أدى أكثر من 921 ألف طالب وطالبة، اليوم الأحد، داخل 2032 لجنة على مستوى الجمهورية، امتحان اللغة العربية للثانوية العامة 2026، فانتهى اليوم إلى غضب واسع بسبب صعوبة الأسئلة وطولها وشكاوى نقص أوراق الإجابة.
وبينما أعلنت وزارة التربية والتعليم ضبط المتورط في تصوير أجزاء من الامتحان عبر الباركود، ظل المشهد أوسع من واقعة غش، بعدما تحولت اللجان إلى مساحة توتر كشفت هشاشة الإدارة وقسوة الامتحان على الطلاب.
تسريب من داخل السيطرة
في المقابل، لم تكن الأزمة مجرد صورة خرجت إلى مجموعات الغش، بل كانت مرآة لامتحان طويل وشكاوى من صعوبة الأسئلة ونقص أوراق الإجابة، بما حوّل اللجنة إلى مساحة ضغط لا اختبار عادل.
لكن الوزارة التي تتحدث دائما عن الانضباط الكامل لا ترى غالبا ما يحدث داخل المقاعد: طالب مرتبك، مراقب متوتر، وقت يتسرب، وولي أمر ينتظر بالخارج كأن مصير الأسرة كلها معلق بورقة واحدة.
ثم جاء خبر وفاة الطالبة جنا هاني إبراهيم، 18 عاما، داخل لجنة بمركز فاقوس في الشرقية، ليضع المأساة الإنسانية في قلب المشهد، لا كحادث منفصل، بل كإنذار وسط مناخ امتحاني خانق.
وعلى الرغم من أن التحقيق وحده يحدد ملابسات الوفاة طبيا وقانونيا، فإن تزامنها مع يوم عربي الثانوية العامة فتح جرحا أعمق حول الرعاية داخل اللجان، وسرعة التدخل، ومعنى الأمان في امتحان مصيري.
كذلك كشفت غرفة العمليات المركزية، وفق ما نشرته مصادر صحفية، أن تحديد هوية ناشر أجزاء الامتحان جرى عبر الرمز التعريفي على ورقة الأسئلة، وأن الإجراءات القانونية اتخذت بحقه بعد بدء الوقت الأصلي.
غير أن ضبط شخص بعد انتشار الصور لا يلغي الخلل؛ فالعدالة الامتحانية لا تقاس بسرعة العقاب فقط، بل بقدرة الدولة على منع الفوضى قبل وقوعها، وحماية الطالب المجتهد من سباق الغش الإلكتروني.
ومن ناحية أخرى، تقول الوزارة إن الامتحان مؤمن بالكامل، وتناشد الطلاب تجاهل مجموعات الغش، لكن تكرار صور الأسئلة والإجابات بعد دقائق يخلق واقعا موازيا يهزم الطمأنة الرسمية ويضرب الثقة في تكافؤ الفرص.
امتحان طويل ولجان مرتبكة
فضلا عن ذلك، فإن إعلان الحسم لم يجب عن شكاوى نقص أوراق الإجابة وأوراق المفاهيم داخل بعض اللجان، وهي شكاوى تمس حقا بسيطا: أن يجد الطالب أدوات امتحانه كاملة منذ الدقيقة الأولى.
ومع اتساع الشكاوى، وصف أولياء أمور خروج أبنائهم بالبكاء والانهيار، مؤكدين أن الأسئلة جاءت طويلة وصعبة، وأن اللجان كانت مشدودة منذ الصباح بسبب التسريب، ثم زاد الارتباك مع نقص المستلزمات.
وفي ظل ذلك، يصبح الحديث عن امتحان متوازن كلاما ناقصا ما لم تقابله مراجعة محايدة لزمن الأسئلة ومستوى الصعوبة وتوفر أدوات الإجابة، لأن التجربة الحقيقية تبدأ من مقعد الطالب لا من غرفة العمليات.
