كشف اتحاد منتجي الدواجن في مصر تراجع أسعار البيع إلى أقل من تكلفة الإنتاج بنحو 35 في المئة، مع هبوط سعر الكتكوت إلى 5 جنيهات، ما دفع منتجين إلى إعدام كتاكيت أو مغادرة السوق.

 

وتفضح الأزمة غياب الدولة عن حماية صناعة توفر غذاءً أساسيًا لملايين المصريين، بعدما تركت الشائعات تفتك بالطلب، وتركت المنتج الصغير وحيدًا أمام الأعلاف والديون والخسائر، ثم اكتفت بالمشاهدة حتى اقترب السوق من الانفجار.

 

شائعات تهزم الإنتاج

 

بدايةً، ربط محمود العناني رئيس اتحاد منتجي الدواجن بين انتشار ما يسمى نظام الطيبات وتراجع استهلاك الدواجن والبيض، مؤكدًا أن الادعاءات المتعلقة باستخدام الهرمونات لا تستند إلى أساس علمي أو واقع إنتاجي.

 

وفي السياق ذاته، شدد العناني على أن الدواجن تخضع لبرامج تحصين وتطعيم لحمايتها من الأمراض، موضحًا أن سرعة نموها ترجع إلى التحسين الوراثي وتطور نظم التربية والتغذية، لا إلى حقن الطيور بالهرمونات.

 

وعلى الرغم من ذلك، انتشرت منشورات تحذر من تناول الدجاج والبيض باعتبارهما مصدرًا للهرمونات والمضادات، فتحولت مزاعم غير موثقة إلى سلوك استهلاكي واسع، دفع ثمنه المنتجون والعمال ومزارع التربية الصغيرة.

 

ومن ناحية أخرى، قال استشاري التغذية مجدي نزيه إن استخدام الهرمونات في الدواجن غير منطقي علميًا واقتصاديًا، لأن تكلفة تلك المواد تتجاوز قيمة الطائر، بينما تحقق برامج الانتخاب الوراثي والأعلاف المتوازنة معدلات النمو المعروفة.

 

وبالتوازي، يكشف الجدل ضعف الدور الحكومي في مواجهة المعلومات الصحية المضللة، إذ لم تطلق الوزارات المعنية حملة علمية مبكرة تشرح للمواطنين حقيقة الإنتاج، وتركت المنصات الرقمية تحول الادعاءات الفردية إلى أزمة اقتصادية واسعة.

 

وفوق ذلك، لم تقدم الجهات الرقابية بيانات سهلة ومستمرة عن نتائج فحص الدواجن والبيض ونسب المتبقيات الدوائية، رغم أن نشر تلك المعلومات كان قادرًا على استعادة الثقة ومنع السوق من الانزلاق نحو الركود.

 

وبالتالي، لا يمكن تحميل المستهلك وحده مسؤولية تراجع الطلب، لأن غياب الشفافية الرسمية فتح الباب أمام الخوف، وجعل المواطن فريسة بين مروجين لنظام غذائي مثير للجدل ومنتجين يدافعون عن مصالحهم.

 

خسائر تدفع للإعدام

 

في المقابل، أوضح العناني أن تكلفة إنتاج كيلو الدواجن تقترب من 85 جنيهًا، بينما هبط سعر البيع داخل المزارع إلى أقل من 70 جنيهًا، ما يعني استمرار خسارة مباشرة في كل دورة إنتاج.

 

وعلاوة على ذلك، قال إن بعض المنتجين قرروا التخارج من القطاع بعدما عجزوا عن تحمل البيع دون التكلفة منذ بداية الربع الأول من 2026، محذرًا من أن استمرار النزيف سيقود إلى تراجع المعروض لاحقًا.

 

ومن جانبه، كشف عبد العزيز السيد رئيس شعبة الثروة الداجنة أن سعر الكتكوت انخفض من نحو 25 جنيهًا خلال مارس وأبريل إلى 5 جنيهات، بينما تبلغ تكلفة إنتاجه قرابة 10 جنيهات.

