يشكو ملاك مصريون لوحدات سكنية وفندقية وشاطئية في منتجعات تابعة لشركات إماراتية بالساحل الشمالي الغربي من فرض لوائح وقيود يعتبرونها مخالفة للعقود المبرمة ومنتقصة من حقوق الملكية. وتفجرت الأزمة داخل منتجع «مراسي» التابع لشركة «إعمار مصر»، بعدما تحدث ملاك عن تقييد دخول ضيوفهم، وصعوبة الوصول إلى الشواطئ، وارتفاع الرسوم والغرامات والصيانة، والتعامل معهم كأنهم مستأجرون لا أصحاب وحدات دفعوا فيها ملايين الجنيهات.
وتجاوز الجدل حدود الخلاف الإداري بين شركة وملاك، ليفتح ملف العلاقة بين الدولة والمطور العقاري، وحدود سلطة الشركات الأجنبية داخل المشروعات السياحية المغلقة، خصوصاً في ظل التوسع الإماراتي في الاستحواذ على الأراضي والمشروعات الاستراتيجية المطلة على البحرين المتوسط والأحمر. وبينما يطالب الملاك بقانون مصري ينظم هذه العلاقة، يحذر سياسيون وخبراء ومواطنون من نشوء مناطق منعزلة لها قواعدها الخاصة ونفوذها الاقتصادي والأمني، بما يحول أجزاء من الساحل المصري إلى ما يشبه «الكانتونات» أو «الفاتيكان الجديد».
شكاوى الملاك: ملايين للوحدات وقيود على الضيوف والشواطئ
يقيم 22 من ملاك منتجع «مراسي» دعاوى قضائية ضد شركة «إعمار مصر»، اعتراضاً على ما وصفوه بقيود مفروضة عليهم وحجب لامتيازات كانت متاحة سابقاً. وتشمل الشكاوى صعوبة دخول بعض الشواطئ وازدحامها بنزلاء الفنادق الخمسة الموجودة داخل المنتجع، إلى جانب زيادة قيم الغرامات ورسوم الصيانة، ومعاملة أصحاب الوحدات كما لو كانوا مستأجرين.
كما تحدث ملاك عن إجراءات خاصة بالتعامل مع الحوادث داخل المنتجع، بينها عدم إبلاغ الشرطة المصرية بأي حادث إلا بعد تحرير محضر خاص بالشركة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن حدود صلاحيات إدارة المنتجع ومدى التزامها بالقوانين المصرية.
وتصاعدت الأزمة بعد ظهور حنان الشعراوي، زوجة رائد الأعمال أشرف الخادم، في مقطع مصور يوم 8 تموز/يوليو، تهاجم فيه طريقة إدارة «مراسي» وتصفها بأنها «مستفزة». وقالت إن أمن المنتجع منع صديقة يمنية لابنتها من الدخول، بدعوى أن نظام «QR Code» يسمح لكل عائلة بدعوة شخصين فقط يومياً، رغم أن الملاك دفعوا ملايين الجنيهات مقابل وحداتهم.
وتساءلت الشعراوي عما إذا كانت مالكة لوحدة في «إعمار» و«مراسي» أم أنها تعيش تحت احتلال تُفرض فيه قوانين غير مصرية، ووصفت الوضع بأنه «مضحك ومبكٍ» ويجعلها تشعر بأن المصريين يعيشون حالة من «الاستعمار».
وكشفت حنان الشعراوي أيضاً عن منع أمن «إعمار» بعض ملاك فندق العلمين من دخول مقر الشركة الرئيسي في المقطم بالقاهرة، ووجهت نداءً إلى عبدالفتاح السيسي تطالبه فيه بـ«رد كرامة المصريين». وقالت إن الملاك ليسوا في «معتقل غوانتانمو»، وإن شركة «إعمار» ما كان لها أن تحقق وجودها في مصر لولا أموال المشترين المصريين.
