فجر غياب الوزراء والمسؤولين عن لجان مجلس النواب في القاهرة أزمة رقابية واسعة، بعد تعطيل مناقشات تمس نحو 70 مليون مستفيد من الدعم و11 مليون صاحب معاش، فكشف المشهد برلمانا غاضبا بلا أدوات حاسمة.
وبالتالي لم يعد الغياب خطأ في جدول الأعمال، بل رسالة سياسية قاسية تقول إن الحكومة تستطيع تجاهل قضايا الخبز والكهرباء والمعاشات، بينما يكتفي البرلمان برفع الصوت وتأجيل الجلسات دون كلفة تنفيذية حقيقية.
غياب الوزراء يفرغ الرقابة من معناها
كما أن الدستور يلزم أعضاء الحكومة بالحضور عند طلب مجلس النواب أو لجانه، فإن تكرار إرسال المساعدين والمستشارين يحول الرقابة إلى نقاش إداري بارد، ويعفي صاحب القرار من مواجهة الرأي العام.
لذلك انفجرت الأزمة داخل اللجنة الاقتصادية عند مناقشة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، لأن الملف لا يمس ورقة حكومية، بل يمس خبز وسلع ملايين الأسر المقيدة على بطاقات التموين.
ومن ثم رفض نواب استكمال المناقشة في غياب وزير التموين، لأن المساعدين لا يملكون قرارا سياسيا ولا التزاما ماليا، بينما تغيير منظومة الدعم يحتاج مسؤولا يعلن موقف الحكومة أمام الناس.
غير أن خطورة الملف لا تقف عند شكل الدعم، بل في توقيته وسط غلاء واسع، فالمواطن الذي يخاف من حذف اسمه أو تراجع حصته لا ينتظر شرحا فنيا من موظف بلا صلاحية.
علاوة على ذلك، كشف غياب الوزير أن الحكومة تريد تمرير قرارات حساسة بأقل مواجهة ممكنة، بينما البرلمان، رغم غضبه، لم يملك سوى تأجيل المناقشة وانتظار حضور من يفترض أنه ملزم بالحضور.
بناء على ذلك، يصبح التأجيل دليلا على عجز مزدوج؛ حكومة لا تحترم الرقابة، وبرلمان لا يستطيع إجبارها على الحضور الفوري، فيبقى المواطن وحده مع القلق من مصير الدعم.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور مصطفى كامل السيد أن ضعف الحياة الحزبية والتمثيل السياسي ينعكس مباشرة على قدرة البرلمان على مساءلة الحكومة، لأن الرقابة تحتاج قوة سياسية منظمة لا غضبا عابرا.
ملفات الناس تتحول إلى جلسات مؤجلة
إلى جانب الدعم، فجرت أزمة العدادات الكودية موجة غضب داخل لجنة الطاقة والبيئة، بعد مناقشة عشرات طلبات الإحاطة بشأن الممارسة والمحاسبة الكهربائية، وهي أزمة تضرب جيوب مواطنين محاصرين بالفواتير والغرامات.
كما أن حضور رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر لم يكن كافيا، فإن أسئلة النواب عن الأسعار والسياسات اصطدمت بحدود اختصاصه، لأن المسؤول الفني لا يستطيع تعديل قرار سياسي أصدرته الوزارة.
لزيادة التوتر، وصف النائب أحمد فرغلي غياب وزير الكهرباء بأنه هروب من المواجهة، لأن الملف لا يخص عدادا فقط، بل يخص آلية تحميل المواطنين أعباء قرارات حكومية مرتبكة ومتداخلة.
لذلك طالبت اللجنة باستدعاء وزراء الكهرباء والتموين والتنمية المحلية، لأن ملف العدادات الكودية يتشابك مع مخالفات البناء والتصالح والدعم المحلي، ولا يمكن حسمه عبر حضور جزئي أو ردود فنية مبتورة.
ومن ثم تحولت الجلسة إلى مثال واضح على مأزق الدولة؛ قرارات تمس ملايين الناس تتخذ في المكاتب، وعندما يطلب البرلمان تفسيرا، يحضر من لا يملك سلطة الاعتراف أو التراجع.
غير أن المشهد تكرر في أزمة المعاشات وتعطل منظومة التأمينات، حيث طرحت لجنة القوى العاملة شكاوى الصرف ودمج البيانات والمنظومة الإلكترونية، بينما غاب رئيس الهيئة المعنية عن الاجتماع المخصص للمساءلة.
