كشفت منشورات وأراء سياسية وحقوقية متداولة على منصات التواصل في مصر عن تجدد الجدل حول 30 يونيو، بين اتهامات بالخديعة والانقلاب والعنف والدعاية المرتبكة، بما أعاد فتح ملف الشرعية المهدرة.
وبالتالي، لم يعد الخلاف حول توصيف يوم سياسي قديم، بل حول ذاكرة شعب جرى دفعه إلى صراع داخلي، ثم استخدمت السلطة ذلك المشهد لابتلاع المجال العام وإسكات الجميع.
خدعة المدنية وغطاء الانقلاب
قالت الدكتورة سامية هاريس إن السيسي خدع بعض التيارات المدنية في 30 يونيو لتحقيق الانقلاب والاستحواذ على السلطة، معتبرة أن استمرار بعض الشخصيات والتيارات في دعمه حتى الآن هو الأمر غير المقبول.
كما أن شهادة هاريس تفتح ملفا أوسع من لحظة الانقلاب نفسها، لأنها لا تكتفي باتهام السلطة بالخداع، بل توجه السؤال إلى النخبة التي رأت النتائج كاملة ثم واصلت تبريرها.
لذلك، يصبح الحديث عن حسن النية في 2013 أقل إقناعا بعد سنوات من القمع والسجون وإغلاق المجال العام، فالمشكلة لم تعد في الخداع الأول بل في المشاركة المستمرة بالصمت والتبرير.
ومن ثم، فإن التيارات المدنية التي قبلت تدخل الجيش باسم انتخابات مبكرة وجدت نفسها لاحقا خارج اللعبة، بعدما احتكر النظام السياسة والإعلام والبرلمان، وحول شركاء اللحظة إلى شهود بلا تأثير.
غير أن الباحث خليل العناني رأى في كتاباته أن 30 يونيو مهدت للانقلاب وفتحت الطريق أمام عودة الدولة القمعية، وهي قراءة تلتقي مع انتقاد غطاء النخبة المدنية للعسكر.
علاوة على ذلك، تكشف تجربة السنوات التالية أن السلطة لم تكن تبحث عن تصحيح مسار ديمقراطي، بل عن تفويض شعبي صاخب يسمح لها بتفكيك المجال السياسي وإعادة هندسة الخوف.
بناء على ذلك، فإن مراجعة 30 يونيو لا تعني الدفاع عن أخطاء حكم سابق، بل تعني فضح استخدام الأخطاء ذريعة لإلغاء الانتخابات والدستور والحريات والعودة إلى دولة القبضة الواحدة.
وائل قنديل ورسالة الذاكرة
كتب الصحفي وائل قنديل رسالة حادة لكل من يصر على وصف 30 يونيو بأنها ثورة أو امتداد ليناير، معتبرا أن المشهد خدم ثورة مضادة مدعومة خليجيا وصهيونيا لإسقاط النموذج.
https://x.com/ERC_egy/status/2071141264427229529
في المقابل، تعيد كلمات قنديل النقاش إلى جوهر المعركة: هل كانت 30 يونيو طلبا مدنيا لانتخابات مبكرة، أم بوابة منظمة لإعادة السلطة القديمة بثوب شعبي ودعم خارجي واسع.
لزيادة الوضوح، فإن قنديل لا يهاجم فقط من شاركوا في اللحظة، بل يهاجم الرواية التي تريد الجمع بين يناير والانقلاب، كأن الثورة يمكن أن تكتمل على ظهر الدبابة.
وعليه، يصبح الصمت الذي يطالب به قنديل موجها إلى الذين يهربون من المسؤولية الأخلاقية، لا إلى عامة الناس الذين وقعوا تحت ضغط إعلامي وسياسي وأمني هائل.
كذلك، يؤكد أستاذ العلوم السياسية ناثان براون أن أحداث يونيو ويوليو 2013 جمعت بين تعبئة شعبية وانقلاب عسكري، بما ينسف محاولات تحويل الصورة إلى ثورة نقية بلا جيش.
ومن ناحية أخرى، فإن وصف 30 يونيو كثورة يتجاهل ما تلاها مباشرة من اعتقالات وإغلاق قنوات وتجميد دستور وعزل رئيس منتخب، وهي نتائج لا تشبه مسارا ديمقراطيا بل استيلاء منظما.
ثم إن المجلس الثوري المصري وصف 30 يونيو بأنها لم تكن ثورة ولا مظاهرات عادية، بل جريمة حكمت فيها البلطجة الشوارع، مستحضرا الاعتداء الوحشي على مصطفى عبد العظيم أمام مقر الإخوان بالمقطم.
هكذا، لا يقتصر الجدل على توصيف سياسي، بل يمتد إلى ذاكرة عنف ميداني، حيث تحولت الخصومة السياسية إلى استباحة جسدية، وسحل وتجريد واعتداء، بحسب رواية المجلس الثوري.
دعاية السلطة ترتبك أمام صورة يناير
نشرت وزارة الأوقاف صورة أيقونية من ثورة 25 يناير خلال دفاعها عن أحداث 30 يونيو، ما أثار سخرية وانتقاد معلقين رأوا في الواقعة دليلا على فقر الدعاية الرسمية.
فضلا عن ذلك، تكشف هذه الواقعة ارتباكا رمزيا عميقا، فالسلطة التي تهاجم يناير وتخاف من روحها تستعير صورتها عندما تريد تلميع 30 يونيو، فتفضح نفسها بنفسها.
إضافة إلى ذلك، فإن استخدام صورة من يناير للدفاع عن 30 يونيو يوضح أن السلطة لا تمتلك رمزا ثوريا حقيقيا، ولذلك تعود إلى لحظة أطاحتها لاحقا كي تستعير شرعيتها.
في هذا السياق، يرى الباحث روبرت سبرينغبورغ أن السيسي وصل إلى السلطة عبر انقلاب، ثم اعتمد على المشروعات الكبرى والاستعراضات لتعزيز شرعيته، بدلا من بناء سياسة ديمقراطية مستدامة.
ومن هنا، فإن معركة الصور ليست تفصيلا هامشيا، لأنها تكشف كيف تريد السلطة السيطرة على الذاكرة، فتأخذ من يناير ملامحها الشعبية وتحذف منها مطلب الحرية والعدالة والكرامة.
بالمقابل، لا تستطيع الدعاية الرسمية محو الفاصل بين ثورة خرجت ضد حكم عسكري بوليسي، ولحظة استخدمت غضبا شعبيا لإعادة المؤسسة العسكرية إلى مركز الحكم بلا رقابة ولا مساءلة.
فيما بعد، تحولت شعارات 30 يونيو إلى مظلة لقوانين الاستثناء والسجون والإعلام الواحد، بينما تراجع كل من حلم بمسار ديمقراطي إلى موقع الدفاع عن نفسه أو الصمت أو المنفى.
لذلك، فإن استعادة هذه الشهادات الآن ليست نكاية سياسية، بل ضرورة لكسر تزوير الذاكرة، لأن الشعوب التي لا تسمي الانقلاب باسمه تظل معرضة لإعادة إنتاجه بأشكال جديدة.
وختاما، تكشف التغريدات الأربع مشهدا واحدا: نخبة خُدعت أو شاركت، صحفيون يحاكمون الرواية، مجلس يذكر بالعنف، ودعاية رسمية تستعير يناير لتجميل انقلاب ما زال يطارد مصر.

