كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن تسجيل 84553 مصابا في حوادث الطرق خلال 2025، بزيادة 10.7% عن 2024، لتتحول حصيلة التطوير المعلنة إلى سؤال دموي عن أمن الطريق.
وبالتالي، لا تقف الكارثة عند رقم إصابات مرتفع، بل تمتد إلى معنى سياسي وإنساني أعمق؛ دولة تعلن إنفاق 225 مليار جنيه على النقل، بينما يخرج المواطن من بيته كأنه يدخل اختبار نجاة يوميا.
الأرقام التي لا تكذب
كما أن النشرة السنوية لحوادث السيارات والقطارات كشفت ارتفاع الإصابات من 76362 حالة في 2024 إلى 84553 حالة في 2025، وهو صعود لا يسمح بتسويق الخطاب الرسمي عن تحسن السلامة المرورية.
لذلك، يصبح الرقم أكثر قسوة عند تقسيمه على أيام السنة؛ فمصر سجلت نحو 231 مصابا يوميا في حوادث الطرق، دون احتساب الوفيات التي بلغت 5829 حالة في العام نفسه.
ومن ثم، فإن الحصيلة الكلية بين قتلى ومصابين تتجاوز 90000 ضحية خلال عام واحد، وهو رقم ينسف أي محاولة لاختزال الأزمة في سلوك السائقين وحدهم أو في حوادث فردية متفرقة.
غير أن الأخطر أن 2025 سجل أعلى عدد إصابات خلال الفترة من 2021 إلى 2025، بما يعني أن المؤشر لا يتحرك عرضا، بل يصعد في مسار واضح رغم توسع الطرق والمحاور.
علاوة على ذلك، لا يمكن قراءة هذه الزيادة بعيدا عن منطق الإنفاق الحكومي الذي يفاخر بالكيلومترات والجسور، لكنه لا يقدم للناس مؤشرا واضحا عن خفض الإصابات أو حماية مستخدمي الطريق.
بناء على ذلك، يصبح السؤال المركزي ليس كم طريقا جرى بناؤه، بل كم حياة جرى إنقاذها؛ فمشروعات النقل التي لا تقلل الدم على الأسفلت تتحول إلى خرسانة مكلفة بلا أمان.
225 مليار جنيه وسؤال الأولويات
في المقابل، أعلن وزير النقل كامل الوزير إنفاق نحو 225 مليار جنيه على مشروعات قطاع النقل، من إجمالي إنفاق عام بلغ تريليوني جنيه، وهو رقم ضخم يستدعي مساءلة لا تصفيقا.
لكن الأرقام الرسمية نفسها تضع هذا الإنفاق في مواجهة محرجة، لأن أعلى حصيلة إصابات خلال 5 سنوات جاءت في العام ذاته الذي تتصدر فيه الدولة خطاب التطوير والإنجاز والطرق القومية.
إلى جانب ذلك، يكشف التناقض أن بناء الطريق لا يعني بالضرورة تأمينه، وأن الأسفلت الجديد يمكن أن يتحول إلى ممر أسرع للموت إذا غابت الرقابة والسرعات الآمنة والتصميمات الواقية.
لزيادة وضوح الفجوة، يقول خبير سلامة الطرق ديفيد وارد إن حملات التوعية وحدها لا تنجح إذا انفصلت عن إنفاذ قوي للقانون، وإن الشرطة والتوعية يجب أن يتحركا معا لتحقيق أثر فعلي.
وعليه، فإن تحميل المواطن وحده مسؤولية الحوادث يهرب من لب الأزمة، لأن سلوك السائق يتشكل داخل منظومة كاملة تشمل القانون والرقابة والتصميم والإضاءة وحالة المركبة وزمن الاستجابة بعد التصادم.
كذلك، لا تظهر في الخطاب الرسمي إجابة كافية عن توزيع المليارات بين الرصف والجسور من جهة، وبين الكاميرات الذكية ونقاط الإسعاف والتدريب المروري وصيانة العلامات وتقييم مخاطر الطرق من جهة أخرى.
