خفضت مصانع السكر المصرية في السوق المحلية سعر تسليم الطن إلى نحو 22 ألف جنيه، مقابل 27 ألفا و500 جنيه منتصف يونيو، بهبوط يقارب 20%، تحت ضغط نقص السيولة وتكدس المخزون والحاجة العاجلة لشراء محصول البنجر.

 

وكشفت هذه التخفيضات أن المواطن والفلاح والعامل يدفعون ثمن إدارة مرتبكة أغرقت السوق بالخام المستورد، ثم أغلقت منافذ التصدير، وتركت المصانع تبيع بخسارة كي تسدد التزاماتها وتحصل على نقد للتشغيل.

 

سيولة تنتزع بالخسارة

 

وبالتالي لم يعد انخفاض السعر دليلا على نجاح حكومي، بل علامة على اختناق دورة الإنتاج، إذ تبيع الشركات بأقل من التكلفة، بينما تتراكم مستحقات الموردين ويواجه المزارعون خطر التأخير أو تقليص التعاقدات المقبلة.

 

كما تراجع سعر الطن بنحو 5 آلاف و500 جنيه خلال أسابيع قليلة، وهو هبوط حاد لا تفسره المنافسة الطبيعية وحدها، لكنه يعكس سباقا اضطراريا بين المصانع لتصريف المخزون والحصول على سيولة فورية.

 

ولزيادة وضوح الأزمة، تتجاوز تكلفة إنتاج طن السكر من البنجر حاليا 28 ألف جنيه، بينما يجري البيع قرب 22 ألفا، ما يعني خسارة مباشرة تقارب 6 آلاف جنيه قبل احتساب أعباء التمويل والتخزين.

 

لذلك قال حسن الفندي، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات، إن السعر العادل للطن يقارب 26 ألف جنيه، محذرا من أن تداوله عند 23 ألفا يكبد الشركات خسائر تناهز 3 آلاف جنيه للطن.

 

ومن ثم تصبح التخفيضات عملية استنزاف لرؤوس الأموال، لأن المصنع يبيع المنتج النهائي بأقل من كلفته كي يمول شراء الخام المحلي، وهو تناقض يكشف غياب آلية حكومية تربط الإنتاج بالمخزون والاستهلاك والتجارة.

 

غير أن وفرة السلعة لا تعني سلامة الصناعة، فالمخزون الذي يزيد على مليون و200 ألف طن تحول من ضمان للأمن الغذائي إلى عبء مالي، بعدما تعطل التصريف وضعف الطلب واستمرت القيود على التصدير.

 

علاوة على ذلك، سجلت مصر خلال موسم 2025 أعلى إنتاج للسكر في تاريخها بنحو 2 مليون و960 ألف طن، بزيادة سنوية بلغت 34%، لكن طفرة الإنتاج تحولت إلى أزمة بسبب سوء إدارة الفائض وتضارب القرارات.

 

وبناء على ذلك، اتسعت المساحات المزروعة بالبنجر إلى نحو 750 ألف فدان، بعدما كانت أقل من 600 ألف، من دون بناء سياسة تسويقية تستوعب الزيادة أو تحمي المصانع والمزارعين من انهيار العائد.

 

المزارع يدفع الثمن

 

في المقابل، دخلت مصر عام 2026 بمخزون يتجاوز مليون و200 ألف طن من السكر الأبيض، نصفه تقريبا إنتاج محلي والنصف الآخر ناتج عن خام مستورد، بما ضاعف التخمة وأضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة.

 

وعلى الجانب الآخر، ارتفعت واردات السكر الخام خلال العام الماضي بنحو 16 فاصلة 8% لتقترب من 876 ألف طن، مقابل نحو 750 ألفا سابقا، رغم بلوغ الإنتاج المحلي مستوى قياسيا واقتراب البلاد من الاكتفاء الذاتي.

 

وإلى جانب ذلك، بلغت تكلفة إنتاج السكر من الخام المستورد نحو 20 ألف جنيه للطن، مقابل قرابة 29 ألفا و500 جنيه لإنتاجه من البنجر المصري، وهو فارق جعل الاستيراد الرخيص أداة لضرب الزراعة والصناعة المحليتين.

 

وفي السياق نفسه، أوضح مصطفى عبد الجواد، رئيس مجلس المحاصيل السكرية، أن المستورد يكلف نحو 20 ألف جنيه، مقابل 26 ألفا للمنتج المحلي، مؤكدا أن تكدس المخزون تسبب في تأخير مستحقات بعض المزارعين.

