تحاصر المياه الجوفية المرتفعة مدنًا ليبية وتحوّل شوارعها ومنازلها وأراضيها الزراعية إلى مساحات مهددة، بينما تتقدم مشروعات الإعمار فوق تربة مثقلة بالتسربات والهبوط وميراث طويل من الإهمال.
وتتسع المخاوف مع استمرار تنفيذ الطرق والجسور والإسكان والمرافق في مناطق متضررة، من دون أن تبدو معالجة الخلل المائي جزءًا حاسمًا ومسبقًا من تخطيط البناء وإعادة الإعمار.
وفي أجدابيا وزليتن وسلوق وسوكنة وبئر الغنم، لا تبدو المشكلة مجرد تجمعات مياه عابرة، بل أزمة بنية أساسية تهدد استقرار التربة وتضاعف كلفة أي مشروع جديد.
كما أن غرق الشوارع والمنازل لا يضع السكان أمام معاناة يومية فقط، بل يفضح عجز السياسات القائمة عن صيانة الشبكات ومنع التسربات قبل تحولها إلى خطر يطارد المدن.
خطر جيولوجي يبتلع الطرق والمساكن
ويحذر الدكتور صالح مهني، رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا، من خطر جيولوجي يهدد التربة والمنشآت والبنية التحتية بصورة مباشرة.
ويؤكد مهني أن الخطر لا يقف عند المباني القائمة، بل يمتد إلى المشروعات المستقبلية، خصوصًا مع ظهور تشققات وهبوط في الطرق والمباني وانخفاض مناسيب بعض الساحات العامة.
ومن ثم، تصبح أعمال الرصف والإنارة وإنشاء التقاطعات بلا ضمان حقيقي ما لم تسبقها دراسة دقيقة لطبيعة الأرض وحركة المياه ومصادر تغذية الخزان الجوفي تحت المدينة.
وتشير الوقائع إلى أن المياه بلغت أقبية بعض المنازل وأثرت في الأساسات والهياكل الخرسانية، بما يضع سلامة الأسر أمام تهديد مستمر لا تعالجه الوعود الإنشائية.
كما ينتقد مهني تجاهل الاحتياطات الهندسية في المناطق المتضررة، معتبرًا أن أي بناء من دون عزل للأساسات ونزح للمياه وحماية للمنشآت يكرر الأزمة بدل احتوائها.
وبذلك، تبدو خطط الإعمار مهددة بتحولها إلى إنفاق جديد فوق أرض رخوة، إذا لم تُدرج المعلومات الجيولوجية والهيدروجيولوجية والطبوغرافية داخل قرارات التخطيط العمراني.
التسرب والإهمال يضاعفان كلفة الإعمار
وفي جذور الأزمة، ترتبط زيادة منسوب المياه بارتفاع الاستهلاك داخل المناطق السكنية الكثيفة، حيث تتسرب كميات متواصلة إلى التربة وتضغط على الخزانات الجوفية.
كما تسهم شبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة وضعف الصيانة والتوصيلات غير النظامية في ضخ مياه إضافية تحت الأحياء، ثم تترك السكان يواجهون نتائجها وحدهم.
ويشدد الدكتور صالح مهني، بوصفه رئيس اللجنة الفنية المختصة في أجدابيا، على أن التوسع العمراني بلا ضبط للشبكات المتهالكة يمثل سياسة قصيرة النظر تهدر المال العام.
وفي هذا السياق، لا تكفي صيانة واجهات الطرق أو افتتاح مشروعات جديدة، طالما بقيت الأنابيب المتآكلة والتسربات الخفية تعمل تحت الأرض على تقويض ما يجري بناؤه فوقها.
كذلك تكشف الأزمة تراجع البنية الأساسية خلال العقود الأخيرة من حكم معمر القذافي، حين تراكم ضعف الصيانة وتآكل الشبكات والطرق من دون حلول قادرة على وقف التدهور.
ثم تفاقم الانهيار بعد أحداث فبراير 2011، مع الانقسام والصراعات المسلحة التي أضعفت المؤسسات وأخرت برامج الصيانة، فبقيت المدن تدفع ثمن سنوات طويلة من العجز.
ولذلك، فإن إعادة الإعمار لا يمكن اختزالها في إسفلت وجسور ومبانٍ، لأنها تبدأ من إصلاح الشبكات المدفونة التي تحدد مصير الطرق والمساكن قبل وضع أول حجر.
نزح مؤقت يؤجل أزمة المدن
وفي زليتن، ظهرت المياه فوق سطح الأرض منذ نهاية 2023 بعد ارتفاع تدريجي للخزان الجوفي، لتتحول مناطق من المدينة إلى بؤر ضرر تحتاج نزحًا ومتابعة متواصلة.
كما أدت الظاهرة إلى تضرر ممتلكات وتهجير سكان من مناطق متأثرة، وهي كلفة اجتماعية قاسية لا تبدو قابلة للتعويض عبر إجراءات محدودة لا تلامس أصل المشكلة.
وتنفذ السلطات حفر آبار ومراقبة للمناسيب وخطًا للنزح، إلى جانب دراسات جيوتقنية وهيدروجيولوجية، غير أن هذه الخطوات تظل جزئية أمام اتساع الأزمة واقتراب الأمطار.
ويقول الدكتور صالح مهني إن المشكلة ليست بلا حل، لكنه ينتقد ترك المدن تصل إلى مرحلة الغرق قبل اعتماد إجراءات وقائية تحمي السكان ومشروعات الإعمار.
ومن جهة أخرى، يمثل مشروع حفر وربط آبار سطحية في المناطق المتضررة حلًا يخفف المعاناة، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال مصادر المياه وكيفية وقف تغذيتها المستمرة.
ولهذا، تحتاج المدن المتأثرة إلى خرائط حديثة ودراسات شاملة قبل اعتماد أي توسع عمراني، حتى لا تتحول المباني الجديدة إلى ضحايا إضافية لخلل معروف ومؤجل.
كما أن قاعدة بيانات للآبار وقياسات المناسيب وعينات المياه يمكن أن توفر أساسًا علميًا للقرار، إذا لم تُترك البيانات حبيسة اللجان بينما تستمر الأضرار في الشوارع والمنازل.
وفي النهاية، تضع المياه الجوفية ليبيا أمام اختبار واضح: إما تخطيط يحترم الأرض ويحمي الناس، أو إعمار هش يعيد إنتاج الإهمال تحت لافتات التنمية.

