كشف تقرير قضائي وأمني إسرائيلي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت عن تصاعد غير مسبوق في تهريب الأسلحة إلى منطقة النقب عبر الحدود مع مصر والأردن، بعدما تحولت الطائرات المسيرة إلى وسيلة مركزية لنقل أسلحة ثقيلة ونوعية، في مؤشر خطير على فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في ضبط الجنوب.

 

التقرير لم يقدم الواقعة باعتبارها حادثا حدوديا منفصلا، بل باعتبارها تحولا بنيويا في سوق السلاح غير القانوني داخل النقب، حيث لم تعد عمليات التهريب تعتمد على أفراد يعبرون الحدود، بل على شبكات منظمة تستخدم التكنولوجيا، وتراقب الدوريات، وتختار مساراتها بدقة.

 

الأخطر أن الأرقام تكشف اتجاها تصاعديا لا يمكن التعامل معه كخلل عابر. ففي عام 2021 لم تضبط السلطات سوى عشرات القطع، ثم تضاعفت الكميات لاحقا، ووصلت في عام 2023 إلى نحو 200 قطعة سلاح مهربة عبر الحدود.

 

وفي عام 2024، اتسعت الظاهرة مع دخول الطائرات المسيرة بصورة أكثر انتظاما على خط التهريب، حيث جرى ضبط 316 قطعة، شملت مسدسات وأجزاء أسلحة، قبل أن تظهر في عام 2025 عمليات أكثر خطورة، بينها تهريب رشاشات ثقيلة من طراز ماغ.

 

من التهريب الفردي إلى الجسر الجوي

 

وصف التقرير الإسرائيلي الطائرات المسيرة بأنها تحولت إلى ما يشبه الجسر الجوي نحو النقب، وهو توصيف يحمل دلالة أمنية عميقة، لأنه يعني أن الحدود لم تعد مجرد خط مراقبة بري، بل أصبحت مجالا جويا منخفض الارتفاع يصعب ضبطه بالوسائل التقليدية.

 

وبحسب ما نشرته يديعوت أحرونوت، نجحت شبكات التهريب في إدخال أنواع مختلفة من الأسلحة، من بينها رشاشات ثقيلة، ومسدسات، وقنابل، وبنادق هجومية، عبر مسيرات صغيرة قادرة على عبور الحدود وحمل شحنات قاتلة باتجاه الداخل الإسرائيلي.

 

وتكشف واقعة إسقاط طائرة مسيرة كانت تحمل 4 رشاشات ماغ ثقيلة مستوى التحول في طبيعة التهريب، فالحديث هنا لا يدور عن مسدسات فردية أو ذخائر محدودة، بل عن أسلحة عالية القدرة يمكن استخدامها في عمليات منظمة أو مواجهات دامية.

 

كما أظهرت التحقيقات أن بعض الشبكات امتلكت أجهزة متخصصة لاعتراض الاتصالات اللاسلكية التابعة للجيش الإسرائيلي، ما أتاح لها مراقبة تحركات الدوريات العسكرية، وتحديد توقيتات أكثر ملاءمة للتهريب، وتفادي نقاط الرصد والكمائن الميدانية.

 

هذا المعطى تحديدا ينقل الملف من خانة الجريمة الجنائية إلى خانة التهديد الأمني المركب، لأن الشبكات لا تكتفي بنقل السلاح، بل تحاول اختراق نمط عمل الجيش نفسه، وقراءة تحركاته، واستغلال نقاط ضعفه على الحدود.

 

ومن هنا جاء تدخل جهاز الأمن العام الإسرائيلي الشاباك في بعض التحقيقات، بعد أن رأت الأجهزة الأمنية أن الأسلحة المهربة لم تعد موجهة فقط إلى السوق الجنائية، بل باتت مرتبطة أيضا بأبعاد أمنية وهجمات وقعت داخل إسرائيل.

 

سوق السلاح ينهار من الوفرة

 

أحد أكثر المؤشرات دلالة في التقرير يتعلق بتراجع أسعار السلاح غير القانوني داخل السوق. فقد نقلت الصحيفة عن أساف بار يوسف، مستشار جرائم الأسلحة في نيابة لواء الجنوب، أن سعر مسدس الجلوك انخفض من 50 ألف شيكل عام 2020 إلى 25 ألف شيكل حاليا.

 

هذا التراجع الحاد في السعر لا يعني تحسنا اقتصاديا بالطبع، بل يكشف وفرة خطيرة في المعروض، فكلما زادت كميات السلاح غير القانوني تراجعت أسعاره، واتسعت دائرة القادرين على شرائه، وتحولت الجريمة المسلحة إلى خيار أسهل وأرخص.

