تتجه المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة من التصعيد، في ظل تهديدات متبادلة وتصريحات عسكرية وسياسية تكشف استمرار الخلاف بشأن مستقبل الحرب ومضيق هرمز، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها أطراف إقليمية سعياً لفتح مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن.
وفي أحدث التصريحات، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن أي هجوم جديد على بلاده سيقابله تغيير في طبيعة العمليات العسكرية، متحدثاً عن أهداف وصفها بأنها غير متوقعة بالنسبة إلى الخصوم، فيما اعتبر أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب السابقة من دون تحقيق أهدافها.
وبالتزامن مع ذلك، أعلن الجيش الإيراني إسقاط طائرة مسيرة من طراز «أوربيتر» فوق مضيق هرمز، بينما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن المضيق لن يعاد فتحه قبل تحقيق شروط طهران وتنفيذ الالتزامات الأمريكية.
في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع سقف تهديداته تجاه إيران، لكنه أبقى في الوقت نفسه الباب مفتوحاً أمام لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
الحرس الثوري يتوعد بهجوم مختلف
قال الحرس الثوري الإيراني إن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى تغيير جذري في الاستراتيجية التي ستتبعها القوات الإيرانية، سواء على مستوى الدفاع أو الهجوم المضاد.
وتحدث الحرس عن امتلاكه أهدافاً قال إنها «لا تخطر على بال العدو»، مشيراً إلى أن الرد الإيراني في حال تعرض البلاد لهجوم جديد قد يشمل تغييراً في جغرافيا العمليات واستخدام أسلحة دقيقة جديدة.
وتأتي هذه التصريحات وسط أجواء شديدة التوتر، بعدما تبادلت إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية تهديدات بشأن استمرار العمليات العسكرية، في وقت ما زالت فيه أزمة مضيق هرمز تضغط على حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
واعتبر الحرس الثوري أن الولايات المتحدة تعرضت، وفق تقييمه، لـ«هزيمة تاريخية ومخزية» خلال الحرب، مستنداً إلى عدم تمكن واشنطن من تحقيق الأهداف التي قال إنها كانت محددة مسبقاً.
ومن بين النقاط التي استند إليها الحرس الثوري في تقييمه، عدم قدرة الولايات المتحدة على إعادة فتح مضيق هرمز، رغم ما قال إنه استخدام مختلف الإمكانات والأدوات العسكرية في المنطقة.
وهذه الرواية تمثل الموقف الإيراني من نتائج المواجهة، بينما تقدم الولايات المتحدة رواية مختلفة بشأن عملياتها وأهدافها العسكرية، ما يجعل تقييم نتائج الحرب موضع خلاف واضح بين الطرفين.
طهران تفصل الجيران عن خصومها
وفي رسالته إلى دول المنطقة، حاول الحرس الثوري التأكيد على أن إيران تفرق بين الدول المجاورة والولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال إن طهران تتمسك بمبدأ حسن الجوار، وإن العمليات العسكرية الإيرانية الأخيرة لم تستهدف الدول المجاورة، وإنما ركزت على القواعد والمنشآت الأمريكية، بحسب التصريحات المنقولة عنه.
ووجه الحرس الثوري انتقاداً إلى دول المنطقة التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، متسائلاً عن أسباب السماح لدولة تبعد آلاف الكيلومترات باستخدام أراضيها ومنشآتها في المواجهة مع إيران.
وتأتي هذه الرسالة في وقت أصبحت فيه القواعد والمنشآت الأمريكية الموجودة في دول الخليج جزءاً من الحسابات العسكرية الإيرانية، في ظل امتداد الحرب إلى مناطق متعددة في الشرق الأوسط.
وأكد الحرس كذلك أنه يعمل في إطار مهامه العسكرية، ولا يتولى الملفات الدبلوماسية التي تقع ضمن اختصاص وزارة الخارجية الإيرانية.
إسقاط مسيرة فوق مضيق هرمز
في تطور عسكري متزامن، أعلن الجيش الإيراني إسقاط طائرة مسيرة استطلاعية من طراز «أوربيتر» أثناء تحليقها فوق مضيق هرمز.
وقالت العلاقات العامة للجيش الإيراني إن منظومات الدفاع الجوي رصدت الطائرة وتعاملت معها باستخدام شبكة الرصد المتكاملة، قبل إسقاطها في منطقة المضيق.
