كشفت واقعة ظهور ثعابين داخل مستشفى الصدر بسوهاج، بالتزامن مع وفاة 3 مواطنين بلدغات سامة في الشرقية، فشل منظومة الوقاية والاستجابة، بعدما تحركت الجهات الرسمية عقب انتشار الفيديوهات وسقوط الضحايا، لا قبل وقوع الخطر.

 

وفضحت الأزمة حكومة تكتفي بتكذيب حداثة المقاطع ونشر خرائط الأمصال، بينما تظل القرى والمستشفيات المكشوفة بلا حماية كافية، ويُترك المواطن الفقير يواجه السم والمسافة وتأخر الإسعاف وحده.

 

الرواية الرسمية لا تكفي

 

وبالتالي لا يكفي إعلان أن الفيديو قديم لإغلاق الملف، لأن دخول الزواحف إلى محيط المستشفى حدث فعلا، واضطرت الجهات المحلية إلى معالجة فتحات الأسوار وإزالة الحشائش والمخلفات الملاصقة للمبنى لمنع تكراره .

 

كما أن تأخر التوضيح حتى إعادة تداول المقطع يطرح سؤالا عن شفافية المؤسسات، إذ لم يعرف الجمهور تاريخ الواقعة بدقة، ولا نتائج أي تحقيق إداري، ولا ما إذا كانت إجراءات الحماية قد أصبحت برنامجا دائما .

 

ولزيادة الطمأنة، قالت مديرية الصحة إن المستشفى يعمل بصورة طبيعية ولم تتلق شكاوى جديدة بعد أعمال الرش والسد والتنظيف، لكن غياب نشر تقارير المتابعة يترك المواطنين أمام تطمينات رسمية يصعب اختبارها مستقلا .

 

لذلك يصبح تحميل المواطنين وحدهم مسؤولية البلبلة خطابا ناقصا، لأن تداول الفيديو وجد بيئة خصبة صنعتها واقعة حقيقية وضعف التواصل الاستباقي، وكان الأجدر نشر المعلومات والإجراءات فور حدوثها بدلا من انتظار موجة الغضب .

 

ومن ثم تكشف معالجة الأسوار بعد دخول الثعابين أن الوقاية تحركت عقب الخطر، لا قبله، وهو نمط متكرر في إدارة المرافق العامة، حيث تبدأ حملات التطهير بعد انتشار الصور بدلا من جداول فحص معلنة ومنتظمة .

 

غير أن الدكتور مجدي ويلسون، أستاذ الحيوانات الضارة بمعهد بحوث وقاية النباتات، أوضح أن ارتفاع الحرارة يدفع الثعابين للخروج بحثا عن الرطوبة والغذاء، وقد تدخل المباني عبر المناور والفتحات والأماكن المفتوحة القريبة .

 

علاوة على ذلك، أكد ويلسون أن الثعابين لا تهاجم الإنسان غالبا إلا عند شعورها بالتهديد، وأن الأنواع غير السامة أكثر انتشارا، لكن التعامل المباشر معها يظل خطرا يستوجب تدخل مختصين لا اجتهاد العاملين أو الأهالي .

 

بناء على ذلك، فإن قرب أسوار مستشفى الصدر من الأراضي الزراعية كان يستلزم خطة موسمية قبل الصيف تشمل إزالة الحشائش وسد الثغرات والمراقبة، لا مجرد رش مؤقت يعقب ظهور الزواحف داخل منشأة تستقبل مرضى الصدر .

 

الريف يدفع الثمن

 

في المقابل، سجل مركز منيا القمح بالشرقية 3 وفيات خلال أقل من أسبوعين، شملت الطفلة ملك عصام والطفل عبدالرحمن إبراهيم والسيدة سهام بسيوني، بعدما تعرضوا للدغات أثناء وجودهم أو عملهم قرب الأراضي الزراعية .

 

وعلى الجانب الآخر، لم تكن الضحايا مجرد أرقام عابرة، فالطفلان كانا يساعدان أسرتيهما في الحقول، بينما تركت السيدة المتوفاة أطفالا خلفها، بما يحول الأزمة إلى مأساة ريفية يدفع ثمنها الفقراء والعاملون بالزراعة .

 

وفي السياق نفسه، ربط متخصصون تكرار الحوادث بارتفاع الحرارة والحشائش الكثيفة والمصارف غير المطهرة والمخلفات الزراعية، وهي عوامل معروفة كان يمكن تقليلها بحملات وقائية مبكرة قبل سقوط الضحايا وتصاعد ذعر القرى .

