أحالت النيابة العامة في القاهرة معاون خدمة بشركة نيركو إلى المحاكمة، بعد اتهامه ببيع نحو 600 كيلو من مستندات معاملات قيمتها 600 مليون جنيه مقابل 4200 جنيه، ما أدى إلى فرمها وتعذر استعادتها.

 

وتكشف الواقعة وجها فادحا لإدارة المال العام تحت سلطة توسع نفوذها الاقتصادي بينما تتآكل أدوات الرقابة، فيدفع المواطن كلفة الفساد مرتين، مرة من الضرائب ومرة من ضياع أصول يفترض أنها مملوكة له.

 

وبحسب أوراق القضية رقم 3969 لسنة 2025 جنايات الوايلي، استولى المتهم ع أ على ملفات تخص الإدارات المالية والتسويقية والأرشيف، قبل نقلها تدريجيا عبر السلم الخلفي خلال فترات خلت فيها المكاتب من الموظفين.

 

وفي المقابل، باع الموظف الكمية الضخمة باعتبارها مخلفات ورقية لعامل نظافة يدعى رمضان حسن محمد، مقابل 4200 جنيه، ثم أعاد المشتري بيعها إلى شخص مجهول انتهى بها إلى أحد مصانع تدوير الورق.

 

وعقب ذلك، تعرضت الأوراق للفرم الكامل، فأصبحت استعادتها مستحيلة، بينما ظلت محتوياتها موضع تساؤلات واسعة، خصوصا أنها شملت عقودا ودفاتر ومستخلصات وبيانات مالية قادرة على كشف حركة أموال الشركة والتزاماتها الضريبية.

 

ومع اتساع التحقيقات، انتقلت القضية من اتهام موظف محدود الصلاحيات إلى شبهة عملية منظمة، بعدما بدا نقل 600 كيلو من المستندات على مراحل فعلا يصعب تنفيذه دون ثغرات رقابية أو مساعدة أو تجاهل متعمد.

 

 

ثغرات الحفظ والرقابة

 

وبداية، يثير خروج هذه الكمية من مقر الشركة سؤالا مباشرا عن مسؤولي الأمن الإداري ومديري الأرشيف والمراجعة الداخلية، وعن غياب سجلات التسليم والاستلام والكاميرات وآليات حصر الملفات التي تمنع اختفاء وثيقة واحدة، لا مئات الكيلوجرامات.

 

ومن زاوية قانونية، يؤكد المستشار محمد قطب في شروحاته لقضايا المحررات أن تحديد القصد الجنائي ومسار تداول المستندات عنصران حاسمان، وهو ما يجعل تتبع المتدخلين والمستفيدين ضرورة تتجاوز الاكتفاء بالفاعل المباشر وحده.

 

كما أن إقرارا منسوبا إلى المتهم، وثبتت صحته فنيا، زاد القضية غموضا، بعدما كتب بصياغة بدت مرتبة ومحددة، ثم اختفى صاحبه وأغلق هاتفه، بما يفتح الباب لفحص ظروف تحريره ومن ساعده.

 

فضلا عن ذلك، لا يفسر ثمن البيع الزهيد الدافع الحقيقي وراء الاستيلاء، لأن 4200 جنيه لا تتناسب مع المخاطرة الجنائية ولا مع حجم الجهد المطلوب لنقل الأوراق، ما يرجح أن التخلص منها كان الهدف الأهم.

 

لذلك، يصبح التحقيق في هوية المشتري المجهول ومسار الشحنة إلى مصنع التدوير مدخلا أساسيا، إذ يمكن لبيانات الاتصالات والكاميرات وسجلات النقل والمدفوعات أن تكشف من وجه العملية ومن استفاد فعليا من محو الأدلة.

 

ومن ثم، فإن حصر الاتهام في معاون خدمة قد يحول القضية إلى كبش فداء إداري، بينما تبقى المسؤولية الأوسع معلقة فوق قيادات سمحت بانهيار منظومة الحفظ، أو سكتت عن إخراج ملفات بهذه الضخامة.

 

 

شبهات مالية وضريبية

 

وفي سياق متصل، تزامن إعدام الأرشيف مع نزاعات ضريبية تواجهها الشركة، بحسب المعلومات المتداولة في أوراق القضية، ما يرفع أهمية فحص الإقرارات السابقة ومطابقتها مع حسابات البنوك وعقود الأراضي ومستخلصات المقاولين وسجلات المبيعات.