ومن ناحية أخرى، فإن الطرق السريعة الجديدة تشجع على السرعة حين لا ترافقها حدود موثوقة وإنفاذ مستمر، فتتحول المساحات الواسعة إلى عامل خطر، لا إلى ضمانة سلامة كما يروج الخطاب الرسمي.
الطريق الجديد لا يكفي
في السياق نفسه، تؤكد أدبيات منظمة الصحة العالمية أن إدارة السرعة عنصر أساسي في السلامة على الطرق، وأن خفض السرعات الخطرة ضروري خصوصا في الطرق المختلطة والمناطق التي يكثر فيها المشاة.
ثم إن خبيرة السلامة جين برين تربط مقاربة النظام الآمن بفكرة أن الخطأ البشري سيحدث، لكن التصميم الجيد يجب أن يمنع تحول الخطأ إلى موت أو إصابة خطيرة.
بذلك، يصبح جوهر الأزمة في مصر أن النظام يعاقب المواطن بعد وقوع الكارثة، لكنه لا يبني طريقا يغفر الخطأ أو يقلل أثره، ولا يضع السلامة قبل الاستعراض العمراني.
فضلا عن ذلك، أظهرت بيانات الشهور أن أكتوبر سجل 8245 مصابا، يليه سبتمبر بـ8117، ثم أغسطس بـ7598، ما يفرض قراءة موسمية تتعلق بالسفر والضغط المروري والرقابة في الذروة.
ومع ذلك، لا تكفي قراءة الشهور وحدها ما لم ترتبط بخريطة تفصيلية للمحافظات والطرق الأكثر خطرا، وساعات الذروة، وأنواع المركبات، ونقاط التصادم المتكرر، حتى لا يبقى التقرير رقما بلا إجراء.
من جهة أخرى، يشير خبير البنك الدولي زياد نكات في دراسة عن الطرق المصرية إلى مشكلات ضعف الالتزام بقوانين المرور وإنفاذها، وهي نقطة تفسر لماذا لا تنقذ البنية التحتية وحدها الأرواح.
الأخطر من الحادث هو غياب المحاسبة
إضافة إلى ما سبق، فإن الأزمة لا تبدأ عند التصادم ولا تنتهي في المستشفى، لأن طريقا بلا إسعاف سريع، ولا إنارة كافية، ولا حواجز آمنة، يضاعف احتمالات الموت بعد الحادث.
لذلك، فإن إصابة 84553 شخصا لا تعني فقط غرف طوارئ مزدحمة، بل تعني عائلات تفقد عائلها، وأجورا تنقطع، وأطفالا يرون بيوتهم تنهار تحت تكلفة علاج وإعاقة دائمة.
فيما بعد، تتحول الحوادث إلى عبء اقتصادي صامت على الأسر والدولة، فالمصاب لا يغادر الإحصاء إلى الشفاء دائما، بل قد يدخل سنوات علاج طبيعي، أو بطالة قسرية، أو عجز طويل.
وبالمثل، فإن الحديث عن تطوير النقل دون إعلان أهداف سنوية لخفض القتلى والمصابين يصبح دعاية ناقصة، لأن الدول الجادة تقيس السلامة بالنتائج البشرية، لا بعدد الكباري ولا بطول المحاور فقط.
هكذا، يظل المواطن أمام معادلة قاسية؛ يدفع الضرائب والرسوم ويتحمل الغلاء لتمويل مشروعات ضخمة، ثم يواجه طريقا لا يضمن له العودة إلى بيته سليما في نهاية اليوم.
أخيرا، لا تحتاج مصر إلى مزيد من الصور فوق الكباري، بل إلى سياسة سلامة معلنة ومحاسبة بالأرقام، لأن 84553 مصابا في عام واحد ليس قدرا، بل نتيجة إدارة اختارت الإنشاء قبل الإنسان.