لذلك تبدو رواية الوزارة عن التوازن في مواجهة روايات الطلاب عن الإرهاق والصعوبة كصدام بين ورق رسمي وحياة يومية؛ فالطلاب لا يعترضون على الفهم، بل على امتحان يشعرون أنه فخ للوقت والأعصاب.
وبحسب المواصفات المعلنة، يتكون امتحان اللغة العربية من 55 سؤالا، بينها 51 سؤال اختيار من متعدد و4 أسئلة مقالية، بإجمالي 80 درجة، منها 70 درجة للاختيار و10 درجات للمقالي، وهي بنية ضخمة للقياس.
ومن ثم، إذا كانت الوزارة تقرر أن 70% من الأسئلة للمستويات البسيطة والمتوسطة و30% للمستويات العليا، فإن شكاوى الطول والصعوبة تستدعي نشر تحليل فني شفاف، لا الاكتفاء بعبارة أن الامتحان متوازن.
على الجانب الآخر، شدد الخبير التربوي تامر شوقي قبل الامتحان على أن القلق طبيعي في البداية ويزول مع البدء في الحل، لكن ما حدث أظهر أن القلق التنظيمي لا يزول بالنصائح الفردية وحدها.
ومع ذلك، يؤكد كلام شوقي أهمية تهيئة اللجنة نفسيا وزمنيا، لأن الطالب يستطيع إدارة توتره الشخصي، لكنه لا يستطيع إدارة نقص الورق أو ارتباك المراقبين أو سحب الإجابات قبل اكتمال الحل.
وإلى جانب شوقي، أوضح الخبير التربوي حسن شحاتة أن أسئلة العربية تأتي متدرجة، وأن على الطالب البدء بالسهل وتوزيع الوقت، غير أن هذا التدرج يفقد معناه عندما يشعر الطلاب أن الوقت لا يكفي.
وفاة في اللجنة وأزمة أعمق من الورقة
من جهة ثانية، يرى كمال مغيث أن الغش لا يعالج كواقعة منفصلة عن ملف التعليم كله، وأن استمرار تداول الامتحانات يكشف عجزا هيكليا لا تصلحه الكاميرات ولا التفتيش ولا العقوبات وحدها.
بهذا المعنى، يتحول امتحان العربية إلى عنوان لفشل أكبر: دولة توسع إجراءات الأمن حول الورقة، لكنها تضيق مساحة الثقة داخل المدرسة، وتترك الطالب بين غش إلكتروني من الخارج وقسوة تنظيمية من الداخل.
وفوق ذلك، تتزامن الأزمة مع ملف عجز المعلمين، حيث تحدث وزير التعليم سابقا عن عجز بلغ 469 ألف معلم، بينما انتقدت منظمات حقوقية خطط سد العجز باعتبارها تدويرا مؤقتا لا إصلاحا جذريا.
كما يرى مراقبون أن عجز المعلمين وتضخم الكثافات وتراجع المدرسة العامة يصنعون سوقا ضخمة للدروس الخصوصية، ثم تأتي الثانوية العامة لتعلن النتيجة القاسية: تعليم منهك، أسرة مستنزفة، وطالب يختبر الخوف قبل المعرفة.
وفي الخلفية، لا تنفصل مجموعات الغش عن اقتصاد القلق؛ فهي تبيع الوهم لطلاب فقدوا الثقة في المدرسة والامتحان، وتستثمر في هلع الأسر، بينما تكتفي الوزارة غالبا بخطاب التحذير والعقوبة كل موسم.
لذا لا يكفي ضبط ناشر الصور، ولا يكفي نفي التسريب قبل اللجنة، بل يجب فتح مراجعة مستقلة تشمل زمن الامتحان، مستوى الأسئلة، نقص الأوراق، أداء رؤساء اللجان، وخطط الإسعاف داخل المدارس.
أخيرا، ما جرى في امتحان اللغة العربية ليس أزمة مادة دراسية فقط، بل فضيحة إدارة لامتحان مصيري؛ تسريب يجرح العدالة، صعوبة تكسر الطلاب، وتنظيم يعاقب الضعيف بينما يزعم حماية المستقبل.

