أصدر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في مصر 3 تعيينات جديدة داخل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، فوضع رئيس العمليات العسكرية قائدا لها، ومدير سلاح الإشارة نائبا، وضابطا من الداخلية مساعدا، لتنتقل إدارة الطوارئ عمليا إلى قبضة أمنية عسكرية.
يكشف القرار أن الدولة التي تواجه أزمات معيشية وصحية وبيئية متفاقمة لا تبحث عن قيادة مدنية متخصصة بقدر ما تعيد إنتاج منطق الثكنة، حيث تتحول الكارثة إلى ملف سيطرة، ويتراجع المواطن من شريك إلى هدف للإدارة والتعليمات.
وبحسب القرار الرئاسي، تولى الفريق محمد عبد الرحمن بسيوني سالم ربيع رئاسة الهيئة بعد قيادته هيئة عمليات القوات المسلحة، بينما شغل اللواء هاني محمود سيد منصور منصب النائب قادما من إدارة سلاح الإشارة.
كما دخل اللواء سامح نبيل يوسف من وزارة الداخلية إلى التشكيل مساعدا للرئيس، لتكتمل قمة الهيئة بثلاثة مسارات أمنية وعسكرية، من دون إعلان اسم خبير مدني في الصحة أو الإنقاذ أو الإدارة المحلية.
غير أن التوقيت يضاعف دلالة الاختيار، فالقرارات صدرت بعد 5 أيام فقط من افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الجديدة، وبعد استعراض رسمي واسع لقدرات الدولة في التعامل مع الأزمات والكوارث.
ومن ثم يصعب التعامل مع التعيينات باعتبارها نقلا وظيفيا عاديا، لأن السيسي نفسه ربط مقر القيادة الجديدة بدروس أحداث 2011، ما يضع الاضطرابات الداخلية إلى جوار الكوارث والحروب داخل تصور واحد للأزمة.
وبالتالي يصبح السؤال الحقيقي ليس هل يمتلك رئيس العمليات خبرة في السرعة والانضباط، بل لماذا لم يجد النظام لهذه الهيئة سوى قائد عسكري ميداني، وكأن إدارة الفيضانات والأوبئة والحرائق تحتاج غرفة عمليات أكثر من مؤسسات مدنية قوية.
الطوارئ بمنطق العمليات
يوضح اختيار رئيس هيئة العمليات أن السيسي يريد نمطا مركزيا شديد السرعة في تلقي المعلومات وإصدار الأوامر وتحريك الموارد، وهي خصائص عسكرية مفهومة، لكنها ليست وحدها كافية لإدارة أزمات مدنية معقدة ومتعددة الأطراف.
وفي هذا السياق، قال اللواء أيمن سليمة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن إدارة الأزمات في مصر انتقلت من رد الفعل إلى الاستباق، مع توظيف التكنولوجيا والاتصالات في اتخاذ القرار.
لكن قراءة سليمة، التي تشرح منطق الدولة الرسمي، تكشف أيضا لماذا جرى تفضيل قائد العمليات، فالمطلوب وفق هذا التصور مركز يعرف مبكرا ويقرر سريعا وينفذ رأسيا، لا جهازا تفاوضيا موزعا بين الوزارات والمحليات.
وعلاوة على ذلك، يحمل تعيين مدير سلاح الإشارة نائبا معنى تقنيا واضحا، لأن الاتصال الآمن وتبادل البيانات اللحظي يشكلان قلب أي غرفة قيادة، خصوصا عندما تريد الرئاسة جمع المحافظات والوزارات والأجهزة في شبكة واحدة.
أما وجود ضابط من وزارة الداخلية في موقع المساعد فيربط الهيئة مباشرة بأجهزة الأمن الداخلي، وهو ما يوسع تعريف الأزمة من الزلزال والحريق والوباء إلى الاضطراب العام والاحتجاج وكل حدث تعتبره السلطة تهديدا للاستقرار.
ولذلك لا تبدو تركيبة القيادة موزعة على أنواع الكوارث بقدر ما تبدو موزعة على أدوات السيطرة، فالعمليات تقود، والإشارة تنقل المعلومات، والداخلية تدير المجال الداخلي، بينما يغيب عن القمة أي تمثيل مدني معلن.
وفي المقابل، يرى اللواء سمير فرج أن مقر القيادة الجديدة يرسل رسالة بأن الدولة مستعدة للتهديدات الخارجية والكوارث الداخلية، من الزلازل إلى الأوبئة، وهو تفسير يدعم فكرة توحيد القرار والموارد تحت قيادة مركزية.