 

مع ذلك، خفضت الشركات سعر توريد البنجر من أكثر من 2400 جنيه للطن في الموسم الماضي إلى نحو 2000 جنيه حاليا، رغم ارتفاع تكاليف الأسمدة والتقاوي والعمالة والري والنقل، بما يضغط على دخل الفلاح.

 

وفوق ذلك، تشير شهادات مزارعين إلى أن إيراد الفدان عند إنتاج 20 طنا يبلغ نحو 40 ألف جنيه، بينما تتجاوز التكلفة 55 ألفا، لتصل الخسارة التقريبية إلى 15 ألف جنيه قبل احتساب المخاطر الزراعية.

 

ومن ناحية أخرى، حذر معاطي قشطة، الباحث بالمعهد القومي للبحوث الزراعية، من أن إغراق السوق بالسكر المستورد يعطل المصانع ويمنع تسويق الإنتاج، وينعكس على الفلاحين العاجزين عن سداد ديون الأسمدة والميكنة.

 

واستنادا إلى ذلك، يواجه المزارع معادلة عقابية مزدوجة، إذ تنخفض أسعار توريد البنجر وتتأخر المستحقات، بينما ترتفع تكاليف الزراعة، ثم تطالبه الدولة بمواصلة التوسع في محصول لا تضمن له سعرا عادلا أو سدادا منتظما.

 

قرارات صنعت التخمة

 

وهكذا استمر حظر تصدير السكر منذ 2023، ثم جرى تمديده ثلاثة أشهر إضافية بقرار صدر في مايو 2026، مع السماح فقط بالكميات التي تعتبرها وزارة التموين فائضة وبعد الحصول على موافقة رسمية.

 

وبحسب القرار الحكومي، يستهدف الحظر حماية احتياجات السوق والمخزون الاستراتيجي، لكن استمرار التكدس وهبوط الأسعار يطرح سؤالا جوهريا عن سبب منع المصانع من تصريف الفائض بينما تعجز عن تمويل مشتريات البنجر.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو السياسة الرسمية متناقضة، إذ تسمح باستيراد الخام الرخيص لتكريره محليا، ثم تقيد تصدير المنتج النهائي، فتخلق فائضا مصطنعا يضغط على المصانع الوطنية ويهدد استمرارها وقدرتها على تشغيل العمال.

 

رغم ذلك، لا يضمن هبوط سعر أرض المصنع انتقال الانخفاض كاملا وبالسرعة نفسها إلى متاجر التجزئة، بينما قد يحتفظ الوسطاء بهوامش واسعة، فتتحمل الصناعة الخسارة دون استفادة اجتماعية متناسبة للمستهلكين.

 

وبالتوازي، تمنح الوفرة الحالية الحكومة فرصة دعائية للحديث عن استقرار السلعة، لكنها تخفي خلف الرفوف الممتلئة أزمة سيولة وخسائر مصانع وديون مزارعين، وهي كلفة مؤجلة قد تنفجر في موسم الزراعة المقبل.

 

والأخطر أن استمرار البيع دون التكلفة قد يدفع بعض الشركات إلى خفض الإنتاج أو التوقف المؤقت أو تقليص التعاقدات، ما يعيد السوق لاحقا إلى النقص وارتفاع الأسعار بعد تدمير الطاقة المحلية التي صنعت الوفرة.

 

وعمليا، تحتاج الأزمة إلى وقف الاستيراد غير الضروري، وإتاحة تصدير الفائض بضوابط شفافة، وتسعير عادل للبنجر، وجدولة سريعة لمستحقات المزارعين، وإنشاء آلية معلنة توازن بين المخزون والاستهلاك والتشغيل من دون قرارات متضاربة.

 

وأخيرا، لا يجوز تقديم رخص السكر بوصفه إنجازا منفصلا عن استدامة المصانع والزراعة، لأن السعر المنخفض الناتج عن خسائر قسرية ليس حماية للمستهلك، بل مقدمة لاحتكار جديد ونقص لاحق وارتفاع أشد كلفة.

 

وخلاصة الأمر، صنعت الحكومة تخمة السكر بالاستيراد المتوسع وحظر التصدير وضعف التخطيط، ثم تركت المصانع والفلاحين يتنازعون السيولة والخسائر، بينما يظل المستهلك معرضا لصدمة مقبلة إذا انهارت القدرة الإنتاجية المحلية.