 

وبدوره، يشدد خبير الحوكمة محمد مصطفى في طرحه المهني على أن الرقابة الداخلية تبدأ بتحديد الصلاحيات وتوثيق حركة المستندات، وهي قواعد تكشف الواقعة غيابها أو تعطيلها داخل شركة تتعامل بأصول عامة كبيرة.

 

إضافة إلى ذلك، تحوم الشبهات حول عقود شراء أراض ودفاتر عمولات وأرصدة مبيعات نقدية، وهي ملفات لا تمثل أوراقا إدارية عادية، بل أدلة محاسبية قد تحدد ضرائب مستحقة أو عمولات مشبوهة أو فروقا مالية.

 

وبناء على ذلك، ينبغي أن تمتد المراجعة إلى النسخ الإلكترونية والمراسلات المصرفية وملفات الضرائب وسجلات الشهر العقاري، لأن فرم النسخ الورقية لا يعني بالضرورة اختفاء أثر المعاملات من قواعد بيانات الجهات المتعاملة مع الشركة.

 

غير أن تأخر اكتشاف النقص يطرح شبهة إضافية بشأن دور المراجعين الداخليين والخارجيين، إذ يفترض أن تكشف المطابقات الدورية أي فجوة في العقود أو الفواتير أو دفاتر التحصيل قبل تحولها إلى كارثة جنائية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن توقيع غرامات مالية على الشركة بسبب فقد السجلات لا يعاقب المسؤولين وحدهم، بل يستنزف أموالا عامة ويقلص قيمة الأصول المملوكة لجهات حكومية ومؤسسات مالية يفترض أنها تحمي حقوق المواطنين.

 

لهذا، لا تكفي إحالة موظف واحد للمحاكمة دون إعلان نتائج مراجعة شاملة تحدد قيمة الضرر، وطبيعة المستندات المفقودة، والصفقات المرتبطة بها، وأسماء المسؤولين الذين كانت تحت سيطرتهم وقت اختفائها أو إعدامها.

 

 

مسؤولية القيادات المالكة

 

أما على مستوى الملكية، فإن خضوع نيركو لجهات عامة يضع وزارة قطاع الأعمال العام وبنك مصر ومصر لتأمينات الحياة أمام واجب تفسير كيفية انهيار الأرشيف، ومن راقب مجالس الإدارة، ومن اعتمد الحسابات والميزانيات.

 

وفي هذا الإطار، يطالب الخبير الاقتصادي هاني توفيق باستمرار بتشديد الرقابة على الشركات التي تمس أموال الجمهور، وهو مبدأ يجعل الصمت المؤسسي في قضية نيركو تقصيرا يضاعف الشكوك بدلا من احتوائها.

 

وبالتالي، يفترض أن تشمل المساءلة رؤساء مجالس الإدارة السابقين والحاليين، والمستشارين القانونيين، ومديري المالية والتسويق والأرشيف والأمن، لأن كل حلقة منهم امتلكت صلاحية أو معلومة أو مسؤولية كان يمكنها منع الجريمة.

 

وعلى صعيد آخر، تكشف الواقعة هشاشة خطاب الدولة عن الحوكمة والتحول الرقمي، إذ لا معنى لميكنة مزعومة تسمح باختفاء عقود قيمتها 600 مليون جنيه دون نسخة مؤمنة أو سجل حركة أو إنذار مبكر.

 

وفوق ذلك، يظل الموظفون وصغار المساهمين والمواطنون المتضرر الأكبر، لأن أي غرامات أو خسائر أو تجميد للمشروعات ينعكس على فرص العمل وقيمة الأصول، بينما قد يفلت أصحاب القرار الحقيقيون خلف متهم محدود الدرجة.

 

وفي المحصلة، تحتاج التحقيقات إلى نشر بيان واضح يحدد نطاق المستندات المفقودة وقيمتها ومراحل تداولها، مع التحفظ على الأصول المرتبطة بالمعاملات المشكوك فيها، ومنع أي مسؤول محتمل من العبث بأدلة بديلة.

 

وأخيرا، لن تستعيد الدولة ثقة المواطنين بمحاكمة الحلقة الأضعف وحدها، بل بكشف شبكة المسؤوليات كاملة واسترداد الأموال ومعاقبة من خطط وسهل وتستر، وإعلان كيف تحولت شركة عامة إلى مخزن أوراق مفتوح أمام الإعدام.