إلا أن توحيد القيادة لا يساوي بالضرورة عسكرة المؤسسة، فالدول تستطيع إنشاء مراكز وطنية قوية للطوارئ يقودها مدنيون ويشارك فيها الجيش عند الحاجة، بدلا من تحويل المؤسسة العسكرية نفسها إلى المرجع الدائم لكل عجز حكومي.
الأوكتاغون وظل يناير
يرتبط القرار كذلك بخطاب السيسي عند افتتاح القيادة الاستراتيجية، حين تحدث عن دروس 2011 وضغوط تعرضت لها مؤسسات الدولة، ما يجعل الخوف من فقدان السيطرة جزءا معلنا من فلسفة بناء المنظومة الجديدة.
ومن ناحية أخرى، يخلط هذا الخطاب بين الكارثة الطبيعية والأزمة السياسية، لأن الدولة التي ترى الثورة والزلزال داخل منطق استمرارية الحكم نفسه تميل إلى بناء مؤسسات تراقب وتحتوي قبل أن تسمع وتستجيب.
ولهذا يمكن فهم تعيين قائد العمليات باعتباره اختيارا سياسيا بقدر كونه فنيا، فالرجل القادم من قلب التخطيط العسكري يتولى هيئة يفترض أن تنسق الدولة وقت الاضطراب، أي في اللحظة التي يخشاها أي نظام مركزي.
كذلك يطرح الباحث يزيد صايغ، المتخصص في العلاقات المدنية العسكرية، تحذيرا أوسع من تركيز العسكريين داخل مؤسسات الدولة، موضحا أن نمط جمهورية الضباط يوسع حضورهم في أجهزة عامة تتجاوز الوظائف الدفاعية التقليدية.
وبناء على طرح صايغ، يمكن قراءة التعيينات الجديدة كحلقة إضافية في مسار يمنح الضباط موقعا متقدما كلما فشلت المؤسسات المدنية أو ضعفت، بدلا من الاستثمار في بناء خبرة مدنية مستقلة وقادرة على القيادة.
ومع ذلك، لا يعني نقد العسكرة إنكار أهمية الجيش أثناء الكوارث، فالمؤسسة العسكرية تملك النقل والهندسة والاتصالات والانضباط، لكن الفرق كبير بين مشاركتها كذراع تنفيذية وبين احتكارها رأس المؤسسة التي تقرر وتنسق وتراقب.
وفوق ذلك، تكمن خطورة النموذج في غياب المساءلة العامة، إذ تخضع القرارات العسكرية بطبيعتها لثقافة السرية والتسلسل، بينما تحتاج إدارة الأزمات المدنية إلى شفافية البيانات، ومشاركة الخبراء، وتقييم الأخطاء أمام المواطنين.
من يحمي المواطن
على المستوى الإنساني، لا تقاس كفاءة هيئة الطوارئ بعدد الشاشات أو اتساع المقرات، بل بقدرتها على إنقاذ الناس في الحريق والفيضان والوباء، وإيصال المعلومات بسرعة، وتعويض المتضررين، ومحاسبة المقصرين بلا حصانة.
إضافة إلى ذلك، فإن مصر شهدت خلال السنوات الماضية حرائق وانهيارات مبان وأزمات صحية كشفت ضعف الوقاية والتنسيق المحلي، وهي مشكلات لا يحلها مجرد نقل القيادة إلى لواء مهما بلغت خبرته الميدانية.
في الوقت نفسه، تحتاج إدارة الكوارث إلى أطباء ومهندسين وخبراء مناخ واتصالات ومسؤولين محليين ومنظمات مجتمع، لأن الأزمة المدنية شبكة احتياجات، وليست خصما عسكريا يمكن هزيمته بأمر صادر من غرفة قيادة واحدة.
وعند المقارنة، تبدو التشكيلة الجديدة انعكاسا لفلسفة السيسي الأوسع، فبدلا من إصلاح الوزارات والمحليات ومنحها الكفاءة والموارد، يجري إنشاء مركز أقوى فوقها، ثم تسليمه لمن يثق النظام في انضباطهم وولائهم المؤسسي.
أخيرا، يظل اختيار قائد العمليات لرئاسة هيئة الطوارئ مفهوما فقط داخل دولة ترى السرعة والسيطرة أولوية أعلى من التعدد والمساءلة، لكنها مخاطرة حين تصبح كل أزمة مبررا لتوسيع القبضة العسكرية على المجال المدني.
وهكذا لا يسأل القرار من يملك أفضل خبرة لحماية المواطنين، بل يكشف من يثق به السيسي عندما تهتز الدولة، والإجابة جاءت واضحة من التعيينات نفسها، الجيش يقود، والإشارة تربط، والداخلية تحضر، والمدنيون ينتظرون الأوامر.

