كشفت وزارة التموين أن 1.5% فقط من نحو 850 ألف مستبعد من بطاقات التموين تقدموا بتظلمات منذ 14 يونيو في مختلف المحافظات، ما أثار تساؤلات حول فقدان الثقة أو اقتناع المواطنين بعجز الحكومة عن إعادة الدعم.
سياسياً وإنسانياً، يعكس هذا الرقم فجوة قاسية بين خطاب العدالة الاجتماعية وواقع أسر فقدت غذاءها المدعوم، ثم وجدت نفسها أمام إجراءات معقدة ورسائل مبهمة، بينما تتراجع الثقة في جدوى الاعتراض وفي قدرة الدولة على الإنصاف.
صمت يثير الشك
وبالتالي، لا يمكن التعامل مع انخفاض التظلمات بوصفه دليلاً تلقائياً على دقة قرارات الحذف، لأن الصمت قد يكون نتاج اليأس أو ضعف المعرفة بالإجراءات أو الخوف من مسار بيروقراطي لا يضمن نتيجة واضحة.
كما أن الوزارة قدمت نسبة 1.5% باعتبارها مؤشراً على كفاءة الاستهداف ودقة محددات العدالة الاجتماعية، مستندة إلى قواعد بيانات حكومية متكاملة ومحدثة يفترض أنها تساعد في توجيه الدعم إلى مستحقيه.
ومن جهة أخرى، يرى مواطنون أن انخفاض الإقبال على التظلم لا يعبر عن رضاهم، بل عن اعتقاد متزايد بأن البطاقة لن تعود حتى مع تقديم المستندات، ما يحول الحق القانوني إلى إجراء شكلي.
في المقابل، شددت الوزارة على أن مسؤولية صحة البيانات والمستندات تقع على مقدم الطلب، مؤكدة فحص جميع التظلمات إلكترونياً وبحياد، وفق القواعد المنظمة وبالاستناد إلى قواعد البيانات الرسمية المتاحة لدى الجهات الحكومية.
وعلاوة على ذلك، اتفقت الوزارة مع الهيئة القومية للبريد على إتاحة استمارة تحديث البيانات عبر 500 مكتب بريد، بالتوازي مع منصة مصر الرقمية، باعتبار تحديث البيانات شرطاً أساسياً لبحث تظلمات المستبعدين.
وبناء على ذلك، يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بمدى قدرة المواطن البسيط على استكمال المستندات وفهم أسباب الاستبعاد، خاصة حين لا توضح الرسائل المرسلة تفاصيل المخالفة أو البيانات التي استند إليها قرار الوقف.
وفوق هذا، تقول الوزارة إن التظلمات متاحة عبر أكثر من 1085 مكتب تموين و412 مركز خدمة في المحافظات، لكن اتساع عدد المنافذ لا يعني تلقائياً سهولة الإجراءات أو ثقة المواطنين في النتائج.
إلى جانب ذلك، تزداد صعوبة التظلم عندما يطالب المواطن بإثبات أحقيته بعد صدور قرار إداري مبني على بيانات لا يملك مراجعتها، فيتحمل وحده عبء نفي معلومات ربما تكون قديمة أو غير دقيقة.
معايير قابلة للخطأ
من ناحية ثانية، شملت مؤشرات الاستبعاد امتلاك سيارة حديثة أو مرتفعة الثمن أو أكثر من سيارة، واستيراد مركبات من الخارج، وهي معايير قد تبدو واضحة نظرياً لكنها تحتاج إلى مراجعة ظروف كل حالة.
وفي السياق نفسه، تضمنت المحددات الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة وسداد مصروفات التعليم الخاص أو الدولي، غير أن هذه المؤشرات لا تكشف دائماً الدخل الحالي أو الأعباء العائلية أو تغير الظروف الاقتصادية.
كذلك، اعتبرت الوزارة امتلاك الشركات أو حيازة أراض زراعية تتجاوز 10 أفدنة من أسباب الاستبعاد، لكن التطبيق الآلي قد يتجاهل تعثر النشاط أو الديون أو توقف الأرض عن تحقيق عائد فعلي.
وبالمثل، يمكن أن يؤدي الاعتماد على دخل مرتفع بصورة مؤقتة إلى حذف مواطن يحتاج الدعم لاحقاً، من دون مسار واضح يضمن إعادته فور انخفاض دخله أو تغير وضعه المالي والاجتماعي.
