شهدت جمعيات زراعية بعدة محافظات مصرية توقف صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل الأشجار، ما هدد نحو 2.3 مليون فدان بساتين، ودفع آلاف المزارعين نحو السوق الحرة لمواجهة ارتفاع التكاليف واحتمالات تراجع الإنتاج.
سياسيا، يكشف تعطيل حق الفلاح بتعليمات شفهية كيف تدير الحكومة ملفا يمس الغذاء والدخل والتصدير خارج قواعد الشفافية، بينما يترك صغار المزارعين فريسة للأسعار المنفلتة والقرارات الغامضة دون حماية أو تفسير مكتوب.
تعليمات بلا قرار
وبداية، أكد مزارعون امتناع مسؤولين بعدد من الجمعيات الزراعية عن تفعيل بطاقات الفلاح المسجلة عليها محاصيل الفاكهة والموالح، رغم عدم تسلمهم أي قرار وزاري معلن يحدد أسباب الوقف أو الفئات المستبعدة ومدته.
وفي المقابل، اكتفى موظفو الجمعيات بالإشارة إلى تعليمات شفهية تقضي بإرجاء الصرف، وهو ما حرم أصحاب البساتين من معرفة الجهة التي أصدرت القرار، أو الاعتراض عليه، أو تحديد موعد واضح لاستعادة حصصهم.
غير أن غياب المستند الرسمي لم يمنع تطبيق الإجراء فعليا على الأرض، فوجد المزارعون أنفسهم أمام قرار تنفيذي كامل النتائج، لكنه مجهول المصدر والأساس، بما يفتح الباب للتفاوت بين الجمعيات والمحافظات.
وعلى إثر ذلك، تصاعدت شكاوى أصحاب بساتين المانجو والزيتون والنخيل والموالح، خاصة أن الأشجار تمر بمراحل نمو وتكوين ثمار تحتاج إلى برامج تسميد منتظمة لا تحتمل التأجيل أو التخفيض المفاجئ للكميات.
وفي الوقت نفسه، لا يملك المزارع الصغير مخزونا ماليا يسمح له بشراء احتياجاته كاملة من السوق الحرة، حيث تباع الأسمدة بأسعار تفوق المدعم، بينما ترتفع بالتوازي تكاليف العمالة والري والطاقة والمبيدات والنقل.
إضافة إلى ذلك، يؤدي تقليص التسميد إلى ضعف نمو الأشجار وانخفاض جودة الثمار وأحجامها، وقد يمتد الأثر إلى الموسم التالي، لأن البساتين محاصيل معمرة لا تنتهي خسائرها بانتهاء دورة زراعية واحدة.
وفوق ذلك، يثير قصر الصرف على المحاصيل الاستراتيجية تساؤلات بشأن تعريف الحكومة للأمن الغذائي، إذ تمثل الفاكهة والموالح جزءا من غذاء المصريين ومصدر دخل لمناطق ريفية تعتمد بصورة رئيسية على زراعة البساتين.
ومن ناحية أخرى، يعكس تنفيذ قرارات غير مكتوبة خللا أوسع في إدارة الدعم الزراعي، حيث يتحمل الفلاح نتائج التعليمات فور صدورها، بينما تتجنب الجهات المسؤولة إعلان القرار وتحمل مسؤوليته وتقديم مبرراته الفنية والقانونية.
نتيجة لذلك، تحولت بطاقة الفلاح من وسيلة يفترض أن تضبط التوزيع وتحمي المستحقين إلى أداة يمكن عبرها تجميد الصرف بقرار مركزي، دون تمكين صاحب الحيازة من معرفة سبب الاستبعاد أو آلية التظلم.
صادرات تحت التهديد
وبالتزامن، نقل النائب أمير الجزار الأزمة إلى مجلس النواب عبر طلب إحاطة بشأن وقف صرف الأسمدة المدعمة للبساتين، محذرا من انعكاسات الإجراء على الإنتاج الزراعي والصادرات وأوضاع مئات الآلاف من صغار المزارعين.
وبحسب الجزار، يضم قطاع البساتين نحو 2.3 مليون فدان في مختلف المحافظات، تشمل قرابة 450 ألف فدان موالح، و300 ألف فدان نخيل، وما بين 200 و250 ألف فدان زيتون.
كذلك، تضم المساحات المتضررة نحو 120 ألف فدان مانجو، فضلا عن مساحات واسعة من العنب والرمان والخوخ والمشمش ومحاصيل أخرى، ما يجعل أي اضطراب في التسميد أزمة قطاعية تتجاوز محصولا واحدا.
ولهذا، لا تتوقف المخاطر عند خسائر المزارعين المباشرة، بل تمتد إلى سلاسل الفرز والتعبئة والنقل والتخزين والتصدير، وهي أنشطة توفر فرص عمل واسعة داخل الريف والمناطق الزراعية والموانئ والأسواق المركزية.