ووفق البيان الإيراني، وقعت العملية في الساعة السادسة والنصف مساء الأحد، في إطار ما وصفته طهران بمهام حماية المجال الجوي ومراقبة المنطقة الساحلية ومسارات الملاحة البحرية.
وأشارت تقارير إيرانية إلى أن طائرات «أوربيتر» تصنعها شركة دفاعية إسرائيلية، بينما وصفت طهران الطائرة التي أسقطتها بأنها هدف استطلاعي معادٍ.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن عملية الاعتراض نفذتها منظومات دفاع جوي محلية ضمن شبكة الدفاع المتكاملة.
ويأتي الإعلان عن إسقاط المسيرة في منطقة تعد من أكثر النقاط حساسية في الأزمة الحالية، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن حركة السفن وإجراءات تأمين الملاحة في المضيق.
هرمز يبقى ورقة ضغط إيرانية
لم يتوقف التصعيد عند الجانب العسكري، إذ أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده لن تعيد فتح مضيق هرمز قبل تنفيذ الالتزامات الأمريكية وتحقيق الشروط التي نقلتها طهران عبر وسطاء.
وقال قاليباف إن رسائل إيران وشروطها نقلت بوضوح إلى الجانب الأمريكي، مشدداً على أن العودة إلى الوضع السابق للمفاوضات أو إعادة فتح المضيق لن تتم قبل الاعتراف بما تصفه طهران بحقوقها وتنفيذ الالتزامات الأمريكية.
وتشير هذه التصريحات إلى استمرار استخدام المضيق كورقة أساسية في المواجهة السياسية والعسكرية، خصوصاً أن هرمز يعد ممراً رئيسياً لتجارة النفط والغاز العالمية.
وتقول تقارير دولية إن الأزمة المستمرة في المضيق أثرت بالفعل في حركة الطاقة والشحن، فيما تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
وفي المقابل، تقول الولايات المتحدة إنها تعمل على حماية الملاحة الدولية وتوفير ممرات آمنة للسفن التجارية، بينما ترفض طهران الرواية الأمريكية بشأن السيطرة على حركة الملاحة في المضيق.
ترامب يطرح خياراته بشأن إيران
على الجانب الأمريكي، قال الرئيس دونالد ترامب إنه يواجه قراراً بشأن المرحلة المقبلة من التعامل مع إيران، متحدثاً عن خيارات متعددة، من بينها مواصلة الضغط الاقتصادي أو التصعيد العسكري أو التوصل إلى اتفاق.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام، قال ترامب إن «أموراً كبيرة» قد تحدث خلال فترة قريبة، في إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس خطوات جديدة في ظل استمرار المواجهة.
وفي الوقت نفسه، أعلن ترامب ترحيبه بفكرة لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع في نيويورك.
ويأتي ذلك في مفارقة واضحة بين التصعيد الكلامي من جهة، وإبقاء قناة اللقاء المباشر مفتوحة من جهة أخرى، خصوصاً أن بزشكيان من المتوقع أن يشارك في اجتماعات الأمم المتحدة، بعد أن وافقت واشنطن على منح تأشيرات لمسؤولين إيرانيين كبار لحضور الاجتماعات.
كما قال ترامب إن الولايات المتحدة على اتصال بالحوثيين في اليمن، مشيراً إلى وجود تفاهم بشأن عدم قتال القوات الأمريكية، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متزامناً على أكثر من جبهة.
الخليج يتحرك لمنع اتساع الحرب
وسط هذه التطورات، تسعى دول الخليج إلى احتواء تداعيات المواجهة، في ظل ارتباط أمن المنطقة مباشرة بحركة الملاحة والطاقة.
وقال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن دول الخليج مطالبة بالعمل بصورة مشتركة لاستعادة الاستقرار والمساعدة في الوصول إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران.
وأكد أن قطر تواصل العمل عبر الوساطة، مشيراً إلى أنها تنقل الرسائل بين واشنطن وطهران، وأن إنهاء الصراع يحتاج إلى مزيد من الجهود الدبلوماسية.
وتحاول الدوحة، إلى جانب وسطاء إقليميين آخرين، إبقاء الاتصالات السياسية قائمة رغم استمرار التصعيد العسكري، خصوصاً مع ارتباط أزمة هرمز مباشرة بأمن الطاقة العالمي.
وتزامن ذلك مع عودة ترامب المفاجئة إلى البيت الأبيض بعد تقليص إقامته في كامب ديفيد، في ظل التطورات المتسارعة المرتبطة بإيران والمنطقة.