 

كما أشار السيد إلى أن بعض معامل الأمهات اضطرت إلى التخلص من الكتاكيت بسبب انعدام الطلب من مزارع التسمين، لأن الاحتفاظ بها داخل المعامل يراكم تكاليف الغذاء والتدفئة والرعاية دون جدوى اقتصادية.

 

ومن ثم، فإن مشاهد الإعدام ليست حادثًا منفصلًا أو قرارًا عبثيًا، بل نتيجة مباشرة لسوق يبيع فيه المنتج بأقل من التكلفة، بينما تغيب آليات شراء الفائض والتخزين والتصنيع والتصدير الفعال.

 

إضافةً إلى ذلك، لا تمثل الشحنات المصدرة سوى نسبة تتراوح بين 1 و4 في المئة من الفائض، وفق تقديرات اتحاد المنتجين، ما يجعل فتح باب التصدير إجراءً محدودًا لا يعالج اختلال السوق.

 

وفي غضون ذلك، تواجه المزارع الصغيرة الخطر الأكبر لأنها لا تملك سيولة أو مخازن أو عقود تصدير، فتضطر إلى البيع بأي سعر أو إغلاق العنابر، بينما تستطيع الشركات الكبرى امتصاص الخسائر لفترة أطول.

 

وبناءً على ذلك، يصبح خروج المنتجين مقدمة لنقص حاد في المعروض، لأن دورة الدواجن لا تعوض فورًا، وقد يحتاج السوق إلى أشهر لإعادة تشغيل المزارع واستعادة أعداد الأمهات والكتاكيت اللازمة.

 

الهبوط يسبق الغلاء

 

في الوقت نفسه، حذر السيد من تكرار سيناريو 2023، عندما خرج منتجون من السوق بسبب أزمة الأعلاف وإعدام الكتاكيت، قبل أن يقفز سعر كيلو الدواجن لاحقًا ويتجاوز 100 جنيه تقريبًا.

 

وبدوره، قال أحمد نبيل رئيس شعبة بيض المائدة إن وفرة الإنتاج الحالية تحولت إلى عبء بسبب ضعف الاستهلاك، محذرًا من أن انسحاب المنتجين سيقود إلى نقص مفاجئ وارتفاعات حادة خلال الشهور المقبلة.

 

كذلك، تشير تقديرات الشعبة إلى إنتاج سنوي يقترب من 16 مليار بيضة، مقابل استهلاك محلي يتراوح بين 10 و11 مليارًا، ما خلق فائضًا لم تنجح الحكومة في تصريفه خارجيًا أو صناعيًا.

 

غير أن انخفاض الأسعار الحالي لا يمثل مكسبًا مستدامًا للمستهلك، لأن انهيار المنتجين يعني فقدان حلقات إنتاج كاملة، وعند عودة الطلب لن يجد السوق كميات كافية، فتتحول الوفرة سريعًا إلى ندرة وغلاء.

 

لذلك، تحتاج الأزمة إلى تدخل يضمن سعرًا عادلًا يغطي التكلفة وهامشًا معقولًا، مع شراء جزء من الفائض لصالح المدارس والمستشفيات ومؤسسات الحماية الاجتماعية بدلًا من ترك الكتاكيت للإعدام والمزارع للإغلاق.

 

وعوضًا عن الاكتفاء بفتح التصدير نظريًا، يجب على الحكومة تسريع التفاوض مع الأسواق الخارجية وتسهيل إجراءات الاعتماد والشحن، لأن تصدير نسبة ضئيلة من الفائض لا يحمي صناعة ضخمة بمليارات الجنيهات.

 

وفي الإطار ذاته، يتطلب إنقاذ القطاع إنشاء قاعدة بيانات للإنتاج والطلب وتكاليف الأعلاف وأعداد المزارع العاملة، حتى لا تتحرك الدولة بعد وقوع الأزمة، ولا تترك الأسعار رهينة للتخمين والسماسرة والشائعات.

 

وأخيرًا، تكشف أزمة الدواجن أن الحكومة لا تدير السوق إلا بعد اشتعاله، فتركت التضليل يضرب الطلب والخسائر تطرد المنتجين، ثم ستطلب من المصريين لاحقًا تحمل ارتفاع الأسعار باعتباره قدرًا لا نتيجة فشل.