 

ومع ذلك، جاءت حملات التمشيط واصطياد الثعابين بعد الوفيات، ثم أعادت وفاة الطفلة ملك المطالبات بتوسيعها، ما يكشف أن الاستجابة ظلت محلية ومتأخرة بدلا من خطة شاملة تغطي القرى والمصارف ومحيط المنازل .

 

وفوق ذلك، طالب الأهالي بتوفير الأمصال في المواقع الأقرب إلى القرى، لأن عامل الزمن يحكم فرص النجاة، بينما قد يضيع المصاب دقائق حاسمة بين وحدة صحية لا تملك المصل ومستشفى مركزي يبعد مسافة طويلة .

 

ومن ناحية أخرى، شدد الدكتور علي عبدالله، رئيس الجمعية المصرية للدراسات الدوائية والإحصاء، على أن الهدوء والاتصال الفوري بالإسعاف والنقل السريع للمستشفى خطوات حاسمة، محذرا من الممارسات الشعبية التي تزيد انتشار السم ومضاعفاته .

 

استنادا إلى ذلك، فإن التوعية لا يجوز أن تبدأ بعد الجنازات، بل يجب أن تصل إلى المدارس والجمعيات الزراعية والمساجد والوحدات المحلية قبل ذروة الصيف، مع تدريب الأسر على النقل الصحيح ومنع الكي والشق والمص والربط .

 

بالتوازي، تحتاج القرى إلى تطهير دوري للمصارف وإزالة الحشائش والمخلفات وتأمين المنازل، لأن تحويل المسؤولية إلى نصائح فردية فقط يعفي الجهات التنفيذية من واجب الوقاية البيئية ويترك المواطن وحيدا أمام خطر جماعي .

 

والأخطر من ذلك، أن تكرار الوفيات في نطاق جغرافي محدود خلال أيام يفرض مراجعة زمن انتقال الإسعاف ومسارات الإحالة وتجهيز الطوارئ، بدلا من الاكتفاء ببيانات تؤكد التوافر من دون نشر أزمنة الوصول والنتائج العلاجية .

 

النجاة رهينة الوقت

 

وفي ضوء ذلك، أعلنت وزارة الصحة خريطة لمستشفيات يتوافر بها المصل في عدد من المحافظات، ودعت المصابين إلى التوجه فورا لأقرب مستشفى مدرج والاتصال بالرقم 137 للحصول على الإرشاد وتحديد جهة العلاج .

 

رغم هذا، لا تجيب الخريطة وحدها عن سؤال المسافات بين القرى الزراعية والمستشفيات، ولا عن توافر سيارات الإسعاف والأطباء المدربين في كل نوبة، وهي التفاصيل التي تحدد فعليا قدرة المصل الموجود على إنقاذ الحياة .

 

وعمليا، قال الدكتور حسام عبدالغفار، مساعد وزير الصحة، إن قصر المصل على المستشفيات قرار طبي لأن إعطاءه يتطلب تقييما وفريقا مدربا وتجهيزات إنعاش ومراقبة للمصاب تمتد بين 24 و48 ساعة .

 

إلى جانب ما سبق، أكد عبدالغفار أن بعض اللدغات لا تستدعي المصل وأن العلاج الوريدي قد يسبب حساسية حادة، لكن هذا التفسير الطبي لا يلغي ضرورة تقليل زمن النقل وتجهيز نقاط إسعاف قريبة للفرز والاستقرار الأولي .

 

ومن جهة أخرى، شدد عبدالغفار على أن سرعة الوصول إلى مستشفى مجهز هي الأولوية، وحذر من الكي والشق والمص وربط الطرف بإحكام، لأن هذه الممارسات قد تفاقم الضرر وتؤخر العلاج المتخصص المطلوب .

 

عندئذ يصبح جوهر الأزمة ليس مجرد وجود عبوات المصل، بل قدرة المنظومة على إيصال المصاب إليها في الوقت المناسب، وهو اختبار يجمع الطرق والإسعاف والإحالة والتجهيز والتدريب والاتصال، لا المخزون الدوائي وحده .

 

أخيرا، تكشف واقعة سوهاج ووفيات الشرقية أن الدولة ما زالت تتحرك بعد انتشار الفيديوهات أو سقوط الضحايا، بينما تتطلب الحماية الحقيقية خرائط مخاطر موسمية وحملات تطهير مسبقة ومؤشرات معلنة لزمن الاستجابة وتوافر العلاج .

 

وخلاصة الأمر، لا يجوز دفن الأزمة تحت عبارة الفيديو قديم، فالثعابين دخلت محيط مستشفى فعلا، و3 أرواح فقدت في الشرقية، والخطر الصيفي يتصاعد، بينما تبقى الوقاية الريفية وسرعة الإحالة الحلقة الأضعف في المنظومة .