يسلط هذا التقرير، الذي أعدته العربي الجديد، الضوء على شهادات نساء مصريات تحدثن عن تعرضهن للإهانة والإهمال والعنف أثناء الولادة داخل مستشفيات حكومية، وهي القضية التي عادت إلى الواجهة بعد نشر الطبيبة أمنية سويدان رواية عن ممارسات شهدتها خلال فترة تدريبها في أحد مستشفيات الإسكندرية، قبل أن تواجه ملاحقة قضائية أثارت نقاشًا واسعًا حول واقع خدمات رعاية الأمومة في مصر.

 

وتوضح العربي الجديد أن القضية تجاوزت حدود منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما دفعت مئات النساء والعاملين في القطاع الصحي إلى مشاركة تجارب مشابهة، وهو ما أعاد فتح ملف جودة الرعاية الصحية، وحقوق المرضى، وآليات الرقابة والمحاسبة داخل أقسام النساء والتوليد بالمستشفيات الحكومية.

 

شهادات تكشف واقعًا مؤلمًا داخل مستشفيات الولادة

 

تبدأ القصة مع رشا ماهر، التي نُقلت إلى مستشفى جامعة المنصورة أواخر عام 2024 عقب إصابتها بمضاعفات خطيرة استدعت تدخلًا طبيًا عاجلًا، لكنها تقول إنها انتظرت أيامًا قبل نقلها إلى قسم الحمل عالي الخطورة، بينما واجهت معاملة قاسية من بعض أفراد الطاقم الطبي، إلى جانب مطالبات بدفع إكراميات.

 

وتروي رشا أن الأطباء والممرضين تعاملوا معها بعنف لفظي خلال الفحوصات الطبية، بينما عانت من نقص واضح في النظافة داخل المستشفى، إذ شاهدت دورات مياه ملوثة بالدماء والحشرات ومخلفات طبية، وهو ما زاد من معاناتها النفسية والجسدية.

 

وتتكرر روايات مشابهة لدى سيدات أخريات، إذ تصف ميادة إبراهيم ما تعرضت له في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية، حيث رفض الأطباء في البداية استقبالها رغم اكتمال حملها، وطالبوها بإعادة الفحوصات الطبية أكثر من مرة قبل السماح لها بالدخول. وتقول إنها واجهت تعليقات مهينة خلال الكشف الطبي، بينما تناوب أطباء الامتياز على فحصها بطريقة وصفتها بأنها أفقدتها خصوصيتها وكرامتها.

 

كما روت عفاف عرفة، التي وضعت مولودتها في المستشفى نفسه، تعرضها للإهانة والضرب أثناء الولادة، وقالت إنها شاهدت ممرضات وأطباء يعتدون على مريضات أخريات، قبل أن تكتشف لاحقًا خضوعها لشق جراحي أثناء الولادة دون إبلاغها، وهو ما تسبب في مضاعفات استلزمت جراحة جديدة.

 

دراسات ترصد انتشار العنف التوليدي وأزمة النظام الصحي

 

يشير التقرير إلى أن سوء معاملة النساء أثناء الولادة لا يقتصر على مصر، بل يمثل ظاهرة عالمية، إذ أظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2025 أن أكثر من نصف النساء حول العالم تعرضن لأحد أشكال سوء المعاملة أو غياب الاحترام أثناء الولادة.

 

أما في مصر، فكشفت دراسة أجرتها جامعة المنيا خلال العام نفسه أن ما يقرب من نصف المشاركات تعرضن لمعاملة تفتقر إلى الاحترام داخل أقسام الولادة، بينما أفادت نسبة كبيرة بانتهاك خصوصيتهن، وتعرضهن للعنف الجسدي، أو مطالبة بعضهن بدفع إكراميات، إضافة إلى غياب الشرح الكافي للإجراءات الطبية.

 

ويربط التقرير هذه الظواهر بالأزمات المزمنة التي يعانيها القطاع الصحي، مثل نقص التمويل، وضعف أجور الأطباء، والضغط الناتج عن التكدس الشديد داخل المستشفيات الحكومية، حيث تضطر الفرق الطبية إلى التعامل مع أعداد كبيرة من المرضى في ظل إمكانات محدودة.

 

ويؤكد محمود فؤاد، مدير مؤسسة الحق في الدواء، أن الازدحام أصبح من أبرز سمات المستشفيات الحكومية، مشيرًا إلى أن المرضى يواجهون طوابير طويلة منذ لحظة وصولهم، بينما تعمل الأطقم الطبية تحت ضغط مستمر ينعكس على جودة الخدمات المقدمة.

 

دعوات للإصلاح وتحقيق التوازن بين حقوق المرضى والأطباء

 

أثارت القضية ردود فعل واسعة داخل الأوساط الطبية، إذ أعلنت نقابة الأطباء تخصيص خط ساخن لتلقي شكاوى المرضى، كما بدأت كلية الطب بجامعة الإسكندرية مراجعة الوقائع التي تدعمها أدلة واضحة. وأكدت النقابة لاحقًا أن الحفاظ على كرامة المرضى يمثل جزءًا أساسيًا من أخلاقيات المهنة، مع الدعوة إلى تطبيق معايير منظمة الصحة العالمية الخاصة بالرعاية الآمنة والإنسانية أثناء الولادة.

 

وأوصت الجهات المشاركة في النقاش بوضع ضوابط تمنع الإساءة اللفظية أو الجسدية، وتحافظ على خصوصية المريضات، وتسمح بوجود مرافق أثناء الولادة، إلى جانب توفير دعم نفسي للنساء خلال هذه المرحلة.

 

في المقابل، دعا عدد من الأطباء إلى عدم تعميم الاتهامات، مؤكدين أن بعض الممارسات التي يفسرها المرضى باعتبارها عنفًا قد تفرضها الضرورات الطبية في حالات معينة، مثل استخدام وسائل ضغط محددة لتسهيل الولادة وإنقاذ حياة الأم أو الجنين. ومع ذلك، شددوا على أن أي إساءة لفظية أو بدنية لا تجد مبررًا مهنيًا أو أخلاقيًا.

 

ويرى خبراء الصحة العامة أن الإصلاح الحقيقي يتطلب رفع وعي النساء بحقوقهن الطبية، وإلزام المؤسسات الصحية بالحصول على موافقة مستنيرة قبل أي إجراء علاجي، إلى جانب تفعيل آليات رقابية فعالة، ووضع لوائح واضحة لحماية حقوق المرضى ومحاسبة المخالفين، مع تحسين بيئة عمل الأطباء وتخفيف الضغوط الواقعة عليهم.

 

ويخلص التقرير إلى أن الشهادات المتتالية لا تعكس وقائع فردية معزولة، بل تكشف أزمة أعمق يعيشها قطاع الرعاية الصحية في مصر، حيث تتقاطع ضغوط التمويل، والازدحام، وضعف الرقابة مع أكثر اللحظات حساسية في حياة النساء. ومع استمرار ظهور روايات جديدة، يتجه النقاش العام نحو التساؤل عما إذا كانت هذه القضية ستقود إلى إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار لكرامة المريضات، وتعزز الثقة في خدمات الأمومة داخل المستشفيات الحكومية.

 

https://www.newarab.com/features/how-whistleblower-post-exposed-egypts-maternity-ward-abuse