تدخل الكتلة الإسلامية في الجزائر الانتخابات النيابية المقررة في 2 يوليو 2026 بخطاب سياسي مختلف، بعدما دفعت أربعة أحزاب إسلامية بمرشحيها إلى السباق البرلماني عبر 159 قائمة من أصل 789 قائمة انتخابية، في محاولة لتوسيع حضورها داخل البرلمان، والانتقال من موقع الكتلة المؤثرة المحدودة إلى قوة أكثر قدرة على فرض نفسها في معادلة التشريع والرقابة.

 

ويعكس هذا الحضور تحوّلاً لافتاً في خطاب التيار الإسلامي، إذ تراجعت القضايا الأيديولوجية التقليدية المرتبطة بـ“مشروع المجتمع” والاستقطاب السياسي، لصالح التركيز على ملفات الاقتصاد والتنمية والخدمات، في قراءة تبدو أكثر واقعية لمزاج الشارع الجزائري، ولحجم الضغوط المعيشية والاجتماعية التي باتت تتصدر أولويات الناخبين.

 

 

حضور انتخابي واسع رغم الانقسامات

 

بحسب تقرير لصحيفة “العربي الجديد”، تسعى الأحزاب الإسلامية إلى تحقيق نتائج أفضل من انتخابات 2021، حين حصلت مجتمعة على 106 مقاعد من أصل 407 مقاعد، أي ما يقارب 27% من البرلمان. ورغم أن هذه النسبة عكست حضوراً معتبراً، فإنها أبقت التيار الإسلامي في حدود ربع المؤسسة التشريعية تقريباً، دون أن تمنحه قدرة حاسمة على التحكم في مخرجات البرلمان.

 

وتتصدر حركة “مجتمع السلم” واجهة المشاركة الإسلامية، بعدما قدمت 68 لائحة من أصل 77 دائرة انتخابية، بينها خمس لوائح مخصصة لدوائر الجالية الجزائرية في الخارج. كما قدمت حركة “البناء الوطني” العدد نفسه من اللوائح، بما يجعل الحزبين الأكثر انتشاراً داخل التيار الإسلامي في هذه الانتخابات.

 

في المقابل، جاءت مشاركة “جبهة العدالة والتنمية”، التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله، أكثر محدودية من حيث الانتشار، إذ قدمت 12 لائحة فقط، بينما دفعت حركة النهضة بـ11 لائحة داخل الولايات ولائحة في الخارج. ويكشف هذا التفاوت حجم الفوارق التنظيمية والسياسية بين مكونات التيار الإسلامي، حتى وإن جمعها إطار مرجعي عام واحد.

 

غير أن المشهد الانتخابي يكشف أيضاً اختفاء حركة إسلامية كانت حاضرة بقوة في مراحل سابقة، وهي حركة “الإصلاح الوطني” التي كان يقودها السفير السابق في مسقط فيلالي غويني. فالحركة التي حققت مفاجأة سياسية في انتخابات 2002، وتصدرت وقتها الأحزاب الإسلامية، عجزت هذه المرة عن تقديم أي قائمة، بعدما خرجت أيضاً من برلمان 2021 بلا مقاعد، في مؤشر على أفول تنظيمي شبه كامل.

 

 

من مشروع المجتمع إلى الاقتصاد والتنمية

 

الأبرز في حملة الإسلاميين هذه المرة ليس فقط عدد القوائم أو خريطة الانتشار، بل طبيعة الخطاب الانتخابي نفسه. فمنذ انطلاق الحملة في 9 يونيو، بدا واضحاً أن قادة الأحزاب الإسلامية يركزون على الملفات الاقتصادية، وتحسين الخدمات، وإصلاح قطاعات التعليم والصحة، وتوسيع فرص التنمية، بدلاً من استدعاء الخطاب الأيديولوجي التقليدي.

 

ويمثل هذا التحول جزءاً من مراجعة أوسع شهدتها أدبيات التيار الإسلامي في الجزائر خلال العقد الأخير، حيث اتجهت هذه الأحزاب إلى تخفيف حدة الاستقطاب، والابتعاد عن القضايا التي تثير حساسيات سياسية ومجتمعية، خصوصاً تلك المرتبطة بالدين والهوية وطبيعة المجتمع.

 

كما أظهرت القوائم الانتخابية انفتاحاً أكبر على شخصيات من خارج الحاضنة التنظيمية والفكرية لهذه الأحزاب، بما في ذلك تكنوقراط ومرشحون لا ينتمون بالضرورة إلى المرجعية السياسية نفسها. ويعكس ذلك محاولة واضحة لتوسيع قاعدة الاستقطاب الانتخابي، وتقديم صورة أقل حزبية وأكثر ارتباطاً بالكفاءة والقدرة على إدارة الملفات العامة.

 

هذا التحول لا يعني تخلي الأحزاب الإسلامية عن مرجعيتها، لكنه يشير إلى رغبتها في تقديم نفسها كقوى سياسية عملية، قادرة على مخاطبة المواطن من بوابة المعيشة والخدمات لا من بوابة الصراع الفكري وحده.

 

 

بين المعارضة والحزام الحكومي

 

رغم اشتراكها في المرجعية العامة، لا تبدو قوى التيار الإسلامي في الجزائر كتلة سياسية موحدة في الموقف من السلطة. فهناك أحزاب تضع نفسها ضمن الحزام الداعم للحكومة والرئيس عبد المجيد تبون، وعلى رأسها حركة “البناء الوطني”، التي تعتبر هذا التموضع خياراً استراتيجياً ثابتاً.

 

في المقابل، تتبنى حركة “مجتمع السلم”، وهي أكبر أحزاب التيار، ومعها حركة النهضة، موقعاً أقرب إلى المعارضة، خصوصاً في ما يتعلق بالخيارات الاقتصادية وبعض القوانين والتشريعات. وهذا التوزع بين الموالاة والمعارضة يمنح الإسلاميين مرونة سياسية، لكنه في الوقت نفسه يحد من قدرتهم على تشكيل جبهة موحدة داخل البرلمان.

 

ويقول رئيس حركة “مجتمع السلم” عبد العالي حساني شريف، لـ“العربي الجديد”، إن حظوظ التيار الإسلامي قائمة في كل الاستحقاقات الانتخابية التي يخوضها، مؤكداً أن هذا التيار يمتلك كوادر وأدوات تساعده على التكيف ومواجهة الإكراهات. كما يرى أن الإسلاميين يمثلون مكوناً أساسياً في المجتمع السياسي، وقوة داعمة للاستقرار والتقدم الوطني.

 

وتفسر هذه الثقة استمرار حضور التيار الإسلامي رغم الانقسامات الداخلية والتراجع التنظيمي لبعض مكوناته. فالأحزاب الإسلامية لا تزال تستفيد من روافد مجتمعية وأهلية وطالبية، تساعدها على تكوين الكوادر والحفاظ على القرب من الشارع، إضافة إلى رصيد برلماني راكمته خلال الولايات السابقة.

 

ومع اقتراب موعد التصويت، تبدو الانتخابات النيابية المقبلة اختباراً مزدوجاً للإسلاميين في الجزائر: اختبار لقدرتهم على توسيع تمثيلهم البرلماني، واختبار آخر لنجاح خطابهم الجديد الذي يقدّم الاقتصاد والتنمية على الاستقطاب والهوية. وبين الطموح الانتخابي والانقسام السياسي، ستكشف نتائج 2 يوليو ما إذا كان التيار الإسلامي قادراً على تجاوز موقع الربع البرلماني، أم سيبقى قوة حاضرة لكنها غير حاسمة.