تقدم النائب بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة إلى الحكومة في القاهرة بشأن عجز يبلغ 460 ألف معلم وتدهور أجور المعلمين، ففضح انهيار ركيزة المدرسة الحكومية.
وبالتالي لا تبدو الأزمة ملفا ماليا محدودا، بل شاهدا على دولة توسع إنفاقها في الحجر وتترك من يصنع الإنسان تحت ضغط الفقر، ثم تطلب من المعلم المنهك أن ينقذ جيلا كاملا بلا أدوات.
أجور لا تكفي ورسالة تتهشم
كما أن الحكومة تكرر أن التعليم قاطرة التنمية، فإن واقع مئات الآلاف من المعلمين يقول العكس؛ فالدخول الضعيفة لم تعد تلاحق الغلاء، ولا تمنح المعلم قدرة حقيقية على التفرغ لرسالته.
لذلك تحولت مهنة التدريس في المدارس الحكومية من رسالة اجتماعية إلى معركة بقاء يومية، حيث يواجه المعلم ارتفاع الطعام والمواصلات والسكن، بينما تطالبه الدولة بالانضباط والعطاء داخل فصل مكتظ ومرهق.
ومن ثم يصبح الحديث عن بناء الإنسان بلا إنصاف المعلم نوعا من الدعاية السياسية، لأن المدرسة لا تنهض باللافتات ولا بالمناهج المطبوعة، بل بمعلم قادر على العيش بكرامة قبل أن يطالب بالتميز.
غير أن أزمة الأجور لا تقف عند ضعف المرتب المباشر، بل تمتد إلى تشوه قانوني صارخ؛ فالحوافز والبدلات ما زالت تحتسب على أساسي 2014، بينما الاستقطاعات تتحرك على الأجر الحالي.
علاوة على ذلك، أنتج هذا الوضع ظلما مزدوجا للمعلمين، إذ تجمدت حقوقهم المالية عند سنة قديمة، بينما ظلت الضرائب والتأمينات والخصومات تلتهم من دخل اليوم، في معادلة لا تصنع عدالة ولا استقرارا.
بناء على ذلك، لم تعد مطالبة المعلمين بإعادة هيكلة الأجور مطلبا فئويا، بل شرطا لإنقاذ المدرسة الحكومية من نزيف الكفاءات، لأن المعلم الذي لا يأمن دخله لا يستطيع صناعة أمان معرفي للطلاب.
في هذا السياق، وصف الخبير التربوي كمال مغيث المعلم المصري بأنه من أفقر المعلمين، وربط أزمة العجز وضعف الأداء بضآلة الإنفاق الحقيقي وهزالة الرواتب، بما يدفع كثيرين إلى البحث عن بدائل خارج المدرسة.
العجز يبتلع الفصول
إلى جانب أزمة الأجور، أعلن وزير التربية والتعليم أمام مجلس النواب في أكتوبر 2024 أن العجز في أعداد المعلمين بلغ نحو 460 ألف معلم، وهو رقم يكشف فراغا خطيرا داخل المدارس الحكومية.
كما أن الرقم لا يعني نقصا إداريا مجردا، فإنه يترجم على الأرض إلى فصول بلا مدرسين، ومواد تسند إلى غير متخصصين، وجداول مضاعفة، ومعلمين يعملون تحت ضغط يفوق قدرتهم المهنية والبدنية.
لزيادة الضغط، لم تنجح مسابقات التعيين المعلنة في سد الفجوة، رغم التوجيه الصادر في يناير 2022 بتعيين 150 ألف معلم على مدار 5 سنوات، بمعدل 30 ألف معلم سنويا.
لذلك تبدو المسابقات الحكومية أبطأ من حجم الانهيار، فبينما تدخل أعداد محدودة إلى الخدمة، تخرج كفاءات أخرى بالمعاش أو بالعزوف أو بالهجرة المهنية إلى الدروس الخصوصية والعمل البديل.