علاوة على ذلك، تعد الموالح والتمور والعنب وعدد من محاصيل الفاكهة عناصر رئيسية في الصادرات الزراعية المصرية، ويؤدي تراجع الجودة أو الإنتاجية إلى إضعاف قدرة المنتج المصري على الوفاء بعقوده ومنافسة الأسواق الأخرى.
وبناء على ذلك، تبدو المفارقة واضحة بين حديث الحكومة المتكرر عن تعظيم الصادرات وجلب العملة الأجنبية، وبين التضييق على مدخل إنتاج أساسي يحتاجه القطاع الذي تراهن عليه الدولة لزيادة حصيلتها الدولارية.
ومن ثم، فإن توفير الأسمدة للبساتين ليس منحة لأصحاب الأراضي، بل جزء من سياسة اقتصادية يفترض أن تحمي استثمارات قائمة ومحاصيل تصديرية وموارد عملة أجنبية، قبل أن تتحول الأزمة إلى خسائر عامة.
في غضون ذلك، يهدد اضطراب الحصص بارتفاع أسعار الفاكهة في الأسواق المحلية، لأن المزارعين سيحملون جزءا من تكلفة السماد الحر على سعر المحصول، بينما سيدفع المستهلك النهائي فاتورة جديدة من غياب التخطيط الحكومي.
وعليه، يصبح صغار الفلاحين الحلقة الأضعف بين شركات الأسمدة والجمعيات والوزارة والتجار، إذ يتحملون تكلفة القرار ومخاطر ضعف المحصول، من دون امتلاك نفوذ سياسي أو قدرة مالية تمكنهم من امتصاص الصدمة.
روايات رسمية متضاربة
في المقابل، نفى حسين أبو صدام نقيب الفلاحين وجود توقف عام لصرف الأسمدة للبساتين، مؤكدا صرف الحصة الصيفية ووجود كميات داخل الجمعيات، لكنه أقر في الوقت نفسه بوقف الصرف لنحو 300 ألف مزارع.
ووفقا لأبو صدام، لم يستهدف الوقف قطاع البساتين بصفة خاصة، وإنما طبق على مزارعين نسبت إليهم مخالفات تشمل سرقة التيار الكهربائي أو البناء على الأراضي الزراعية أو صدور أحكام قضائية ضدهم في قضايا مختلفة.
مع ذلك، يثير الربط بين الأسمدة المدعمة وأحكام النفقة أو مخالفات لا تتصل بالإنتاج الزراعي أسئلة قانونية وإنسانية، لأن حرمان الأرض من السماد يعاقب الأسرة والمحصول والعمال، وليس الشخص المخالف وحده.
أما التفسير الآخر، فيتمثل في إعادة تقييم المقررات السمادية لجميع المحاصيل، بدعوى أن دراسات حديثة رصدت إفراطا في استخدام اليوريا وما يسببه ذلك من أضرار للتربة، وأن الوزارة تستهدف الترشيد لا إلغاء الدعم.
لكن تطبيق الترشيد من دون نشر الدراسات والمعايير والكميات الجديدة يحول الإجراء العلمي المعلن إلى قرار غامض، لأن حماية التربة تتطلب إرشادا زراعيا وبرنامجا واضحا، لا إغلاق بطاقات المزارعين وتركهم أمام السوق الحرة.
كما أن مسؤولين بوزارة الزراعة أرجعوا بطء الصرف إلى مراجعة المساحات والتركيب المحصولي وتدقيق بيانات الحيازات عبر بطاقة الفلاح، بهدف منع تسرب الأسمدة المدعمة إلى تجار أو حيازات وهمية وغير مستحقة.
في سياق مواز، لا ينفي التدقيق وجود أزمة فعلية لدى المزارع المستحق، بل يفرض على الوزارة تحديد مدة المراجعة وضمان استمرار الصرف للحيازات السليمة، بدلا من استخدام مكافحة الفساد مبررا لتعطيل الجميع.
ولزيادة الوضوح، تحتاج الحكومة إلى إعلان قرار مكتوب يحدد المحاصيل المستحقة والكميات وموانع الصرف وقواعد التظلم، مع نشر نتائج المراجعات وأعداد الموقوفين في كل محافظة والأسباب القانونية التي استند إليها الحرمان.
وأخيرا، تظل الأزمة قائمة ما دام المزارعون يشكون من الوقف، والوزارة تنفي إلغاء الدعم، والنقيب يقر بحرمان 300 ألف مزارع، بينما تغيب القواعد المعلنة ويتحمل الفلاح والإنتاج والصادرات ثمن هذا التضارب.

