أصدرت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل، عبر الكتاب الدوري رقم 92 لسنة 2026، تعليمات ملزمة لجميع مكاتبها في مصر بحرمان الأجانب بلا إقامة أو إعفاء من التوثيق، بما يحول الخدمات القانونية إلى أداة ضغط وجباية.
يأتي القرار بينما تسوق الحكومة وجود أكثر من 10 ملايين وافد باعتباره عبئاً سنوياً يتجاوز 10 مليارات دولار، فتضع الفارين من الحروب أمام معادلة قاسية: دفع رسوم الإقامة وتسوية الأوراق، أو فقدان أبسط سبل الحماية المدنية.
ووفقاً للتعليمات الجديدة، لن يستطيع الأجنبي غير الحاصل على بطاقة إقامة سارية أو بطاقة إعفاء تحرير توكيل لمحام، أو إثبات تاريخ عقد إيجار، أو توثيق بيع وشراء، أو تأسيس شركة، مهما كانت حاجته القانونية عاجلة.
وبذلك، لا يقتصر أثر الإجراء على معاملة إدارية عابرة، بل يمتد إلى إغلاق أبواب التقاضي والتعليم والسكن والعمل أمام أشخاص قد تكون مخالفتهم ناتجة عن بطء الإجراءات أو عجزهم عن تحمل الرسوم المتراكمة.
كما أن ربط التوثيق بالإقامة يضع اللاجئ وطالب اللجوء في دائرة مغلقة، إذ يحتاج إلى أوراق موثقة لتسوية وضعه، بينما تحرمه الدولة من توثيق تلك الأوراق قبل إتمام التسوية التي تتطلب وقتاً ونفقات إضافية.
وتستند مصلحة الشهر العقاري إلى المادة 118 من تعليمات التوثيق وإلى مخاطبات مجلس الوزراء بشأن بيانات الهجرة واللاجئين، بما يكشف انتقال ملف الحماية من منطق الحقوق إلى منطق الحصر والمراقبة والامتثال المالي.
إلى جانب ذلك، صدق عبد الفتاح السيسي على قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، ثم أصدرت الحكومة لائحته التنفيذية، لتبدأ مرحلة إحلال لجنة حكومية محل المنظومة التي أدارتها مفوضية اللاجئين لعقود.
وبحسب الخطاب الرسمي، تستهدف الإجراءات حصر الوافدين وضمان حقوقهم وواجباتهم، لكن التطبيق يسبق توفير مسارات سريعة وميسرة للتسجيل والإقامة، ويعاقب المخالف قبل منحه فرصة واقعية لتصحيح وضعه دون أعباء مرهقة.
التوثيق مقابل الإقامة
ويقول المحامي المتخصص في قضايا اللاجئين محمد محمود إن منع الخدمات سيدفع المقيمين إلى توفيق أوضاعهم، ويرى أن الحكومة تحتاج إلى بيانات واضحة عن ملايين الأشخاص الذين يعيش بعضهم بلا أوراق رسمية.
غير أن هذا التفسير يتجاهل تفاوت قدرات المقيمين، فالأسر السودانية النازحة لا تواجه مجرد إهمال إداري، بل نقصاً في الدخل والسكن المستقر والوثائق الأصلية، وهي عوامل تجعل التسوية مكلفة أو متعذرة لآلاف الحالات.
ومن ناحية أخرى، يفتح القرار باباً واسعاً لزيادة الطلب على الإقامات والغرامات وخدمات الوسطاء، بما يحول كل معاملة ضرورية إلى محطة دفع جديدة، ويخلق سوقاً موازية يستفيد منها السماسرة على حساب الفئات الأضعف.
ولزيادة الضغط، نبه مجلس الوزراء مؤسسات الدولة إلى عدم التعامل مع الأجانب غير الحاصلين على الإقامة أو الإعفاء، ما يرجح امتداد القيود إلى جهات أخرى، وتحول الحرمان الإداري إلى حصار شامل للخدمات العامة.
وعندها، قد يصبح تسجيل طفل في مدرسة، أو متابعة قضية، أو توثيق منزل، أو نقل ملكية سيارة، مشروطاً أولاً بعبور مسار إقامة طويل، بينما تظل المواعيد والرسوم ومدد الفحص خارج قدرة كثير من اللاجئين.