وفي تدوينة أخرى، طالبت الشعراوي عبدالفتاح السيسي بالتدخل لإصدار قانون ينظم العلاقة بين المطور العقاري والمالك، مؤكدة أن سماح الدولة ببيع الأراضي لشركات التطوير العقاري وبيع الوحدات للمصريين يجب أن يقابله إطار قانوني واضح يحفظ حقوق المشترين. وشددت على أن المصريين يخضعون لقوانين مصر، وليس لقوانين دول أو جهات أخرى.
وحذرت الشعراوي من احتمال حدوث تغول على الدولة المصرية بحجة أن المستثمرين يضخون مليارات الجنيهات في البلاد. كما شارك زوجها، رائد الأعمال أشرف الخادم، تفاصيل شكواها عبر صفحته على «فيسبوك»، متحدثاً عن الخسائر التي يتعرض لها مصريون استثمروا أموالهم في شراء وحدات داخل «مراسي».
من «مراسي» إلى رأس الحكمة.. تمدد إماراتي على سواحل مصر
يقع منتجع «مراسي» في منطقة سيدي عبدالرحمن عند الكيلو 125 من طريق الإسكندرية–مطروح، ويمتد على مساحة 1544 فداناً، بشاطئ يبلغ طوله 6.2 كيلومتر. ويضم المشروع أكبر مرسى لليخوت في الشرق الأوسط، وملعب جولف عالمياً، و23 مجتمعاً سكنياً، إلى جانب خمسة فنادق ومجموعة من المطاعم والمتاجر العالمية.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت «إعمار» مشروع «مراسي ريد» في منطقة رأس سوما على البحر الأحمر، بالقرب من مطار الغردقة الدولي ومنتجعي «الجونة» و«سهل حشيش». ويمتد المشروع على مساحة 2426 فداناً، بشواطئ يبلغ طولها 1.5 كيلومتر، ويضم مرسى دولياً لليخوت ونادياً لليخوت، باستثمارات تقترب من 900 مليار جنيه.
كما دشنت شركة «أبوظبي التنموية القابضة» المعروفة باسم «ADQ» مشروع مدينة «رأس الحكمة» في الساحل الشمالي الغربي عام 2024، باستثمارات تبلغ 35 مليار دولار وعلى مساحة 40 ألف فدان، تشمل مشروعات ومنتجعات سياحية ضخمة، من بينها «SouthMed» الممتد على مساحة 5.500 فدان.
وتملك «إعمار مصر» كذلك منتجع «سول» أو «Soul» في الساحل الشمالي منذ عام 2022. ويقع المشروع عند الكيلو 180 من طريق الإسكندرية–مطروح، على مساحة 580 فداناً، وباستثمارات تقارب ثلاثة مليارات دولار، ويضم «بيتش هاوس» و«تاون هاوس» و«توين هاوس» وفيلات مستقلة، تتراوح أسعارها بين 15 و30 مليون جنيه.
ويمتد الحضور الإماراتي إلى منتجع «هاسيندا ويست»، الذي أسسته شركة «بالم هيلز» عند الكيلو 200 من طريق الإسكندرية–مطروح، على مساحة 137 فداناً. ودخلت الاستثمارات الإماراتية إلى المشروع من خلال استحواذ «أبوظبي الوطنية للفنادق» ومجموعات استثمارية تابعة لـ«ADQ» على حصص في «بالم هيلز». ويضم المنتجع نحو 300 وحدة بين الفيلات والشاليهات، بأسعار تتراوح بين ثمانية و28 مليون جنيه.
ويرى السياسي والبرلماني السابق ممدوح إسماعيل أن التواجد الإماراتي في مصر يعيد إلى الأذهان «الامتيازات الأجنبية» في عهد الخديوي إسماعيل، حين حصل رعايا دول أوروبية على حماية وامتيازات قانونية واقتصادية وقضائية، ما أدى إلى تصاعد التدخل الأجنبي في الشؤون المالية والقضائية للبلاد.
وقال المحامي والخبير القانوني إن الدور الإماراتي الحالي يشبه الدور الفرنسي تاريخياً، وربط بين التوسع الاقتصادي لأبوظبي ونفوذها السياسي داخل مصر. واعتبر أن ما جرى مع ملاك مشروعات الإسكان الفاخر جزء من أزمة أوسع، محملاً السيسي مسؤولية السماح بهذا النفوذ من أجل البقاء في الحكم.