غير أن التقديرات التي تحدثت عن حذف نحو 850 ألف مواطن أثارت انتقادات واسعة، لأن القرار يمس سلعة أساسية تعتمد عليها أسر كثيرة لمواجهة الغلاء المتواصل وتراجع قدرتها على شراء احتياجاتها الغذائية.
ومع ذلك، لم تقدم نسبة التظلمات المنخفضة وحدها تفسيراً حاسماً لما جرى، إذ يمكن قراءتها كدليل على سلامة التنقية، أو كعلامة على انكسار الثقة واستسلام المستبعدين للأمر الواقع وسط غضب اجتماعي متصاعد.
في الوقت ذاته، يروي بعض المواطنين أنهم فوجئوا برسائل توقف البطاقات رغم اعتقادهم بعدم انطباق المعايير عليهم، ثم اصطدموا بمتطلبات تحديث البيانات وتقديم الوثائق دون ضمان معلن لعودة الدعم أو قبول التظلم فعلياً.
ومن ثم، يصبح غياب تفسير تفصيلي لكل قرار أحد أهم أسباب الشك، لأن المواطن لا يعرف إن كان الاستبعاد نتيجة ملكية قديمة أو خطأ في الربط الإلكتروني أو بيانات لم تعد تعبر عن واقعه.
لهذا، طالب خبراء اقتصاديون بأن تشمل تنقية البطاقات إدخال مستحقين جدد وإعادة من تحسنت أوضاعهم مؤقتاً ثم تراجعت، بدلاً من تحويل التنقية إلى مسار أحادي ينتهي دائماً بالحذف دون آلية واضحة للعودة.
الثقة قبل الأرقام
فضلاً عن ذلك، تبرز الحاجة إلى لجنة محايدة تضم جهات متعددة لمراجعة قرارات الاستبعاد، حتى لا يبقى مصير الدعم بيد موظف أو قاعدة بيانات واحدة قد تخطئ في التقدير أو التحديث.
وفي ضوء ذلك، ينبغي أن تتسم المنظومة بالمرونة قبل وقف البطاقة، عبر إخطار المواطن بسبب الاستبعاد ومنحه مهلة لتصحيح البيانات، بدلاً من قطع الدعم أولاً ثم مطالبته بإثبات فقره لاحقاً.
أما حكومياً، فإن اعتبار قلة التظلمات دليلاً نهائياً على نجاح الاستهداف يتجاهل واقعاً اجتماعياً تتراجع فيه ثقة المواطنين بالمسارات الرسمية، خصوصاً بعد تجارب متكررة مع الشكاوى التي لا تغير القرارات.
وعند المقارنة، تبدو نسبة 1.5% ضئيلة بصورة تفرض تحقيقاً مستقلاً في أسباب العزوف، لا احتفالاً إدارياً بها، لأن انخفاض الشكاوى قد يعني غياب الأمل أكثر مما يعني غياب الظلم أو سلامة القرارات نفسها.
ومن زاوية أوسع، تكشف القضية تناقضاً بين إعلان حماية الفئات الأولى بالرعاية وبين حذف مئات الآلاف في وقت تتسع فيه أعباء الغذاء والطاقة والسكن، ويصبح الدعم المحدود ضرورة لا رفاهية.
لذلك كله، يحتاج ملف التظلمات إلى نشر بيانات تفصيلية عن أسباب الحذف وعدد المقبولين والمرفوضين ومدة الفحص، حتى يستطيع الرأي العام تقييم كفاءة المنظومة بعيداً عن النسب المجردة والخطاب الرسمي.
وفي نهاية المطاف، لن تستعيد الحكومة ثقة المستبعدين بمجرد زيادة المكاتب والمنصات، بل بإجراءات بسيطة وقرارات قابلة للمراجعة وضمان فعلي لعودة الدعم إلى كل من يثبت استحقاقه دون إذلال أو تعطيل.
أخيراً، يظل انخفاض التظلمات سؤالاً سياسياً واجتماعياً مفتوحاً، بين دقة تدعيها الوزارة ويأس يرويه المواطنون، بينما يبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة الدولة على حماية الفقير لا تقليص أعداد المستفيدين وحماية حقه في الغذاء.