ومن ثم لجأت الوزارة إلى معلمي الحصة كمسكن إداري رخيص، لا كحل تربوي عادل، فرفعت قيمة الحصة إلى 50 جنيها بعد أن كانت 20 جنيها، دون ضمان اجتماعي أو استقرار وظيفي.
غير أن رفع قيمة الحصة لا يغير جوهر الأزمة، لأن معلم الحصة يظل عاملا مؤقتا داخل مؤسسة دائمة، يحمل عبء الفصل بلا حقوق واضحة ولا مسار مضمون للتعيين ولا حماية مهنية كافية.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الحصة يضعف جودة العملية التعليمية، لأن المدرسة تحتاج إلى معلم مستقر يعرف طلابه ويتابعهم، لا إلى قوة مؤقتة تستدعى عند العجز ثم تترك بلا مستقبل.
في المقابل، قال الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، إن تطوير التعليم لا يتحقق إلا بالمعلم، مؤكدا أن المعلمين يقفون على خطوط الإنتاج البشري، وأن الاستثمار فيهم شرط لأي إصلاح.
إصلاح التعليم يبدأ من المعلم لا من الشعارات
وبالموازاة مع حديث الدولة عن التطوير، تكشف الأزمة أن الحكومة تعاملت مع التعليم كملف إنفاق قابل للتأجيل، لا كأولوية سياسية، بينما دفعت الأسر والطلاب والمعلمون ثمن هذا التأجيل داخل الفصول.
كذلك تؤدي الأزمة إلى توسيع سوق الدروس الخصوصية، لأن المدرسة الضعيفة تترك الطالب يبحث عن بديل خارجها، والمعلم الفقير يبحث عن دخل إضافي، فتنتقل كلفة التعليم من الدولة إلى جيوب الأسر.
وعليه، لا يمكن فصل عجز المعلمين عن تراجع العدالة التعليمية، فالطفل في مدرسة حكومية مزدحمة يدفع ثمن غياب المعلم مرتين؛ مرة في الفصل، ومرة حين تضطر أسرته إلى دفع درس خارجي.
فضلا عن ذلك، يؤدي استمرار الظلم المالي إلى هروب الكفاءات من التدريس، فالشاب المتفوق لن يدخل مهنة تعلمه مبكرا أن الجهد لا يكافأ، وأن الاستقرار الوظيفي لا يكفي وحده لمواجهة الغلاء.
من زاوية رسمية، أقر الدكتور طارق شوقي، وزير التربية والتعليم الأسبق، بأن المعلم هو أهم عنصر في العملية التعليمية، وأن تحسين أجوره جزء أساسي من أي منظومة تطوير، لا تفصيل ثانوي.
غير أن الاعتراف الرسمي المتكرر لم يتحول إلى سياسة كافية، فالمعلم ما زال يطارد حقه بين وزارة التعليم والمالية والخدمة المدنية والكادر، بينما تتكدس الوعود في الأدراج ولا تتغير حياته.
إضافة إلى ذلك، فإن أزمة أساسي 2014 تكشف عجز الدولة عن معالجة تشوه واضح، إذ لا معنى لإصلاح تعليمي يطالب المعلم بالإبداع، بينما يترك حوافزه مربوطة بزمن مالي مضى منذ سنوات.
وبناء على ذلك، تبدو مطالب بسام الصواف بإعلان خطة زمنية لسد العجز وإعادة هيكلة الأجور وتحسين أوضاع معلمي الحصة مطالب الحد الأدنى، لا سقفا سياسيا مرتفعا أو مزايدة برلمانية.
لذلك فإن اختبار الحكومة الحقيقي ليس في بيانات تقديس المعلم، بل في ميزانية تنصفه، وتعيينات تسد العجز، ونظام أجور عادل ينهي أساسي 2014، ويحول معلم الحصة إلى مسار مهني محترم.
ختاما، تكشف أزمة المعلمين أن الدولة التي لا تنصف صاحب السبورة لا تستطيع بناء الإنسان، وأن مدرسة بلا معلم كريم ليست مشروعا وطنيا، بل واجهة متعبة لنظام يطلب النهضة بأرخص تكلفة.

