تخضع للمعايير القانونية نفسها مهما كانت التهمة، لأن الدولة تظل مسؤولة عن حياة كل شخص تحت سيطرتها، ولا يجوز استخدام الخصومة أو الاتهام مبررًا للإذلال أو الحرمان.

 

وبناء على ذلك، تكتسب أرقام التكدس المنسوبة إلى تصريحات رسمية سابقة خطورة مضاعفة، إذ بلغ الإشغال داخل أقسام الشرطة 400% وفي السجون 160%، وهي نسب تعني عمليًا تجاوز القدرة الاستيعابية بمستويات تهدد الصحة العامة. 

 

ومن ثم، لا يعود نقص الأكسجين مجرد وصف، بل نتيجة متوقعة لتكديس عشرات الأجساد في غرف مغلقة، خصوصًا مع ارتفاع الرطوبة وغياب المراوح، ما يزيد انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية ويقوض فرص النوم والنظافة.

 

إضافة إلى ذلك، نقل حزب تكنوقراط مصر عن سامية هاريس دعوتها للمشاركة في الحملة، معتبرة أن الانتهاكات تجاوزت حدود الإنسانية، وأن المجتمع يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه المحتجزين الذين يقضون أعمارهم خلف الأسوار.


 

وفي الوقت ذاته، نشر محمد الصغير وصفًا مصورًا لأوضاع الزنازين، ركز فيه على الحرمان من الرعاية الصحية والتهوية والتنفس الآمن، معتبرًا أن ما يجري يحول أماكن الاحتجاز إلى بيئات تناقض أبسط معايير الحياة الطبيعية.


 

غير أن الأرقام المتعلقة بإجمالي المعتقلين والوفيات تحتاج دائمًا إلى تدقيق مستقل، في ظل غياب قاعدة بيانات حكومية شفافة، وهو ما يجعل فتح السجون للرقابة ونشر السجلات الرسمية ضرورة لحسم الجدل وحماية الحقوق. .

 

حق الحياة أولًا

 

وتؤكد المحامية الحقوقية راجية عمران أن ضمانات المحاكمة العادلة لا تنفصل عن سلامة المحتجزين، لأن الحبس لا يلغي الحق في العلاج والتريض والزيارة والتواصل، ولا يمنح أجهزة الدولة سلطة تعريض الإنسان للمرض أو الإهانة.

 

ولهذا، تستعيد الحملة زخمها الذي ظهر خلال صيف 2016، حين حذر ناشطون من تحول العنابر إلى مساحات للموت البطيء، وربطوا بين الحرارة الشديدة والتكدس وإغلاق منافذ الهواء ووقوع حالات اختناق داخل السجون. .

 

وفوق ذلك، كتب سيف الحق منشورًا غاضبًا هاجم فيه السلطة واتهمها باختطاف المعارضين واحتجاز المرضى والنساء والشيوخ، مستندًا إلى شعار الحملة بوصفه تعبيرًا عن رفض القمع والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.

 

https://x.com/Engr_Saif_Elhaq/status/2081473117415768503

 

وموازاة مع ذلك، نشر ناشطون شهادات عن معاناة أسر تقف ساعات أمام سجن برج العرب تحت الشمس لزيارة أبنائها، بما يكشف أن العقوبة غير المعلنة تمتد إلى العائلات التي تواجه الإذلال والانتظار والحرمان.

 

https://facebook.com/sara.ab5/posts/10153394455691152?pnref=story

 

وفي هذا الإطار، تعيد عبارة الهواء ليس امتيازًا ورؤية الشمس ليست جريمة تعريف جوهر الأزمة، لأن حماية المحتجز لا تتطلب امتيازات استثنائية، بل تنفيذ الحد الأدنى من القواعد التي تمنع التعذيب والمعاملة القاسية.

 

كذلك، تلزم المعايير الإنسانية إدارة السجون بتوفير مساحة وتهوية ومياه ورعاية صحية وتريض مناسب، بينما يستدعي ارتفاع الحرارة إجراءات عاجلة تشمل تقليل التكدس وفتح منافذ الهواء ونقل المرضى إلى أماكن أكثر أمانًا.

 

إزاء ذلك، تتحمل النيابة العامة والمجلس القومي لحقوق الإنسان مسؤولية إجراء زيارات فعلية ومفاجئة، وتوثيق درجات الحرارة وكثافة الزنازين والحالات المرضية، ثم إعلان النتائج للرأي العام بدل الاكتفاء بجولات مرتبة سلفًا.

 

وأخيرًا، تؤكد حملة عايز أتنفس أن الحرية المسلوبة بحكم أو حبس احتياطي لا تعني سقوط الكرامة، وأن الصمت أمام الاختناق والتكدس يجعل مؤسسات الدولة شريكة في معاناة يمكن منعها بإجراءات بسيطة وملزمة.

 

وفي المحصلة، لا تطلب الحملة سوى حق لا يجوز التفاوض عليه، وهو أن يظل المحتجز حيًا وقادرًا على التنفس، لأن الزنزانة ليست قبرًا، والدولة التي تحرس أبوابها مسؤولة قانونيًا وأخلاقيًا عمن يعيشون خلفها.