 

بار يوسف لخص حجم العجز حين شبه جهود مكافحة السلاح في النقب بمحاولة تفريغ محيط باستخدام ملعقة، وهي عبارة تكشف أن الأجهزة القضائية والأمنية ترى نفسها أمام فيضان لا أمام موجة محدودة يمكن احتواؤها.

 

وبينما تعلن السلطات الإسرائيلية بين حين وآخر عن ضبط شحنات أو إسقاط مسيرات، تشير الأرقام إلى أن المضبوط قد يكون جزءا فقط من حركة أوسع، لأن كل عملية إحباط ناجحة تطرح سؤالا عما عبر ولم يكتشف.

 

تضخم سوق السلاح يضرب المجتمع العربي في النقب بصورة خاصة، وفق تحذيرات قضائية إسرائيلية، إذ يرتبط انتشار السلاح بارتفاع الجريمة المنظمة، وتصفية الحسابات، وابتزاز السكان، وتحويل أحياء وقرى كاملة إلى مناطق خوف دائم.

 

لكن القراءة السياسية لا يمكن أن تتجاهل أن إسرائيل التي تتحدث عن فقدان السيطرة في النقب هي نفسها التي أنتجت عقودا من التهميش والتمييز داخل المجتمع العربي، وتركت فراغا أمنيا واجتماعيا واقتصاديا ملأته شبكات الجريمة.

 

لذلك، تبدو الأزمة أكبر من مجرد تهريب حدودي. إنها نتيجة مباشرة لفشل مزدوج: فشل أمني في حماية الحدود، وفشل داخلي في بناء عدالة اجتماعية وأمن مدني يحمي المواطنين العرب بدلا من التعامل معهم كملف أمني دائم.

 

النقب بين الأمن والقضاء والسياسة

 

على الصعيد القضائي، حذر قضاة المحكمة المركزية من تداعيات السلاح المستعر في الجنوب، ومن أثره الدامي على المجتمع العربي على وجه الخصوص، في إشارة إلى أن الظاهرة لم تعد محصورة في تقارير الشرطة أو بيانات الجيش.

 

وتشير التحقيقات إلى أن أسلحة مهربة استُخدمت في عمليات هجومية حديثة، بينها عملية المحطة المركزية في بئر السبع وعملية الطريق السريع رقم 4، ما دفع مصلحة السجون الإسرائيلية إلى تصنيف معظم المعتقلين في قضايا التهريب كأسرى أمنيين.

 

هذا التحول في التصنيف يعكس تغيرا في نظرة الدولة الإسرائيلية إلى الظاهرة، فلم تعد شبكات التهريب مجرد عصابات تبحث عن الربح، بل باتت في نظر المؤسسة الأمنية جزءا من تهديد يمكن أن يتداخل مع العنف السياسي والأمني.

 

لكن هذا التصنيف نفسه يفتح بابا لمزيد من التشدد ضد المجتمع العربي، حيث قد تستخدم الدولة الأزمة لتوسيع القبضة الأمنية، من دون معالجة الجذور الأعمق المتعلقة بالتهميش، وانتشار الجريمة، وغياب الثقة بين السكان والمؤسسات.

 

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من خطورة انتقال التهريب إلى مستوى المسيرات والرشاشات الثقيلة وأجهزة اعتراض الاتصال. فهذه ليست أدوات سوق سوداء عادية، بل عناصر تقترب من نمط عمل عسكري مصغر، يهدد السيطرة الميدانية للدولة.

 

وتكمن خطورة المشهد في أن الحدود المصرية والأردنية تظهر في التقرير كمسارات تهريب متوازية، بينما تبدو منطقة النقب نقطة استقبال وتوزيع، بما يجعل الجنوب الإسرائيلي ساحة اختبار لقدرة الدولة على ضبط حدودها ومجتمعها في آن واحد.

 

في المحصلة، يرسم تقرير يديعوت أحرونوت صورة قاتمة لمنطقة تتزاحم فيها الجريمة المنظمة والتكنولوجيا والسلاح الثقيل والفراغ الاجتماعي، حيث لا تكفي عملية ضبط هنا أو إسقاط مسيرة هناك لإخفاء الحقيقة الأكبر: النقب يغرق في السلاح.

 

وإذا كانت السلطات الإسرائيلية ترى أن ما يحدث يشبه تفريغ محيط بملعقة، فإن السؤال الحقيقي لم يعد عن عدد القطع المضبوطة، بل عن حجم السلاح الذي وصل بالفعل، وعن الثمن الذي سيدفعه السكان عندما تتحول المسيرات إلى طريق يومي للعنف.