«فاتيكان جديد» ونزع للأراضي.. الخطر يصل إلى الفقراء والأثرياء
أثارت شكاوى «مراسي» مخاوف من تحوّل المنتجعات المملوكة أو المدارة بواسطة جهات أجنبية إلى مناطق معزولة لها قواعدها الخاصة، على غرار الفاتيكان داخل إيطاليا أو الكانتونات السويسرية الـ26 التي يتمتع كل منها بصلاحيات ودستور وقوانين وبرلمان.
وقالت مدير تحرير جريدة «أخبار اليوم» الصحفية داليا جلال إن ما يحدث يمثل نتيجة لبيع أراضي البلاد للغرباء، محذرة من أن المصريين قد يتحولون مستقبلاً إلى عاملين لدى ملاك هذه المشروعات. كما انتقدت داليا صادق، وهي إحدى الملاك، رفع العلم الإماراتي على أرض مصرية ووجوده عند مدخل المنتجع.
واعتبر «حزب تكنوقراط مصر» أن الأوضاع داخل بعض المشروعات تشير إلى معاملة المصريين كمواطنين من الدرجة الثانية داخل بلادهم. وأكد مواطنون أن المستثمر، مهما كانت جنسيته، لا يصبح مالكاً للسيادة على الأرض المصرية، ولا يحق له تقييد حرية الملاك، فيما عبّر آخرون، بينهم مي علي، عن مخاوف من استمرار تخصيص الأراضي للمستثمرين الإماراتيين وإمكانية وجود وكلاء للاحتلال الإسرائيلي خلف بعض الاستثمارات.
وطرح الفنان التشكيلي إبراهيم شلبي سؤالاً مباشراً حول ما إذا كانت مصر بصدد إنشاء «فاتيكان جديد» على أراضيها. وقال إن الكمبوندات والمنتجعات المغلقة تتحرك سريعاً نحو نموذج أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تسيطر شخصيات نافذة أو صناديق استثمار تابعة لدول أخرى على أحياء ومدن وشواطئ كاملة.
وأضاف شلبي أن أجهزة الدولة المحلية قد تتردد في تطبيق القوانين على هذه المشروعات خوفاً من حدوث أزمات دبلوماسية أو هروب الاستثمارات، معتبراً أن «الكمباوند الأجنبي» قد يكون أخطر من الفاتيكان، لأنه يلتهم جغرافيا استراتيجية ويزرع مناطق منعزلة جغرافياً واقتصادياً وأمنياً وطبقياً عن بقية الوطن.
ولا تتوقف تداعيات الاستحواذات الأجنبية عند ملاك المنتجعات الأثرياء؛ إذ سبقتها شكاوى أهالي مرسى مطروح وجزيرة الوراق وغيرهم ممن نُزعت أراضيهم أو رُحّلوا عنها مقابل تعويضات وصفوها بالبخسة. ووفق دراسة صادرة عن مؤسسة «ديوان العمران» في أيار/مايو، نزعت الحكومة المصرية ملكية نحو 88.8 ألف فدان بين عامي 2021 و2025 لصالح 525 مشروعاً، ما أثر في أكثر من 136 ألف أسرة، بإجمالي يقترب من 546 ألف مواطن.
وسجلت محافظة مطروح أكبر مساحة من الأراضي المنزوعة بسبب المشروعات الاستثمارية والساحلية، وفي مقدمتها مشروع رأس الحكمة مع «إيه دي كيو»، بإجمالي بلغ 49 ألفاً و939 فداناً. وهكذا تجمع الأزمة بين حرمان الفقراء من أراضيهم وتقييد الأثرياء داخل وحداتهم، بينما يبقى السؤال قائماً: من يحمي حقوق المصريين عندما تتحول الاستثمارات الأجنبية من مشروعات اقتصادية إلى مناطق نفوذ تفرض قواعدها داخل حدود الدولة؟