ويحذر نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، من أن قانون اللجوء ينطلق من منظور أمني ويعامل اللاجئين كخطر، منتقداً غياب الإجراءات الشفافة والمراجعة المستقلة والحماية الكافية من الترحيل.
كذلك يرى خليل أن القانون يجرم الدخول غير النظامي والتضامن مع طالبي اللجوء، ويقيد الحق في العمل، بينما لا يضمن حماية مؤقتة واضحة، وهو ما يجعل القرارات الخدمية الجديدة امتداداً لبنية تشريعية عقابية.
وبناءً على ذلك، تتحول بطاقة الإقامة من وثيقة لتنظيم الوجود إلى مفتاح وحيد للحياة القانونية، ويصبح من لا يحملها عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أو أسرته، حتى قبل صدور قرار نهائي بشأن طلبه.
حصار إداري متصاعد
فضلاً عن ذلك، ألزمت اللائحة أصحاب البطاقات السارية بتقديمها للجنة الدائمة قبل انتهائها بشهر، ومنحت أصحاب الوثائق المنتهية مهلة 6 أشهر، لكن المهلة لا تعالج الازدحام أو نقص المعلومات أو ارتفاع النفقات.
وفي المقابل، تؤكد منظمات حقوقية أن الانتقال من إدارة المفوضية إلى اللجنة الحكومية يحتاج ضمانات رقابية واستقلالاً مؤسسياً، لأن الجهة التي تقرر صفة اللاجئ ستتحكم أيضاً في البيانات والإقامة والخدمات وإجراءات الاستبعاد.
وتعتبر سارة هاشاش، نائبة المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية، أن قانون اللجوء الجديد يقوض حقوق اللاجئين ويمنح السلطات صلاحيات واسعة، وسط حملة قمع طالت أشخاصاً يلتمسون الحماية من النزاعات والاضطهاد.
وتبعاً لذلك، فإن منع التوثيق لا يمكن فصله عن مخاوف الاعتقال والترحيل، لأن الشخص المحروم من تحرير توكيل لمحام يصبح أقل قدرة على الطعن أو إثبات محل إقامته أو متابعة احتجازه أمام الجهات المختصة.
وفوق ذلك، يعتمد القرار على رقم حكومي يتحدث عن أكثر من 10 ملايين وافد، رغم اختلافه الكبير عن أعداد اللاجئين المسجلين، ما يسمح بخلط المهاجر والطالب واللاجئ والمقيم القانوني في كتلة واحدة.
وفي هذا السياق، تستخدم الحكومة تقدير تكلفة الاستضافة البالغ أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً لتبرير التشدد، دون نشر حساب تفصيلي مستقل يوضح الخدمات المقدمة أو مساهمات الوافدين الاقتصادية والضرائب التي يدفعونها.
ومع ذلك، لا ينفي تنظيم الإقامة ضرورة حماية المعاملات، لكنه يفترض أن تبدأ الدولة بإتاحة إجراءات واضحة ومواعيد قريبة ورسوم محتملة، قبل استخدام الحرمان من التوثيق وسيلة لإجبار الفقراء على دفع ما لا يملكون.
جباية تحت غطاء التنظيم
ومن ثم، تبدو الجباية كامنة في بنية القرار، لا في رسم معلن جديد فقط، لأن كل تأخير سيولد غرامة، وكل نقص في الأوراق سيستدعي وسيطاً، وكل خدمة مؤجلة ستضاعف تكلفة البقاء القانوني.
علاوة على ذلك، يتحمل أصحاب العقارات والمدارس والمحامون والشركات تبعات الإجراء، لأن تعذر التوثيق يوسع الاقتصاد غير الرسمي ويزيد النزاعات حول الإيجارات والملكية والعمل، بدلاً من إدخال المقيمين في منظومة قانونية مستقرة.
لذلك، فإن معيار نجاح التنظيم ليس عدد بطاقات الإقامة التي ستصدر تحت الضغط، بل قدرة اللاجئين على الوصول العادل إلى الإجراءات دون تمييز أو ابتزاز، مع ضمان عدم حرمانهم من القضاء والتعليم والسكن.
وفي المحصلة، يكشف الكتاب الدوري رقم 92 عن اتجاه حكومي لتحويل الخدمات الأساسية إلى بوابات ضبط مالي وأمني، بينما يدفع اللاجئون والمقيمون الثمن بين رسوم متصاعدة وإجراءات معقدة وخطر فقدان الحماية القانونية.