علاوة على ذلك، فإن غياب رئيس هيئة تدير مصالح نحو 11 مليون صاحب معاش ومستحق لم يكن تفصيلا بروتوكوليا، بل إهانة سياسية لفئة دفعت عمرها في العمل وتنتظر حقها الشهري.
وبناء على ذلك، رفضت اللجنة استكمال النقاش حتى لا تصدر توصيات بلا قيمة لمندوبين لا يملكون قرارا، ثم اضطر رئيس الهيئة لاحقا للحضور والاعتذار وتقديم تعهدات بحل الأعطال.
في هذا الإطار، يؤكد الفقيه الدستوري صلاح فوزي أن حضور الحكومة أمام البرلمان جزء من المسؤولية السياسية، لأن الاستعانة بالموظفين لا تعني أن الوزير يتحول إلى غائب دائم عن المساءلة.
برلمان غاضب بلا أنياب
إضافة إلى ذلك، لم تظهر الأزمة فجأة، فقد سبقتها وقائع مشابهة في لجان الصحة والتعليم، حين غاب وزراء عن مناقشة نقص الأطباء وكثافة الفصول، فتكررت المعادلة ذاتها بأسماء مختلفة.
كما أن غياب وزير الصحة عن مناقشة عجز الأطباء في الوحدات الريفية أثار تهديدات بالاستجواب، فإن التهديد ظل غالبا أعلى من الفعل، وبقيت الحكومة قادرة على احتواء الغضب.
لذلك رفض نواب في لجان أخرى مناقشة ملفات التعليم مع وكلاء الوزارات وحدهم، لأن الوكيل ينفذ التعليمات ولا يملك تعديل الموازنة أو إعلان خطة ملزمة أو تحمل مسؤولية سياسية علنية.
ومن ناحية قانونية، تمنح اللائحة الداخلية للجان حق طلب حضور الوزراء والمسؤولين، وترفع الأمر إلى رئيس المجلس عند التخلف دون عذر مقبول، لكن النصوص تبقى ضعيفة إذا غابت إرادة التطبيق.
بالمقابل، تكرر إرسال المستشارين القانونيين بوصفهم بدلاء عن الوزراء، رغم أن المستشار يشرح النصوص ولا يتحمل المسؤولية التضامنية، ولا يملك التعهد السياسي في ملفات الدعم والكهرباء والمعاشات والصحة والتعليم.
وعليه، تبدو مقترحات الأجندة الرقمية المسبقة محاولة لتنظيم الحضور، لكنها لا تكفي إذا ظلت الحكومة قادرة على التعامل مع البرلمان كموعد قابل للتأجيل لا كسلطة رقابية واجبة الاحترام.
فضلا عن ذلك، فإن التلويح بربط الموازنات بالحضور الرقابي قد يبدو سلاحا قويا، لكنه يحتاج أغلبية مستعدة للتصعيد، لا أغلبية تكتفي بإعلان الغضب ثم تعود إلى تمرير الاعتمادات.
في المقابل، يرى الدكتور عمرو الشوبكي أن الرقابة البرلمانية الحقيقية لا تنفصل عن تعددية سياسية وحزبية جادة، لأن البرلمان الذي لا يملك توازنا سياسيا واسعا يتحول بسهولة إلى منصة احتجاج محدودة.
كذلك كشفت أزمة لقاء رئيس الوزراء مع رؤساء الهيئات البرلمانية في مقر الحكومة عن خلل رمزي، إذ اعتبرت أحزاب أن الرقابة تقتضي حضور الحكومة إلى البرلمان، لا انتقال البرلمان إليها.
ومن ثم يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا غاب الوزير، بل لماذا لا يدفع ثمنا فوريا عند الغياب، ولماذا تتحول أدوات الرقابة الدستورية إلى غضب شفهي لا يغير سلوك السلطة التنفيذية.
ختاما، تكشف مقاعد الوزراء الخالية أزمة حكم كاملة؛ حكومة تهرب من الملفات المؤلمة، ومواطنون يدفعون ثمن التعطيل، وبرلمان يملك نصوصا كثيرة لكنه يعجز عن تحويلها إلى رقابة تردع الغياب.

