تتواصل التحفظات داخل مجلس النواب على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مع اتساع دائرة النواب الرافضين أو المتحفظين على بعض مواده، في ظل تركيز أغلب الاعتراضات على آليات الرقابة والمحاسبة وطبيعة الصلاحيات الممنوحة للجهاز. وبينما أكد عدد من النواب أنهم لا يعارضون فكرة دعم التنمية أو تعظيم موارد الدولة، شددوا على ضرورة وجود ضمانات واضحة للشفافية والرقابة البرلمانية، معتبرين أن مشروع القانون بصيغته الحالية يثير تساؤلات بشأن إدارة الأصول العامة وتداخل الاختصاصات مع كيانات قائمة بالفعل.

 

راوية مختار: الاعتراض على غياب الرقابة لا على فكرة الجهاز

 

انضمت وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، راوية مختار، إلى قائمة النواب الذين أعلنوا تحفظهم على مشروع القانون، مع الحرص على توضيح أن موقفها لا يستهدف فكرة إنشاء الجهاز أو أهدافه التنموية، وإنما يتركز على غياب الضمانات الكافية للرقابة والمحاسبة.

 

وأكدت مختار أن الجميع يتفق على أهمية تعظيم موارد الدولة وحسن إدارة الأصول، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، مشيرة إلى أن دعم جهود التنمية يمثل هدفًا لا خلاف عليه، إلا أن نجاح أي كيان يتولى إدارة موارد عامة يرتبط بوجود آليات واضحة للمساءلة والشفافية.

 

وفي هذا السياق، طرحت عدة تساؤلات حول كيفية قياس العائد الاقتصادي للمشروعات التي سينفذها الجهاز، والجهة التي ستتولى متابعة أدائه وتقييم نتائجه، مؤكدة أنها لم تجد في نص مشروع القانون مواد تحدد بصورة واضحة آليات المحاسبة أو الرقابة على أداء الجهاز.

 

كما أثارت تساؤلًا بشأن أسباب عدم خضوع العوائد الاقتصادية للجهاز لرقابة البرلمان، معتبرة أن استثناءها من الرقابة التشريعية، مع غياب نصوص واضحة للمساءلة، يثير علامات استفهام تستوجب المعالجة قبل إقرار القانون.

 

واختتمت موقفها بالتأكيد على مبدأ عام مفاده أن أي جهة تدير أصولًا أو موارد عامة يجب أن تخضع لرقابة ومحاسبة واضحة، قائلة إن «لا أحد فوق المحاسبة والرقابة»، في إشارة إلى ضرورة ترسيخ مبادئ الشفافية وحماية المال العام.

 

اعتراضات حزبية: مخاوف من الصلاحيات وتداخل الاختصاصات

 

وشهدت الجلسة البرلمانية اعتراضات مماثلة من عدد من ممثلي الأحزاب، حيث وصف النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، مشروع القانون بأنه «خطير جدًا»، مطالبًا بإخضاعه لحوار مجتمعي واسع قبل إقراره، لا سيما في ظل ما تتضمنه بعض مواده من صلاحيات اعتبر أنها قد تحول الجهاز إلى «دولة داخل الدولة».

 

وأشار داود إلى المواد 10 و33 و71 و72 باعتبارها من أكثر المواد التي تستوجب إعادة النظر، معتبرًا أن المشروع قد يتعارض مع مبادئ حماية المنافسة ومنع الاحتكار، كما قد ينعكس سلبًا على جذب الاستثمارات الخارجية، معلنًا رفضه للمشروع مع عرض الأمر على حزب الوفد لاتخاذ موقفه النهائي.

 

ومن جانبها، أعلنت النائبة إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، رفضها لمشروع القانون، معتبرة أنه يؤسس لـ«دولة موازية» ويعزز مركزية اتخاذ القرار.

 

كما انتقدت غياب الرقابة البرلمانية على الجهاز، ورأت أن المشروع يخلق ازدواجية في إدارة الصناديق السيادية، ويمنح الجهاز استثناءات من القوانين العامة، متسائلة عن آليات الرقابة على جهاز سيتولى تنفيذ مشروعات تنموية دون وضوح كافٍ بشأن اختصاصاته.

 

أما النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، فأعلن تحفظه على مشروع القانون، معترضًا على إنشاء صندوق سيادي جديد تابع للجهاز، رغم وجود صندوق مصر السيادي، معتبرًا أن الأفضل هو ضم الصندوق المقترح إلى الصندوق القائم بالفعل مع توسيع نطاق الحوكمة الإدارية، بما يحقق توازنًا أفضل بين المخاطر والالتزامات.

 

نقطة مشتركة بين المعترضين: تعزيز الحوكمة قبل إقرار القانون

 

ورغم اختلاف الخلفيات السياسية للنواب الذين أعلنوا رفضهم أو تحفظهم على مشروع القانون، فإن مواقفهم التقت عند مجموعة من النقاط الرئيسية، أبرزها المطالبة بآليات رقابة ومحاسبة أكثر وضوحًا، وضمان خضوع الجهاز للرقابة البرلمانية، وتحديد معايير واضحة لتقييم أدائه والعائد الاقتصادي لمشروعاته.

 

كما ركزت الاعتراضات على ضرورة تجنب تداخل الاختصاصات مع المؤسسات والصناديق القائمة، وإعادة النظر في بعض المواد التي تمنح الجهاز صلاحيات استثنائية، مع الدعوة إلى مزيد من الحوار حول المشروع قبل إقراره.

 

ويعكس اتساع دائرة التحفظات داخل المجلس أن النقاش لم يعد مقتصرًا على موقف أحزاب بعينها، بل امتد إلى نواب من توجهات مختلفة، تجمعهم المطالبة بضمانات مؤسسية تكفل الشفافية والرقابة على إدارة الأصول والاستثمارات العامة، بما يحقق أهداف التنمية مع الحفاظ على مبادئ المساءلة والحوكمة.